الثلاثاء 19-أكتوبر-1982
الوعي والمرونة ودقة التنفيذ وغربلة الآراء قواعد تحكم ضبط السير للحركة الإسلامية، واختلال هذه القواعد بشأنه أن يهدد الكيان الداخلي للجماعة المسلمة بالسقوط، ويفكك الأواصر بين مجموعة العمل المتجانسة، ومن ثم تتكون الجيوب وتتكاثر الفتن المنذرة بالهلاك، وتدارك ذلك منوط بفهم كل داعية حقوقه وواجباته اليومية، وحقه في إبداء الآراء ونقدها بعيدًا عن النهج الهدام والنقد السلبي البعيد عن الواقع المنزوي في ركن المثاليات.
وهذه القواعد تبدو في صورتها المشرفة إذا أحكمت بإطار من الشورى تلك السياسة الشرعية الرائعة، التي تضبط آراء الحركة وتوجهاتها المستقبلية.
وإنما ينضبط السير ويتقن العمل بالفقه العملي للشورى في عقول الأفراد، فإن الشورى بمفهومها الحقيقي ليست حقًا للأمير، وإنما حق للأفراد، وواجب على الأمير وجنوده أن يفقهوا الثمار المرجوة من الشورى، فهي ترفع من أقدار الأعوان وتعودهم إبداء الآراء، وتطلق الأفراد إطلاقًا ذاتيًا نحو الإبداع الذي يسهم في عملية التحرك.
والشورى تؤتي ثمارها بفقه الضوابط والقواعد الشرعية والعرفية التي تحكم الشورى، هذه الضوابط التي متى فهمت وطبقت بما يناسب الواقع والظرف، كان لها نتاج وثمرة دانية تطلب قاطفًا بارعًا.. فتعال معي أخي الداعية نمر على معالم هذه الضوابط، مبتعدين عن الجدل الفقهي العقيم، واضعين أمامنا میزان المصالح والمفاسد وسد الذرائع، لنتدارس ونتناصح وعلى الله اتكالنا.
الضابط الأول- المرونة في الإلزام والإعلام:
الخلاف في نتيجة الشورى وإلزامها وعدم إلزامها أمر يطول، وهو واضح بين الفقهاء والعلماء، ولكل فيه رأيه وحججه الصحيحة، والراجح أنه أمر مصلحي «يختلف باختلاف الزمان والمكان والجماعات، لذلك ترك أمره لأولي الأمر والرأي في الجماعة الإسلامية، ينظمونه بما يتفق مع ظروفهم وفي حدود استطاعتهم» «1».
وعلى ذلك ينبغي للجماعة أن تأخذ بما يوافي حاجاتها ويتناسب مع أفرادها وقدراتهم، وعليها أن تراعي مجال العمل الذي تطبق فيه الشورى.
وأمر آخر يجب أن يراعى وهو المرونة في هذه الأمور وأمثالها، لعدم ورود نص في ذلك، فلا يكن الدعاة آلات أو ببغاوات تطبق دون وعي، بل لا بد من توفر الوعي ومراعاة المصالح في هذه الأمور ومثيلاتها.
الضابط الثاني- معرفة نطاق الشورى:
وهذه مسألة مهمة تحتاج إلى شرح وتبيان: فالبعض يأخذ الأمور ويطبقها حرفيًا فيبدأ في الاستشارة في كل شيء، مما في هذا من عرقلة للسير وضمور التفكير والتخطيط، وإشغال الأمراء فيما لا طائل تحته، وتفويت عليهم وقت التخطيط والعمل.
وعلى هذا جاءت أقوال بعض العلماء تحدد نطاق الشورى، فالشورى تكون «في الأمور المهمة، مثل سياسة الدولة العامة وغيرها، ولا تكون في كل شيء حتى في صغائر الأمور وجزيئاتها، لأن هذا ممكن ومعقول ولا حاجة إليه ولا منفعة فيه ولا دليل عليه». «2»
وفي دقة أكثر، أن الأعمال التي لا تستدعي مجالس الشورى هي «أمور الإدارة اليومية، لحاجتها إلى حسم يقترن بالسرعة- فلا تحتمل العرض على الشورى، إلا إذا تعلق بعضها ببعض الخطير من الأمور أو المشاكل التي تمس مجموع الأفراد أو المتعاملين مع هذه الأجهزة». «3»
فالأمور التنفيذية اليومية، أو الأمور الصغيرة التي تحل دون أن يصاحبها ضرر، فلا تأخذ فيها الشورى، لأن أخذ الشورى قد يعرقلها ويؤخرها في وقت بدا فيه الزمن كعامل مهم في إدراك النجاح.
الضابط الثالث- إنما الشورى لأهل الاختصاص:
فلا يستشار أي إنسان في أي أمر، كلا إنما المشاورة تكون في حدود الاختصاص فقط، ذلك أن أهل الاختصاص هم أقدر من غيرهم في معرفة الأمور التي تدخل تحت نطاق اختصاصهم، فمثلًا: كيف يستشار طبيب في تنظيم جيش أو في رسم سياسة دولة ستحارب؟ نعم قد يستأنس بآراء هؤلاء، أما أن تكون آراؤهم هي التي تضبط الأمر وتسيره فلا، وهذا الذي قلناه من مشاورة أهل الاختصاص وجدنا له نصوصًا تؤكده، والغرض لتبنيه هذا الرأي قد نقل من أحد العلماء قوله «واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما يعلمون، وفيما أشكل عليهم من أمور الدين، ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها». «4»
فانظر كيف فسر ووضح هذا العالم الأمر من جميع نواحيه، وهذا في زمن كان يسوده الإسلام وتحكمه شريعة الله، فكيف بزمان نتن كزماننا؟ فهذا العالم قد جعل لكل علم رجالًا يستشارون به. وأكد هذا الأمر «زيدان»، حيث أعطى الحق للأمير «في مشاورة أهل الاختصاص في موضوع اختصاصهم» «5».
وكأن هذا النص يحمل أمرًا خفيًا أن الأمير يستشير أهل الاختصاص في مناط اختصاصهم فقط، ولا يتجاوز ذلك «والله أعلم».
ولذلك جعل البعض من شروط أهل الشورى صفة الاختصاص مؤكدًا «أن الخبرة والاختصاص لهما أثر كبير في كثير من القضايا الهامة، وخاصة في عصر أصبح التفوق فيه من مزايا الأمم المتقدمة، ولأن تعميم الثقافة بطبيعته يتطلب مثل هذا التفوق، حتى تتفتح الآفاق على البشرية أمام هذا التخصص، إذ لولاه لما وصل العلم في تقدمه إلى ما وصل إليه». «6»
وبناء عليه نؤكد أنه لا بد من استشارة المختصين في الأمور التي تحتاج اختصاصًا، فإن الإنسان لم يحو جميع العلوم- للخروج بنتيجة صائبة التقديرات، محكمة التقريرات سليمة النتائج.
الضابط الرابع- عزم التنفيذ بعد اتخاذ القرار:
فإن الشورى مهمتها «تقليب أوجه الرأي، واختيار اتجاه من الاتجاهات المعروضة، فإذا انتهى الأمر إلى هذا الحد، انتهى دور الشورى وجاء دور التنفيذ في عزم وحسم» «7»، فإن التردد مآله التأرجح الذي لا ينتهي والشلل والسلبية المعوقة للعمل.
فبعد تمحيص الآراء ونقاشها، قد تكون هناك أقلية ساخطة، فهذه الأقلية عليها أن «لا تناقش من جديد رأيًا اجتاز دور المناقشة، أو تشكك في رأي وضع موضع التنفيذ» «8»،لما في ذلك من انشقاق يكبد الدعوة خسائر فادحة، ولهذه الأقلية أن ترفع رأيها باحترام وتقدير دون فتح الجيوب، إن كانت ترى المصلحة العامة، فإذا رفض الاقتراح فلا يكون ذلك سببًا للصدع بهذا الأمر وتكليم العامة، بل احفظ لسانك ودعوتك، ثم على الأمراء تنفيذ ما اتفق عليه دون النظر إلى هذه الأقلية المعوقة ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ (آل عمران: 159).
الضابط الخامس- النصح والرأي لكل مسلم:
فلكل فرد في المجموعة أن يبدي رأيه في ما يرى فيه من المصلحة أو إزالة المفسدة، بشرط عدم انتشار مجالس الجيول - بمعناها الضيق المعوق- وتوصيل الرأي بطريق نظامي وبأخوة ومحبة وعدم التعصب للرأي، فإذا كان ذلك كذلك، فلكل داعية أن يرفع أمره الذي يرى فيه مصلحة المجموع أو دفع ضرر عنهم بالشروط المقيدة، فإن كان أمرًا يحتمل التأويل، فليعتقد بأن تأويله ليس أولى من تأويلات غيره وفي التأويل مندوحة.
● ترابط الضوابط:
وينبغي أن تعلم أن هذه الضوابط مترابطة بعضها ببعض، فلا تأخذ واحدة ثم يساء الفهم، وإنما تؤخذ مترابطة متناسقة، فإن الأمور لا تدرك إلا بالأشباه والنظائر، أما إذا اقتطعنا جزءًا فقد لا نفهمه كما ينبغي، لذلك نقول: إن هذه الضوابط تتناسق وتترابط لتشكل في ختام القضية ضوابط تعين على الفهم السديد والتطبيق السليم.
● النظام الداخلي كفيل:
ونقول إنه لا بد من وضع نظام داخلي محكم، يستحدثونه من صرفته وواقعيته، أخذًا بالاعتبار الظروف والواقع ومجال العمل، ويغمر من تطلعاتهم ويقف حائلًا دون تنفيذ طموحاتهم، بل يستطيع جمع القلوب على المحبة والإخاء، موضحًا لهم الطريق السليم لأمر الشورى.. فبدون هذا النظام تظل الفوضى والارتجالية والخمول والغمور تلف مجتمع الرعاة.
وبعد.. فما هي إلا ضوابط لمستها، فإن كان الكلام حقًا.. فالحمد لله الذي أنطقنا بالحق.. وإن كان محتملًا صوابًا وخطئًا، فللمجموعة أن تأخذ الحق وتترك الباطل، وما توفيقي إلا بالله.. وما هذا إلا جهد مقل ينافس الراكضين عله يصلهم.
أبو قتادة
المراجع
1- الإسلام وأوضاعنا السياسية وراجع الشورة في الإسلام/ بابلي ص 65.
2- أصول الدعوة.
3- في النظام السياسي/ العدد «1» ص ۱۱۱.
4- تفسير القرطبي 4/ 250.
5- أصول الدعوة/ ٢١٦، مجموعة بحوث فقهية 103 , 105، فارجع إليه واستفد منه فإنه كلام رجل خبير بالأمور.
6- الشورى بابللي ص ٧٤.
7- ظلال 2/ 121.
8- الإسلام وأوضاعنا السياسية/ 163.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل