; ملوك الآخرة (34)- الصفة العاشرة: ترك الإقتار | مجلة المجتمع

العنوان ملوك الآخرة (34)- الصفة العاشرة: ترك الإقتار

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 26-ديسمبر-2009

مشاهدات 64

نشر في العدد 1882

نشر في الصفحة 55

السبت 26-ديسمبر-2009

تحدثنا في هذا العدد عن صفة «ترك الإسراف» وفي هذا العدد نتناول صفة أخرى من صفات عباد الرحمن وهي صفة «ترك الإقتار».

ما هو الإقتار؟

يقول تعالى في كتابه الكريم عن هذه الصفة من صفات عباد الرحمن ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان:٦٧). يقول صاحب اللسان: «الإقتار: التضييق على الإنسان في الرزق، والقتر: ضيق العيش وكذلك الإقتار، وأقتر: قل ماله» (۱). ويقول الشيخ عبد الحميد بن باديس «والتقتير ما كان إمساكاً عن مأمور به أمر وجوب، أو استحباب، أو عن مباح يؤدي إليهما، فالأول : كمن يمسك عن أهله شحًا حتى يذيقهم ألم الجوع والبرد، والثاني: كمن لا يذيقهم بعض الطيبات التي يخص بها نفسه من السوق، والثالث: كمن يمسك عن تطييب خاطر زوجته ببعض الكماليات مع قدرته عليها، مما يفسد قلب زوجته عليه، أو يحملها على ما لا يرضيه» (٢).

البخل والشح

والبخل والشح من معاني أو قريب من معنى التقتير، فقد عرف الجرجاني البخل فقال: «البخل هو المنع من مال نفسه، والشح هو بخل الرجل من مال غيره» (۳).

وقال القرطبي: «البخل المذموم في الشرع هو الامتناع عن أداء ما أوجب الله تعالى عليه» (4) . وهو بهذا قريب من الإقتار والتقتير، حيث يجمع بينهما معنى الامتناع عن أداء ما أوجبه الله عليه في النفقات.

أنواع البخل

قال الراغب: البخل ضربان:

أحدهما: بخل الإنسان بقنيات نفسه (٥)

والآخر بخله بقنيات غيره، وهو أكثرهما ذما (٦)، بدليل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ (النساء).

منبع الأخلاق السيئة

وكما تحدثنا بالسابق أن التطرف في كل خلق ينتج عنه أخلاق ذميمة، كذلك الحال في البخل والإقتار، فهو أحد أطراف خلق وهو الكرم، والذي طرفه الآخر الإسراف، ولا شك أن البخل والإقتار ينتج عنهما الكثير من الأخلاق الذميمة، يقول الإمام الماوردي: «وقد يحدث عن البخل من الأخلاق المذمومة، وإن كان ذريعة إلى كل مذمة أربعة أخلاق، ناهيك بها ذما، وهي: الحرص والشره، وسوء الظن ومنع الحقوق». 

فأما «الحرص»، فهو : شدة الكدح، والإسراف في الطلب. وأما «الشره» فهو: استقلال الكفاية والاستكثار لغير حاجة. وأما «سوء الظن» فهو عدم الثقة بمن هو لها أهل، فإن كان بالخالق كان شكا يؤول إلى ضلال، وإن كان بالمخلوق كان استخانة يصير بها مختاناً وخواناً. وأما «منع الحقوق»: «فإن نفس البخيل لا تسمح بفراق محبوبها، ولا تنقاد إلى ترك مطلوبها، فلا تذعن لحق، ولا تجيب إلى إنصاف» (7).

أسباب الإقتار والبخل

إن للإقتار والبخل أسباباً كثيرة منها : 

  1. ضعف الإيمان واليقين بالله بأن يوجب عليه الإنفاق في أمور، ويغيب عنه أن الله سيعوضه ما أنفق، وأن هذا المال هو مال الله ولم يأت إلى الدنيا وبيده شيء منه.
  2. الظلم والذي ينتج عنه تعطيل أو منع حقوق الآخرين.
  3. ظنه بأن ذلك من الذكاء.
  4. خوفه من مجريات المستقبل، وما يمكن أن يصيبه من الفقر والحاجة.
  5. قد تكون النشأة بين والدين بخيلين سبباً لتأثره بهذا السلوك الذميم.
  6. عدم استشعار الحساب يوم القيامة والعقوبة التي تنتظر من يمنع حقوق الآخرين.
  7. عدم استشعاره للأجر المترتب على قيامه بأداء الحقوق للآخرين.

سيطوقون ما بخلوا

والبخل والإقتار نتائج خطيرة في الدنيا والآخرة، فمن نتائج الآخرة ما ذكره الله في كتابه العزيز بقوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (آل عمران:١٨٠)، فهذه الآية تبين أحد العقوبات التي تنتظره يوم القيامة حيث يورد الإمام الطبري رواية ابن مسعود ة ، قال: «ثعبان ينقر رأس أحدهم، يقول: «أنا مالك الذي بخلت به» (۸).

أما في الدنيا، فإن بخله وإقتاره يترتب عليه نتائج كثيرة منها: 

۱- حرمانه من الأجر.

٢ – كراهية الناس له ونفورهم منه. 

٣- دعاؤهم عليه.

٤- وقوعه بالإثم.

٥- حرمانه من لذائذ الدنيا.

ولهذا السب، فإن عباد الرحمن أبعد الناس عن هذه الصفة، بل يعرفون تمام المعرفة حق الله عليهم في أموالهم، ليقوموا بأداء ما عليهم من الحقوق لزوجاتهم وأبنائهم، وأقربائهم ومن له حق عليهم.

الهوامش 

(1) لسان العرب ١٧١٦/٣. 

(۲) تفسير باديس ص ٣٥٦. 

(۳) التعريفات ٤٣/٤٢. 

(4) تفسير القرطبي ١٧٦٣/٣، ط. دار الثقافة. 

(5) قنيات أي مقتنياته 

(6) المفردات للراغب ۳۸ ، وانظر بصائر التمييز ٠٢٢٧/٢ 

(۷) أدب الدنيا والدين، ص ١٨٦، ١٨٧ بتصرف، ط، دار الكتب العلمية. 

(۸) تفسير الطبري ٤٣٦/٧ ، وصححه محمود محمد شاكر، ط، دار المعارف.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1320

83

الثلاثاء 06-أكتوبر-1998

استراحة المجتمع (عدد1320)

نشر في العدد 1746

84

السبت 07-أبريل-2007

فتاوى المجتمع (1746)