العنوان إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة (الحلقة الثامنة والخمسون)
الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 21-أبريل-1981
مشاهدات 172
نشر في العدد 525
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 21-أبريل-1981
دولة الخلافة والحركة الوهابية
رأينا في الحلقة السابقة كيف انتهت علاقة دولة الخلافة مع الحركة الوهابية بإعلان الحرب على الأمير سعود ثم ضرب الحركة في معقلها بالدرعية في عهد الأمير عبد الله.
ثم رأينا كيف تجددت الحركة عسكريًا وسياسيًا على يد الأمير تركي بن عبد الله، وظهرت أهميتها بانتصار آل سعود على آل رشيد واحتلال حايل..
وفي هذه المرحلة تشابكت العلائق بين دولة الخلافة وآل سعود وآل رشيد، وظل الأمر بيد دولة الخلافة، إما تعلن الحرب على آل سعود والحركة الوهابية، وتقف في صف حليفها ابن الرشيد، أو أنها ترضى بالأمر الواقع، فأي الخيارين تلزم؟ هذا ما نهوى طرقه في هذه الحلقة فنقول وبالله التوفيق.
شاع في هذه المرحلة خصوصًا بعد انتصار عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود على ابن الرشيد واستعادته الرياض، أن الأمير عبد العزيز قد خرج بفعله هذا على الدولة، وبدأ المغرضون يشيعون الافتراءات محاولين تذكير دولة الخلافة بواقع الحركة أيام دخول الأمير سعود مكة المكرمة، فواقع اليوم لا يقل خطورة عن واقعها السابق محاولين بذلك استعداء دولة الخلافة لتلقي بما تبقى من قوتها المنهكة في وجه المسلمين، وكان الإنجليز وأعوانهم وراء تلك الإشاعات والدسائس، وقد حاولوا فعلًا ذلك في عهد فيصل بن تركي لما رأوا ما حققه من انتصارات تكملة لانتصارات والده المجدد الفعلي للحركة الوهابية في مرحلتها الثانية، فقد بعث الإنجليز رجلًا وصل درجة بطريرك بل كان بطريرك الروم الكاثوليك المسمى ب بطرس الجريجيري، فقد دعا الأمير فيصل بن تركي لتأسيس علاقة مع بعض دول أوروبا، على أن تساعده هذه الدول على الدولة العثمانية فأجابهم بقوله: «إنني وإن كنت عدوًا لسلطان إستانبول، فلا أرضى أن أستعين بالأجنبي».
فالأيدي القديمة التي حاكت الخطط للإطاحة بالرجل المريض، هي نفسها التي تتولى تصعيد الإشاعات وتجسيدها في هذه المرحلة، وبدأت الصحف المصرية تتولى بث الدعايات والتحريض، فتدعي أن ابن سعود خارج على الدولة العلية وقد نبذ طاعتها، وقد كانت الأموال والرشاوي تدفع بتلك الصحف لتروج مثل ذلك. بل كانت كتبت الرسائل على لسان ابن سعود ينكر فيها ولاية السلطان العثماني في إستانبول ترسل إلى رؤساء الجند العثماني وإلى السلطان نفسه.
وفي الوقت نفسه كان السلطان عبد الحميد يحاول جادًا إعادة سياج الدولة العلية وتقوية روابطها بالدول العربية خاصة، فنادى بفكرة الجامعة الإسلامية، التي قصرت أنظار الكثيرين عن إدراك مراميها وأبعادها.
إلا أن تلك الدسائس قد جاءت بعد تجربة حروب مريرة لم يجن منها المسلمون إلا الدمار والفرقة، ولم يكن من السهل بعد هذا أن تقع الدولة العلية فيما وقعت فيه، ولم يكن من اليسير أن تنطلي أبعاد ذلك على السلطان عبد الحميد.
وقد كانت أنظار الغيورين من المسلمين تتجه كلها إلى جانب الحل السلمي بالتفاهم بين الدولة العلية والحركة الوهابية، وكان لهم دور مؤثر في سير الأحداث هذه الوجهة السليمة.
وكانت الآراء تتلخص في أن تقر دولة الخلافة عبد العزيز ابن سعود على ما تحت يده وأن يعلن عبد العزيز ولاءه للدولة العثمانية.
وكان هذا رأي أمير البيان شكيب أرسلان والشيخ رشيد رضا والشيخ جاسم الثاني والي قطر وغيرهم.
وقد ساهمت جهود هؤلاء وآخرين في حل المشكلة وفق النظر الصحيح.
وفي هذا يقول شكيب أرسلان: «قبل الحرب العامة ببضعة أشهر تولى نظارة الحربية المرحوم أنور باشا، وكان برنامج سياسته اتحاد المسلمين كما يعلم كل أحد، فكان يكره سفك الدماء فيما بينهم لا سيما مع الأخطار المحدقة بجميعهم، ولم يكن عنده روح النفاسة «أي خوف المنافسة» لقوة العرب كما كان عند غيره، فكان يرسل بالأسلحة والعدد الحربية إلى ابن الرشيد، وإلى الإمام يحيى، وقد عزله بعض الأتراك على عمله هذا فقال له: أتسلح رجالًا قد يجيء يوم يستعملون فيه هذا السلاح في قتالنا، قال له أنور: أترى لو هاجمت اليمن أو نجدًا دولة أجنبية نقدر أن ندفعها نحن من هنا، قال: لا، قال أنور: إذا كنا لا نقدر أن نحافظ عليهم أفلا نمكنهم على الأقل من المحافظة على أنفسهم، فأخرسه أنور بهذا الجواب.
ثم استشارني مرة في أمر ابن سعود، فأبديت له رأيي، وهو أن تصافي الدولة ابن سعود وتجعله من أعضائها بدلًا من أن يكون من أعدائها فوجدته
متشبعًا بهذا الرأي.
ويقول رشيد رضا «قد علم رأينا حصر المصلحة في إقرار ابن سعود على إمارة نجد الموروثة له، وألا تفعل الدولة العلية في بلاد العرب ما يزعزع ثقتهم بها، وإذا وثق بها أهل نجد سهل عليها حل عقدة اليمن، وكذا عقدة الكويت».
وأرسل أحد الغيورين ممن لهم اطلاع ببواطن الأمور وبعد نظر مجلة المنار مقالًا قيما دون أن يذكر اسمه، وقد وضع فيه النقاط على الحروف، وفصل القول مبينًا ما ينبغي أن يكون عليه موقف الدولة العلية، بناء على الموقف الحقيقي لانتصار ابن سعود على ابن رشيد.. وما يمكن أن يؤول إليه تدخل الدولة العلية لمناصرة ابن رشيد على ابن سعود.. موضحًا حقيقة الحركة الوهابية ودورها في حفظ بلاد الحرمين.. ثم بين أن عبد العزيز بن سعود ما هو إلا أحد رعاياها يقر لها بالولاء والطاعة، وأن استيعابه واحتواءه ليس بالأمر الصعب، بل إن ابن سعود يرجو هذا الموقف ويتمناه، فلننصت إلى هذا الرجل الناصح ما يقول: «إن الفتنة التي حدثت في هذه السنين الأخيرة في القطعة النجدية قد نظر إليها الرأي العام من عقلاء المسلمين حكمائهم نظر الاهتمام، كأنها الداء العضال العادي الذي يهدر حصة الأعضاء الرئيسية من الجسد الإسلامي، حيث إنهم قد أدركوا بثاقب أفهامهم المنورة بنور الإيمان أنها إذا لم تتداركها حكمة جلالة خليفة المسلمين بالحل السلمي السديد لا تنتهي إلا بمداخلة يد الأغيار المشتت لجموعنا أولًا وآخرًا.. هذا ما عنيناه من قولنا كأنها الداء العضال العادي... إلخ.
وحقيقةً إذا نظرنا نظرهم هذا أخذت بنا الدهشة كل مأخذ واستولت علينا من كل جانب، حتى إذا ما تثبتنا بعد الدهشة واهتدينا غب الحيرة ورجعنا نتلافى الأمر، وليس لنا من الأمر شيء سوى استلفات واستعطاف أصحاب أهل الحل والعقد من أمراء الدولة العلية الذين هم لا يهمهم سوى الإصلاح لتلافي هذا الأمر وإخماد ثورة الحادثة وإطفاء نار هذه الفتنة بالإصلاح والتوفيق السديد، لا ببرق السيوف ورعد المدافع وتحشيد العساكر والضغط الموجب للانفجار وتخريب الدار وتدمير الديار وتداخل يد الأغيار ولو بدون أهلية واستحقاق كما نعلم وتعلمون.
نعم وقد ولي عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود بلاد أبيه وجده بقاعدة الرياسة المعروفة بالمشيخة في البلاد العربية متغلبًا على الأمير عبد العزيز بن رشيد وكما تدين تدان «وتلك الأيام نداولها بين الناس» لكن نظرًا لما جبل عليه الأمير ابن رشيد من اللؤم والغبن ولما هو متصف به من العناد ولما له من نفوذ الكلمة وقبول القول لدى أمراء الدولة العلية اغترارًا بما يرون منه بهارج القول وطمعًا بما ينالونه من غير الهدايا استمالهم لمساعدته فساعدوه غير ناظرين لما يؤول إليه أمر مساعدته من... ومن... ومن...
وإذا لم يفكروا إلا في نفس مساعدته وتقويته فإن في ذلك إذهاب قسم عظيم من ملك الدولة العلية العثمانية فضلًا عما يكلف الدولة العلية من المشاق والخسائر، وإضعاف النفوذ وتلف مئات ألوف من المسلمين والتداخل الأجنبي إلى غير ذلك من أنواع المضرات التي لو لم يكن من ثمرة لها غير التفريق والتشتيت لوجب أن يكون ذلك حاجزًا قويًا بين أرباب الحل والعقد وبين الميل لمساعدة أحد الفريقين على الآخر، فضلًا عن المساعدة فعلًا، بل لوجب جمع فكرهم على اتخاذ الأسباب والوسائل لإصلاح ذات بين الفريقين وجمع كلمتهم تحت الراية المقدسة العثمانية، على أن الأمل الوطيد والحق الحقيقي هو أن عبد العزيز بن سعود هو أطوع من غيره لإرادة جلالة متبوعه، مع أنه لم ينظر إليه بعين الرضا كغيره ولو نظر إليه بعين الرضا ورأى المساواة بينه وبين غيره لرأت الدولة العلية من خدماته الصادقة النافعة ما يجعله أقرب قريب لديها.. ولا نظن إلا أن الذي أغمض عن هذه العين الجليلة هو ما دخل الأوهام من خرافات المموهين بأن الخطر على الحرمين الشريفين وأطرافهما من عبد العزيز بن سعود محقق لأنه وهابي، والحال أن التوهب الذي يرمون به ابن سعود وعشائره أهل نجد هو اعتقاد السلف الصحيح في توحيد الذات الإلهية وتقديس صفات الربوبية، وهذا شيء لا دخل له بالملك والسياسة، لكن المقاصد تغلب الحقائق، وأما محافظة ابن سعود على الحرمين طريقهما وقصادهما وفود الحجاج وكسر شوكة الذين كانوا يتعرضونهم من ثوار العشائر البادية فهذا محسوس ومشاهد بالعيان، حتى رأى الحجاج من العزة والاحترام منذ عامين في طريقهم كل تسهيل موفرين ومقتصدين لما كانوا يعطون من الرسوم المقررة لرؤساء العشائر عن يد وهم صاغرون، فكفت أيدي البادية ورأى الحجيج من العزة والاحترام ما لم يروه قبل، وهذه قضية مسلمة يقر ويعترف بها حتى الخصم نفسه. فنسأل الله جل جلاله أن ينصر دولتنا العلية ورجالها الصادقين ويلهمهم السلوك في طريق الرشاد فيصلحوا ذات بين الفريقين وتحفظ الدولة العلية لنفسها طوق سيادتها المقدسة في الجانبين كذي قبل، وإذا اختلف أحد منهم عن إرادتها وخلف رضاءها العالي إذ ذاك فلها أن تؤنب وتعنف وتؤدب بما شاءت وكيفما شاءت، وهي ذات السيادة المطلقة في جميع ممالكها المحروسة.
ومن هذا كله يتضح أن خوف الغيورين من رجال الأمة أن تستمر دولة الخلافة على علاقتها السابقة تجاه الحركة الوهابية ممثلة بقيادة آل سعود، ويشفقون على دولة الخلافة ذاتها من تلك السياسة وما يمكن أن تجر وراءها من آثار، قد تعجل بالإطاحة بصرح الدولة المتصدع.