; السلطة السياسية الحاكمة وظاهرة الرأي العام | مجلة المجتمع

العنوان السلطة السياسية الحاكمة وظاهرة الرأي العام

الكاتب حامد عبدالماجد قويسي

تاريخ النشر السبت 23-يونيو-2001

مشاهدات 70

نشر في العدد 1456

نشر في الصفحة 66

السبت 23-يونيو-2001

علاقة السلطة السياسية الحاكمة بظاهرة الرأي العام من القضايا البالغة الأهمية لأنه من خلال قيام السلطة بتشكيل الرأي العام فهي تصنع في حقيقة الأمر شرعيتها وشعبيتها وبالتالي استمراريتها، واستقرارها، ويقتضي توضيح ذلك نظريًّا بيان جانبين: الأول: مجموعة الأدوار الاتصالية الإعلامية، والدعائية والحضارية والعقدية التي تقوم بها السلطة لتحقيق ذلك الأمر، والثاني: ديناميات القيام بهذا الأمر عبر التدخل ولو بطريق غير مباشر في العملية. 

يمكن الحديث عن خمسة أدوار متكاملة للسلطة في عملية تشكيل الرأي العام.

هي:

  1.  الأدوار الإعلامية: تتجه السلطة إلى المواطنين مفترضة أن لهم الحق في أن يكونوا على علم بحد أدنى من المعلومات عن الأحداث والوقائع التي تشهدها الحياة اليومية في مجتمعهم، وهو ما يعرف أحيانًا في بعض الأدبيات بحق الاتصال، أو حق الحصول على المعلومة، ويعني الإعلام: الإنباء أو الإخبار بما يقع من الأحداث، وما يثور من القضايا، من خلال استخدام اللغة، والخطاب بالدرجة التي تحقق المصدقية، وتقود إلى الترابط بين السلطة الحاكمة والمجتمع المحكوم، ويدعم بالتالي من المثالية السياسية السائدة ويمكننا في هذا الصدد أن نفرق بين الإعلام الناقل الذي ينقل البيانات والتصريحات، والإعلام الراصد والواصف الذي يتابع الوقائع والأحداث المختلفة مع ملاحقة تطوراتها، وإعلام الرأي الذي يطرح الرأي، ويحدد المواقف، وقد يتخذ شكل المقالات، والافتتاحيات بما يتضمنه من رأي في الأحداث أو موقف منها، هذه الأنواع الثلاثة يتم تشكيل الرأي العام من خلالها، مع ملاحظة أن النوع الثالث هو الأكثر تأثيرًا بما يتضمنه من تحليلات ورؤى، ولا يعني هذا أن تأثير النوعين الآخرين أقل على الدوام، إن الإعلام الناقل قد ينتقي ما يقوم بنقله طبقًا لمواقف مسبقة فيركز على أشياء ويسقط أخرى، بل أحيانًا تكون الطريقة الفنية في إخراج ما هو منقول ومكانه ووسيلة نشره، والتعقيب عليه بمثابة موقف أو رأي معين يراد تشكيله، كما أن الإعلام الراصد والواصف يمكن أن يتلاعب بالعملية فيقوم بصناعة الصورة كما يريد، متلاعبًا في مكوناتها، اجتزاء أو تزيدًا في الوصف، بما يعبر عن رأي غير مباشر، كما أن نظم الأحداث بشكل معين يشير من طرف خفي إلى إرادة وجهة نظر معينة أو تشكيل رأي عام في اتجاه محدد.

 ومن هنا شاع استخدام مفهوم إعلام السلطة الذي يعني التوظيف السياسي للإعلام في تشكيل الرأي العام بما يدعم سياسات الأنظمة السياسية ومواقفها واختياراتها، وأحيانًا للتعبئة، وحشد التأييد والمساندة لها، وبالذات في أوقات الأزمات السياسية الحادة كما أن إعلام السلطة هو أحد الأدوات المهمة في عملية صناعة السلطة ذاتها، وتكريس أوضاع القائمين عليها ومصالحهم من خلال المسلك الدعائي، ويعد إعلام السلطة انحرافًا عن ممارسة الأدوار الإعلامية الحقيقية إلى ممارسة الأدوار الدعائية.

والواقع أن قيام السلطة السياسية بإمداد الرأي العام في المجتمع بالبيانات والمعلومات حول الأحداث والوقائع التي يعيشها ويمر بها يسهم في تنویره وإحاطته علمًا بتلك الأحداث والوقائع ويساعده على تكوين إدراكاته، وتصوراته عنها. وبالتالي تكوين وعيه الذاتي بها وتتفاوت الأنظمة الإعلامية في مختلف البلدان في قيامها بهذه الوظيفة، وهي بهذا تكون النقطة الأولى في عملية تشكيل الرأي العام.

  1.  الأدوار الثقافية تتحرك السلطة السياسية في ممارسة الأدوار الثقافية في مسارين أو اتجاهين أساسيين:

الأول: داخلي ويتم من خلاله التثقيف السياسي باعتباره يدور حول عملية تحقيق الاندماج أو على الأقل التوافق المجتمعي، أو توحيد الإدراك المجتمعي إزاء قضايا الوجود السياسي الأساسية في المجتمع في مرحلة زمنية طويلة نسبيًّا.

الثاني: خارجي ويتحرك لمساندة السياسة الخارجية، فالأدوار الثقافية للمراكز الثقافية والعلمية والجامعات والبعثات التعليمية، وجميع أشكال الوجود الثقافي تدعم .. ولو بشكل غير مباشر.. السياسة الخارجية للدولة.

والواقع أن قيام السلطة السياسية، من خلال الأدوات التي تهيمن وتسيطر عليها، بتكوين مدركات عامة منسقة أو موحدة حول مجموعة من القضايا والموضوعات التي تدور حول طبيعة المجتمع الذي تحكمه، وحول كليات الوجود السياسي بحيث يمتلك المجتمع حدًّا أدنى من الاتفاق أو الإجماع القومي حول الموضوعات الأساسية التي تشكل جوهر وجوده السياسي، وبالتالي يكون قادرًا على تقديم الاستجابات السليمة على التحديات التي تواجهه، إن توافر هذا الحد الأدنى من الإجماع الوطني يقدم مساندة حقيقية للسياسة داخليًّا وخارجيًّا من ناحية، ويهيئ أرضية صلبة لأداء الدور الحضاري من ناحية أخرى.

  1.  الأدوار الحضارية لا تتحدد هذه الأدوار فقط بمجرد إيجاد حد أدنى من الإجماع الوطني بصدد القضايا الأساسية المتعلقة بوجود مجتمع معين ونمط حياته، وإنما أيضًا بإيمان المجتمع بأن له رسالة معينة، ووظيفة محددة ذات منطلقات معنوية في مجال التعامل الخارجي، وهي تلك التي تفسر الانطلاق من رسالة فكرية والتبشير بها في المجتمع الخارجي، ويجب أن نفرق بين مجتمع يمتلك مقومات هذا الأمر ومجتمعات تسعى لصناعته وتدعي ملكيته والواقع أنه من خلال التنشئة السياسية والأدوار التثقيفية يتوحد الإدراك المجتمعي أو القومي حول مجموعة من القضايا، بحيث يكون المواطن مستعدًا، من خلال الإيمان بهذه القضايا، لأن يسعى لنشرها خارج مجتمعه المحلي ومن خلال إقناع الآخرين بها، وغزو قناعاتهم الفردية بها يتم إيجاد المواطن والمجتمع صاحب الرسالة الذي هو نتاج عملية طويلة من بناء الرأي العام وتشكيله وصناعته.

  2. الأدوار العقدية، إن الأدوار العقدية تعبير عصري عن مفهوم قديم، فالدولة إذا كانت ذات مثالية معينة دينية أو أيديولوجية، فإنها تسعى إلى صبغ عملية التطور السياسي بتلك الصبغة، بحيث تكون هي أداة تطبيقها وإنجازها داخليًّا وخارجيًّا، وهذه الأدوار من أهم الأدوار المعبرة عن الوجود المعنوي للدولة والسلطة السياسية، فالأدوار العقدية محور وظيفتها داخليًّا، وهي تقود عملية التطوير السياسي لمجتمعها أن تجعل من هذا التطور أداة أو عملية لتطبيق أو إنجاز مثالية أو عقيدة سياسية محددة مفرغة في برنامج، أو خطة محددة، تتبناها وتقيم مجتمعها بجميع نظمه وأنساقه عليها، ومن هنا تقوم بعملية تكوين حقيقية للرأي العام. 

الأدوار الدعائية، وهي أقصى مستويات ممارسة الأبعاد المعنوية بمعان معاكسة، حيث السلطة السياسية تجردت عن معنوياتها، وهي تتجه بتطبيقات أدوارها للخارج من خلال تطبيقين القضاء على الخصم بأسلوب الحرب النفسية، وعملية التسميم السياسي. فالسلطة السياسية تتجه إلى الرأي العام الخارجي، وقد تركت قيمة الصدق، ومثالية الدعوة واتجهت إلى منطق التضليل والدعاية، لتقوم بعملية تشكيل للرأي العام على أوسع مدى.

الرابط المختصر :