; الفضائيات العربية بين الضجيج والإصلاح | مجلة المجتمع

العنوان الفضائيات العربية بين الضجيج والإصلاح

الكاتب محمد جمال عرفة

تاريخ النشر السبت 30-ديسمبر-2006

مشاهدات 67

نشر في العدد 1733

نشر في الصفحة 24

السبت 30-ديسمبر-2006

أزمة التمويل تعوق دعاوى الإصلاح في بعض القنوات السياسية

30 فضائية عراقية منذ الغزو الأمريكي تلعب دورًا مشابهًا لـ 80 قناة طائفية لبنانية أثناء الحرب الأهلية!

400 فضائية عربية ظهرت القمرين «عربسات» و«نايل سات» خلال ربع قرن

خبراء دعاية صهاينة: لو كانت القنوات الفضائية موجودة في أربعينيات القرن العشرين لما استطعنا إقناع الرأي العام الدولي بـ«إسرائيل» ككيان مسالم في وسط بلدان عربية متوحشة

منذ انطلاق أقمار «عرب سات» عام 1976م، والمصري «نايل سات» 1996م، وهناك طفرة ضخمة في أعداد الفضائيات العربية التي تبلغ قرابة 400 فضائية، غير عشرات الفضائيات الأخرى: الدينية، أو المعارضة، أو المواجهة، التي تبث من أقمار أخرى أوروبية وأمريكية وتوجه للمنطقة العربية، وسط تنوع كبير في الفضائيات بين رسمية، ودينية، وإخبارية، وتجارية، وقنوات أغان، ورقص، وخلافه.

ومع انتشار هذه القنوات، بات تأثيرها-غير الفضائيات الأجنبية- أكثر على الأسر والشارع العربي، وأصبح بعضها يلعب دورًا مهمًا في تكوين عقول الشعوب سلبًا أو إيجابًا.

فمحطات الأغاني والرقص أو «الفيديو كليب» والتي وصل عددها لقرابة 25 محطة -تبث يوميًا الخلاعة وتنشر الذيلة، ومحطات الأفلام والدراما والرياضة تقدم اللهو والتسلية، وقنوات الأخبار تقذف يوميًا بمئات الأخبار الموجعة للعرب والمسلمين، والفضائيات الإسلامية تسعى لترميم بعض ما تدمره كل هذه القنوات، فيما تخطط أخرى تنصيرية للسطو على عقول الشباب المسلم بطرق ملتوية.

وإذا كانت بعض هذه الفضائيات -خصوصًا الإخبارية- قد ساهم ضمنًا في تشكيل عقول الشعوب العربية وبث الممنوعات السياسية، وقدمت خدمة تثقيفية وتنويرية مهمة للشعوب، ومن ثم شجعت تعظيم أفكار الإصلاح، والتغيير، والتطوير في العالم العربي، فقد سعت قنوات أخرى ترفيهية لهدم قيم المجتمعات العربية عبر إحلال قيم «غربية» منحلة بديلة للقيم الإسلامية في وجدان الأسر العربية.

الفضائيات والإصلاح

وفي الوقت الذي تؤكد فيه العديد من الدراسات الأكاديمية أن هناك إقبالًا شديدًا من الشباب على الفضائيات مثل دراسة: «استخدامات الشباب العربي للقنوات الفضائيات وتأثيرها عليهم» التي أجرتها د. مني الحديدي و د. عاطف العبد أستاذا الإعلام بجامعة القاهرة، وكشفت أن 100% من الشباب العربي يشاهدون الفضائيات، وأن (43%) يشاهدونها بشكل دائم و(7%) بشكل غير منتظم، كما أن (۷۱%) يفضلون القنوات العربية أكثر من الأجنبية.

ويؤكد خبراء دعاية أن الدور الذي تلعبه بعض هذه الفضائيات كان أحد عوامل دفع وتشجيع تيارات التغيير والإصلاح في العالم العربي. 

والأهم أن الدراسة السابقة توصلت إلى وجود علاقة بين مستوى المعرفة السياسية والمعرفة العامة، وبين تعرض الشباب للفضائيات، حيث أثبتت أن (٥٧%) من العينة تعرضوا لتأثير الفضائيات بدرجة عالية (۳۲%) متوسطة، و(۱۱%) منخفضة، وأن هناك أكثر من (5) آلاف قناة تصل إلى العالم العربي، منها (۸۰۰) غير مشفرة، و(٢٢٢) باللغة العربية و(٢٣) قناة للأغاني.

ولأن نسبة مشاهدة القنوات الإخبارية هي الأعلى وهي التي لعبت دورًا أكبر في تعميق مستوى المعرفة السياسية، فقد كان من الطبيعي أن يؤكد خبراء السياسة والإعلام على دورها في الإصلاح، وكذلك على دور الفضائيات الدينية في معادلة موازين الخلل التي تفرضها الفضائيات الانحلالية، أو التي تشيع الفواحش الفكرية بين الناس، وبالتالي تقدم البديل نسبيًا.

تغيير معرفي ولغة جديدة

وفي هذا السياق يؤكد د. صفوت العالم أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة: أن الفضائيات العربية أحدثت نوعًا من التغير الكبير في درجة معرفة الجمهور بالأحداث ومعايشته لها وقت وقوعها ما أحدث ردود أفعال مباشرة عليها، وجعل الجمهور يتعايش مع الواقع ونبض الأحداث «مثل نقل ما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة»، ونجحت الفضائيات في تجاوز بعض القيود التي تفرضها الحكومات على الإعلام، فلم يعد هناك جدوى من وجود تلك القيود أو فرض الرقابة.. وأوجد البث الفضائي لغة جديدة لتناول القضايا والموضوعات العربية الحيوية، ساهمت في دفع أفكار التغيير والإصلاح.

وأشار إلى ما سبق أن قاله أحد خبراء الدعاية الصهيونية من أن: القنوات الفضائية لو كانت موجودة في الأربعينيات من القرن العشرين لما استطاعت الدعاية «الإسرائيلية» إقناع الرأي العام الدولي بأنها «إسرائيل» كيان صغير مسالم في وسط بلدان عربية متوحشة تريد الفتك بها!

إلا أنه د. صفوت يحذر من أن: «غياب الإصلاح السياسي العربي ووجود إطار محدد للاتفاق على القضايا العربية الأساسية لن يؤدي لتحسن وضع الإعلام العربي، وسنظل أمام قنوات إعلامية لا تعبر إلا عن النظم السياسية القائمة وكل منها يركز على قطريتها وهمومها الداخلية وفي ظل هذه الوضعية سيستمر تعميق الخلافات العربية عبر الإعلام.

وفي سياق متصل، أكد عدد من الخبراء والإعلاميين -خلال ندوتي «التغطية الإخبارية لقضايا التحول السياسي في العالم» و«الإعلام وقضايا الإصلاح» ضمن فعاليات مهرجان الإذاعة والتلفزيون الثاني عشر الذي عقد مؤخرًا بالقاهرة- أنه بإمكان وسائل الإعلام لعب دور مهم في قضايا الإصلاح بأي مجتمع، وكذا بوسعها في الوقت نفسه عرقلة الإصلاح» مؤكدين أن انتشار الفساد وكذلك تمويل الإعلام في الوطن العربي يقف أحيانًا عقبة أمام مساندة هذا الإعلام للإصلاح أو تعبيره عن الواقع بحرية.

وأشار الخبراء أيضًا إلى أن سيطرة الحكومات على وسائل الإعلام وعلى تمويل بعض الصحف، يلعب دورًا في توجيه المطبوعة نحو دعم الإصلاح أو تعطيله فضلًا عن أنه يحدث خلطًا في مفاهيم الإصلاح أحيانًا.

الفضائيات الدينية وتعميق الخلافات

كما يشدد الخبراء على أهمية دور «الفضائيات الدينية» في إثراء القيم الإسلامية في مقابل موجات القيم المادية بيد أن هناك عدم رضا عن دور بعض هذه الفضائيات الدينية ترجع أسبابها -حسبما ينقل د. سامي عبد العزيز عن ندوة لقناة «اقرأ» حضرها عدد من المفكرين وخبراء الإعلام- إلى:

١- إن الآلة الإعلامية الإسلامية وعلى رأسها الفضائيات لم تفلح في أن تجمع الفضائيات، واكتفت في أغلب الأحيان بنقل الواقع السلبي للمسلمين، فألهبت الجروح وباعدت الشقة في العائلة بين الأخوة، وفي العشيرة بين الأرحام، وفي الشعب بين الشرائح وفي الأمة بين الشعوب...

 ٢- رغم اجتهاد بعض القنوات الفضائية الدينية في الالتزام بمفهوم الوسطية الذي هو جوهر الإسلام، إلا أن بعض هذه القنوات لم تدرك أهم حقيقة من حقائق المنهج الإسلامي ألا وهي ضرورة تمايز مستويات الخطاب الديني بما يتناسب والمستويات العقلية للمخاطبين، فراحت تفرق المواطن البسيط في جزئيات ومتاهات لا يقوى على هضمها واستيعاب معانيها ومراجعها إلا أهل الاختصاص، مما ألقى بالمواطن المسلم في دوامات البلبلة والشكوك.

٣- أثار بعضها مفهوم الطائفية والمذهبية إلى حد إجازة الاقتتال بين أصحاب المذاهب، وبشكل غير مباشر وضعت معايير غريبة للنجومية الدينية فأصبح النجم هو الذي يأتي بحجج تعمق الخلافات والاختلافات المفتعلة والمزعومة والتي يتبرأ منها الإسلام الصحيح.

قنوات العراق الطائفية

ومؤخرًا بدأت حلقة جديدة أكثر خطورة لهذا الغزو الفضائي العربي، وتحديدًا عقب غزو العراق، في صورة انطلاق عشرات المحطات الفضائية العراقية الخاصة والموجهة التي يعبر أغلبها عن تيار طائفي يستهدف التحريض، وبث أفكار دينية انفصالية، ويعبر قسم آخر منها عن قوات الاحتلال الأمريكية، وقسم ثالث استغل الموجة ليطلق فضائيات تنصيرية عراقية بأموال رجال أعمال عرب مسيحيين. 

وبلغ عدد الفضائيات العراقية عمومًا على القمر الصناعي المصري قرابة ٣٠ محطة فضائية، إضافة إلى ٥ قنوات أخرى كردية وعراقية على القمر الأوروبي، وقسم كبير من هذه الفضائيات «طائفي» يركز على قضايا طائفية أو حركات انفصالية غير فضائيات أخرى تعمق التوجهات الطائفية والعرقية، حتى أن البعض يتخوف من أن تلعب هذه الفضائيات الطائفية ذات الدور الذي لعبته القنوات التلفزيونية اللبنانية أثناء الحرب الأهلية اللبنانية (١٩٧٥- 1990) التي وصل خلالها عدد المحطات الطائفية لحوالي (۸۰) محطة، وكانت تلك المحطات جزءًا مكملًا للحرب الداخلية الطائفية، وأداة في تأجيجها!

انطلقت معظم تلك الفضائيات من منطلقات عنصرية، وتحول بعضها لمراكز إعلامية لبعض السياسيين الانفصاليين والطائفيين.. وقد وصلت فضائح بعض هذه الفضائيات العراقية الطائفية لحد إصدار منظمة العفو الدولية ومنظمات حقوق الإنسان الدولية بيانات تنتقدها، بل وتعتبرها مراكز تعذيب وتشجيع على العنف الطائفي، لأنها تبث ما تسميه «اعترافات» لمواطنين عراقيين باعتبارهم «مجرمين إرهابيين»، قبل تقديمهم للمحاكمة، أو صدور أحكام قضائية عليهم، وقد تحدث بعضهم للكاميرا وآثار التعذيب بادية عليه، واعترف البعض الآخر بجرائم أخرى ثبت أنها غير حقيقية.

ومن أبرز هذه القنوات الطائفية العراقية -وفق إعلاميين عراقيين- قنوات الفيحاء - الفرات - المسار- بلادي - آفاق.. وهي قنوات تعود إلى رموز كتلة «الائتلاف العراقي الموحد» بزعامة عبد العزيز الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وحزب الدعوة.

فقناة الفرات هي الناطقة باسم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، وقناة الفيحاء تبث من البصرة، وقناة بلادي وهي ناطقة باسم حزب الدعوة الإسلامي ويملكها رئيس الوزراء العراقي السابق إبراهيم الجعفري.

 بجانب القنوات الكردية مثل: قناة «كردسات» التي تبث إرسالها من السليمانية، هي ناطقة باسم حزب الاتحاد الوطني كردستاني وقناة «كردستان» وتبث إرسالها من السليمانية أيضًا، وهي ناطقة باسم الحزب الديمقراطي الكردستاني، ومديرها العام هو الإعلامي كاروان عقراوي، وقناة «زاجروس»، وقناة «الحرية»، وقناة «السلام»، قناة «المربد» وقناة «بابل»، وقناة «المسار»، قناة «الغدير»..

وتبرز عدد من القنوات التركمانية، مثل: قناة «تركمان إيلي» التي تبث إرسالها من كركوك، وهي ناطقة باسم الجبهة التركمانية العراقية، وقناة «بيت نهرين» وهي «مسيحية شورية»، وهناك قناة عشتار «مسيحية» التي بث إرسالها من عينكاوا، وهي تختص بالشأن الآشوري والكلداني السرياني، وقناة آشور «مسيحية» تبث إرسالها من أربيل. 

ومقابل هذا، هناك قنوات أخرى «سنية» تتبنى الدفاع عن حقوق السنة في العراق، من هذه المحطات الفضائية العراقية قناة الشرقية، ويملكها الإعلامي سعد البزاز رئيس تحرير جريدة الزمان، وقناة البغدادية لتي تبث إرسالها من القاهرة، وقناة الزوراء «سنية» ويملكها السياسي والنائب مشعان الجبوري رئيس كتلة المصالحة والتحرير ورئيس حزب الوطن، وقناة «بغداد» الناطقة باسم الحزب الإسلامي العراقي، وقناة «صلاح الدين» التي تبث إرسالها من تكريت يملكها الشيخ كنعان الصديد، شيخ مشايخ عشائر شمر الصايح في العراق، وقناة «الديار» التي يملكها ويديرها المخرج فيصل الياسري، وقناة «السومرية» التي تبث من بيروت، ومديرها العام هو الإعلامي جاسم اللامي، وقناة المشرق «سنية صوفية» التي ملكها الشيخ نهرو محمد عبد الكريم، أحد شيوخ الطريقة الكسترائية التابعة للطريقة القادرية الصوفية المعروفة.

وهذا غير قنوات مدعومة من الاحتلال الأمريكي أبرزها قناة «الحرة عراق»، وهي صناعة أمريكية بحتة ومقرها في واشنطن. 

صحيح أن القاعدة الإعلامية تقول إن غالبية هذه الفضائيات الطائفية أو الإباحية سوف ينتهي بها الزمن ولن تستمر في أوقات الاستقرار، وفي ظل لفظ المجتمعات العربية لها، ولكن المشكلة أن تأثيرات هذه الفضائيات سوف تستمر عدة سنوات على الأقل حتى يستقر ما ينفع الناس منها!.

الرابط المختصر :