; عقيدة السلف.. وأدب الخلاف | مجلة المجتمع

العنوان عقيدة السلف.. وأدب الخلاف

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-1989

مشاهدات 69

نشر في العدد 945

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 12-ديسمبر-1989

إن بعض العاملين في حقل الدعوة الإسلامية في عصرنا فقدوا الوعي بسبيل المؤمنين، وأصابهم مرض مجتمعاتنا، فتعصب كل لرأيه أو لجماعته، وفي سبيل جمع الأنصار ينسب إلى غيره الضلال واضطراب العقيدة، وينقد الدعاة ويلمزهم حتى لو ارتكب في حقهم جريمتي الغيبة والنميمة، وأولى بهم جميعًا أن يتعاونوا فيما اتفقوا عليه، وأن يعذر بعضهم بعضًا فيما اختلفوا فيه؛ فقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: 46)، ولكن هذا يعتبر عند هذا النفر مساومة على العقيدة، واتفاق على كتمانٍ لحق.

إنه لمن التنطع في الدين أن يظن فرد أو جماعة أن لأحدهم عصمة تجعل رأيه ومنهجه هو الحق وما عداه هو الباطل، فالأمور الخلافية لا إنكار فيها شرعًا، والتماس العذر فيها ليس كتمانًا لحق أو انتقاصًا للعقيدة، لكنه تعاون على الأصول، وإنه لمن الخطأ أن يدعي فرد أو جماعة أنه يملك الحسم في الأمور الخلافية؛ بحيث يصبح الخروج عن رأيه خروجًا عن الإسلام، أو ضعفًا في العقيدة، ومن الخطأ أن نلمز المجاهد؛ لأنه لم يتفرغ لعلوم السنة، أو نلمز من اهتم بالسنة وعلومها؛ لأنه لم يجاهد السلطان، فكل ميسر لما خلق له، وهؤلاء يكمل بعضهم بعضًا، فلا ينبغي أن يعيب بعضهم على بعض، لهذا جعل النبي- صلى الله عليه وسلم- للمجتهد المصيب أجرين، وللمجتهد المخطئ أجرًا، ولنعلم جميعًا أن فقهاء الأمة قد اتفقوا على أن الأمور الخلافية لا تكون محل الإنكار، فلا يحمل العالم غيره على رأيه. (الأحكام السلطانية للماوردي ص ۲۳۱ وإحياء علوم الدين للغزالي جـ2، ص ۲۹).

ونذكر هؤلاء الإخوة بموقف الخوارج من المسلمين؛ حيث أباحوا قتل المسلمين بدعوى أنهم ارتدوا، حتى إن بعض العلماء كان يدعي أنه يهودي لينجو من سيوفهم، حيث يصبح من أهل الكتاب فلا يقتل.

ومن الأمثلة على هذا التنازع في أمر لا يقبل هذا النزاع، ما ادعاه صاحب كتاب «الجماعات الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة» من أنه «ليس لدى الإخوان المسلمين قاعدة عقائدية أجمعوا أمرهم على تبنيها والدعوة إليها؛ لذلك فهم لا يركزون على الدعوة إلى التوحيد وتصفية العقيدة». ويستدل على ذلك أن الأستاذ سيد قطب يرى أن أحاديث الآحاد ليست حجة في العقائد، ويرى الأستاذ سعيد حوى أن العقائد تبنى على النصوص المتواترة لفظًا أو معنى، كما استدل هذا الكاتب ببعض كلام الشيخ حسن البنا في رسالة التعاليم بأن الدعاء إذا قرن بالتوسل إلى الله بأحد من خلقه، خلاف فرعي في كيفية الدعاء، وليس من مسائل العقيدة (ص ۱۸-١٢٥).

وقد تجاهل الناقد أن ما يزعم أنه من العقيدة كهذا التوسل، يراه شيخه الإمام ابن تيمية أنه ليس من أمور العقيدة، ويخرجه عن دائرة الكفر فيقول: «القائل أسألك بفلان أو بحق فلان لم يقل أحد أنه استغاث بما توسل به، بل استغاث بمن دعاه وسأله أي بالله» مجموع الفتاوى ١١/ ٥٢٧.

الصحابة يكذبون هواة الخلافات 

إن الخلاف في الرأي من طبيعة البشر، ولهذا وقع هذا الخلاف بين صحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في عصره وبعد انتقاله إلى ربه، ولم يقل خصوم الإسلام أن هذا يدل على زعزعة العقيدة، أو أنهم لا يركزون على التوحيد، أو ليس لديهم قاعدة عقائدية تبنوها.

فقد روى البخاري عن ابن عمر قال: قال النبي- صلى الله عليه وسلم- يوم الأحزاب: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة»، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم بل نصلي، لم يرد منا ذلك، فذكر ذلك للنبي- صلى الله عليه وسلم- فلم يعنف أحدًا منهم، قال الإمام ابن حجر: إن بعضهم حمل النهي على حقيقته، ولم يبالوا بخروج الوقت، والبعض الآخر حملوا النهي على غير الحقيقة، وقالوا إنه كناية عن الحث والاستعجال والإسراع إلى بني قريظة.

وقال السهيلي: في هذا الحديث من الفقه أنه لا يعاب على من أخذ بظاهر حديث أو آية، ولا على من استنبط من النهي معنى يخصصه، وأن كل مختلفين في الفروع من المجتهدين مصيب، وقد يقول بعض المتاجرين بالخلافات: إن هذه القصة لم يستشهد بها أئمة السلف، فنذكرهم باستشهادات الإمام ابن تيمية إذ يقول: «وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إذا تنازعوا في الأمر اتبعوا أمر الله تعالى في قوله:  ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء: 59).

وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة، وربما اختلف قولهم في المسألة العلمية والعملية مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين.

نعم، من خالف الكتاب المستبين والسنة المستفيضة أو ما أجمع عليه سلف الأمة خلافًا لما يعذر فيه، فهذا يعامل بما يعامل به أهل البدع.

فعائشة أم المؤمنين- رضي الله عنها- قد خالفت ابن عباس وغيره من الصحابة في أن محمدًا- صلى الله عليه وسلم- رأى ربه، وقالت: «من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية»، وجمهور الأمة على قول ابن عباس، مع أنهم لا يبدعون المانعين الذين وافقوا أم المؤمنين- رضي الله عنهم- وكذلك أنكرت أن يكون الأموات يسمعون دعاء الحي لما قيل لها أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم». فقالت: إنما قال إنهم ليعلمون الآن أن ما قلت لهم الحق.. ومع هذا فلا ريب أن الموتى يسمعون خفق النعال، كما ثبت عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «وما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام»، صح ذلك عن النبي- صلى الله عليه وسلم- إلى غير ذلك من الأحاديث، وأم المؤمنين تأولت، والله يرضى عنها. (مسلم ٨/۲٦٣- وأحمد ۲/۲۱۹، وانظر مجموع الفتاوى ٢٤/١٧٢).

وعلم الجرح والتعديل لا يجوز أن يحتمي به من استباح التشهير بالمسلمين، فهذا العلم يوجب ذكر علة التجريح التي تجرح الشخص من الرجال العدول، ولا مجال لذلك في هذه الأمور الخلافية.

وعلم الجرح والتعديل يبين شروط الرواية وصفات الشخص المطعون فيه؛ لينبه الناس من شره، ويحذرهم من اتباعه، أو من قبول روايته.

وعلم الجرح أو التعديل لا يجوز أن يحتمي به من وجه اتهامًا لغيره، ومن أصبح طرفًا في خلاف مع الغير، فهذا العلم يوجب ذكر العلة التي بها يجرح الشخص ليخرج بها من شروط العدالة، كما يشترط في الناقد أن يكون محايدًا، وليس صاحب نحلة أو مذهب أو رأي خاص، إنه إن جاز لكل فرد اختلف مع غيره في أي حكم من الأحكام الشرعية أن يبحث عن عموم بعض آيات من القرآن؛ ليحتج بها على من خالفهم ممن يتمسكون بالقرآن والسنة معًا، إن جاز أن يجعل عموم آيات القرآن ناسخًا للسنة لما كان للسنة موضع ولا حكم شرعي، ولبطل قول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (الحشر: 7)، لقد فعل ذلك الخوارج؛ فردوا الأحاديث النبوية التي توجب الرجم، وتمسكوا بعموم آيات سورة النور التي توجب الجلد، وذلك على الرغم من ثبوت هذه الأحاديث النبوية، ومن تطبيق النبي- صلى الله عليه وسلم- لها.

ومن أراد المزيد في هذه المسألة، فليرجع إلى كتاب «شبهات حول الفكر الإسلامي المعاصر».

الرابط المختصر :