; من دروس الحج | مجلة المجتمع

العنوان من دروس الحج

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 06-ديسمبر-2008

مشاهدات 67

نشر في العدد 1830

نشر في الصفحة 4

السبت 06-ديسمبر-2008

﴿ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرٞ مَّعۡلُومَٰتٞۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي ٱلۡحَجِّۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُونِ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ  لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡۚ فَإِذَآ أَفَضۡتُم مِّنۡ عَرَفَٰتٖ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلۡمَشۡعَرِ ٱلۡحَرَامِۖ وَٱذۡكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمۡ وَإِن كُنتُم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ ﴾ (البقرة: 197-198).

ها هي الأيام المباركة من العشر الأوائل من ذي الحجة تقترب من النهاية، تلك الأيام التي قال الرسول فيها: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام، يعني أيام العشر قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه، وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء» (رواه البخاري).

وها هم حجاج بيت الله الحرام يتوافدون إلى «عرفة» ومن ثم يواصلون إتمام شعائرهم في مشهد إيماني رباني تخشع فيه القلوب، وتذرف له العيون.. إنه مشهد يحيي في النفوس المؤمنة معاني الوحدة بين المسلمين، ومعاني التضحية والجهاد والفداء، وهي معاني لم يكن المسلمون أحوج إليها يوما من هذه الأيام.

فمن يتأمل مشهد الحجيج إلى بيت الله الحرام وهم بلباس واحد، ويتحركون من منسك إلى منسك إلى وجهة واحدة، ويرددون بصوت واحد، وبلغة واحدة، دعاء واحداً: لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك... لا شريك لك!!..

نقول: إن من يتأمل ذلك المشهد، يدرك إلى أي مدى يرسخ الإسلام معنى الوحدة في حياة المسلمين، ويذكرهم ويدربهم عليها في عباداتهم.. سواء كان في صلاتهم الجماعية أو في صومهم، وكذلك في حجهم.. إنه لمشهد حي يجسد معنى الأمة الواحدة، دستورها القرآن، وشريعتها الإسلام، وقدوتها سيد الخلق محمد: ﴿إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ﴾ (الأنبياء: ٩٢).

وإن هذه الوحدة التي عقد الله أواصرها بين القلوب المؤمنة هي منحة ربانية لا يمكن لأحد أن يعقد لواءها ولو أنفق ما في الأرض جميعا، وصدق الله العظيم ﴿وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ﴾ (الأنفال: ٦٣).

ولن يبلغ المسلمون هذه المكانة الكبيرة من الوحدة إلا باتباع منهج الله ونبذ كل ما يفرق صفهم ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام: 153)، وبعودة الأمة الصادقة حكاماً ومحكومين إلى الله سبحانه وتعالى بتطبيق شرعه، مع الثقة المطلقة في الله سبحانه وتعالى.. ومع العمل على تربية النفوس على قيم الإسلام ومبادئه، وتوطينها على مخالفة الهوى والإقلاع عن السلبية، والاستمساك بالهوية في مواجهة الذوبان والانجراف في المشاريع التغريبية التي تسعى لخلع الأمة وشبابها من عقيدتها.. بكل ذلك تتحقق معاني الوحدة، ويتوحد الصف المسلم ذو البنيان المرصوص الذي يصمد في مواجهة محاولات تفتيت الأمة وتفريق صفها أمام موجات التغريب والانحلال وتضييع الهوية.

إن من دروس الحج العظيمة درس التضحية والفداء والجهاد، فالحج بمناسكه جهاد، كما أن الانتقال فيه من منسك إلى منسك يحيي مشاهد تضحية خليل الله إبراهيم بابنه إسماعيل عليهما السلام الذي حفر في التاريخ درسا بليغا في الطاعة لله ثم لوالده.

وإن هذه الدروس جميعا التي يجسدها الحج إلى بيت الله الحرام كل عام تؤكد أن الأمة الإسلامية تمتلك إمكانات هائلة لاستعادة قوتها ووحدة صفها، إن عادت إلى الله عودة صادقة.. واستعادت ثقتها بنفسها، ونفضت عن كاهلها عوامل الضعف والتفرق، ورعى حكامها حقوق شعوبهم في الحرية، والحياة الكريمة، ويوم تعي الأمة هذه الرسالة جيدا تكون قد وضعت أقدامها على طريق النهوض والتحرير وبناء المستقبل.

 

الرابط المختصر :