; اتجاهات العدالة في بلدان الربيع العربي | مجلة المجتمع

العنوان اتجاهات العدالة في بلدان الربيع العربي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الخميس 01-يناير-2015

مشاهدات 60

نشر في العدد 2079

نشر في الصفحة 18

الخميس 01-يناير-2015

واجهت العدالة الانتقالية في بلدان "الربيع العربي" معضلات قانونية وسياسية، فمن الناحية القانونية نشأت المؤسسات الجديدة في ظل وجود نظم قضائية عتيدة؛ مما نتج عنه زيادة التعقيد في وضع نظام قانوني انتقالي، وبينما نشأت "نيابة الثورة" في مصر في عام 2012م، و"هيئة تقصي الحقائق والمصالحة الوطنية" في ليبيا، فإن البلدان الأخرى لم تتجه لتكوين مؤسسات جديدة، وظلت تعمل وفق النظام القضائي القائم، كما أنه من الناحية السياسية اندلعت صراعات متنوعة ساهمت في تفاقم حالة عدم الاستقرار السياسي.

ولعل التحدي الذي واجه تطبيق العدالة الانتقالية، يكمن في الوصول لصيغة لمعالجة المظلوميات التي ‏تعرض لها الأفراد بطريقة تؤدي للمصالحة الوطنية ولا تثير نزاعات متجددة، وهذا ما يتطلب وضع ‏قواعد واضحة لمحاسبة من ارتكبوا انتهاكات، وذلك وفق موازنة تجمع ما بين التعويض العادل أو تنفيذ العقوبة على المخالفين، وتبدو المهمة هنا مرتبطة بضمان تكوين مؤسسات قوية يمكنها تحقيق سيادة القانون، وإذا ‏ما فحصنا هذا الجانب، يمكن ملاحظة أن أغلب الحالات واجهت نقص البيانات والأدلة، ونقص الصلاحيات القضائية، فليس لدى "نيابة الثورة"، أو "هيئة المصالحة"، أو "لجان تقصي الحقائق" صلاحيات قضائية، كما تفتقر إلى وجود أجهزة معاونة على مستوى كل دولة.

ومن التحديات التي تواجه تطبيق سياسات العدالة، ما يتعلق بخلق صيغة وطنية تلائم ‏ظروف الدولة وتركيبتها الاجتماعية، حيث تشير الخبرات الدولية إلى غياب نسق متماثل للتطبيقات منذ بداية ‏السبعينيات من القرن الماضي، فقد ارتبط التطبيق بظروف كل دولة ومستوى التنمية الاجتماعية ونضج المؤسسات، وتوافر هذه الشروط يساهم في الاقتراب من سيادة القانون، ويقلل من تأثير ونفوذ الفواعل غير الرسمية؛ السياسية والاقتصادية الموالية للنظام السابق.

فكثير من التجارب تشير إلى أن النفوذ السياسي للنخبة السياسية السابقة ساهم في إعاقة العدالة، وهنا واجهت التشريعات الانتقالية تحديات كبيرة في تفعيل القوانين أو تقارير لجان تقصي الحقائق، وهذا ما يرجع لعاملين؛ بروز الانقسامات والصراعات السياسية، وعدم تبلور النخبة السياسية الجديدة ومشروعها السياسي.

ورغم أن تجارب العدالة الانتقالية اتجهت لتكوين مؤسسات التحقيق من شخصيات مستقلة وتتمتع بالنزاهة، لكنها من حيث الفاعلية واجهت ارتباكاً، يرجع في معظمه لضعف وتناقض مواقف سلطات الدولة تجاه سياسات المحاسبة، فهذه المؤسسات لا تتمتع ‏بالسلطة الآمرة، ومن ثم فإن المسألة هنا كانت تتعلق بكيفية الاستفادة من خبرات البلدان الأخرى في ‏الترتيبات المؤسسية، والمضي ببرنامج العدالة والمحاسبة، وتفعيل دور السلطات المعاونة في توفير البيئة الملائمة لتنفيذ برنامج ‏العدالة في أقصر وقت ممكن، ووضع إطار لسياسات العقاب والتعويض وضمان الوصول للمصالحة.

وتشير تجارب بلدان "الربيع العربي" إلى أنه باستثناء تونس وليبيا، لم تطرح النخبة السياسية الجديدة مشروعاً ناضجاً لتطبيق العدالة الانتقالية وتفعيل النظام القضائي، حيث كانت المساهمات السياسية والتشريعية محدودة في كل من مصر واليمن، حيث لم يصدر قانون ينظم معالجة الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان، وظلت القوانين القائمة تشكل أساس النظام القضائي.

وهنا يمكن القول: إن تعريف العدالة الانتقالية لا يقتصر فقط على الجوانب المتعلقة بحقوق الإنسان، ولكنه يمتد لكل ما يتعلق بإعادة توزيع السلطة والثروة، وبالتالي فإن المهام الانتقالية لتحقيق العدالة تكمن في تصحيح المسار السياسي والاقتصادي، ووضع قواعد جديدة تعيد الاعتبار لتكافؤ الفرص بين مكونات المجتمع والفئات المختلفة، فالقضية المركزية في البلدان العربية قبل اندلاع الثورات العربية كانت في اختلال توزيع السلطة والثروة والتراجع الواضح في سيادة القانون.. ومن ثم، فإن معايير التقدم والتخلف في المراحل الانتقالية لكل من هذه البلدان ترتبط بمدى اقتراب النظام القانوني والسياسات من معالجة التشوهات السابقة والتصدي لمحاولات استمرارها.

ووفق المنظور الواسع لتعريف العدالة، تبدو أهمية رصد وتقييم السياسات العامة والتنموية في تحقيق سيادة القانون وتعزيز الحقوق التنموية للأفراد والمجتمع كحقوق لا تقل أهمية عن رد المظالم وجبر الضرر، فهذه المسألة تتعلق بالعدالة التوزيعية لموارد الدولة، وهي تشكل أهم التحديات التي تواجه السياسات الانتقالية، وخصوصاً في ظل اهتزاز مؤسسات الدولة، وتنامي الصراع والانقسام السياسي.

لكنه بعد أربع سنوات، صارت تلك البلدان تواجه حالة من انعكاس المسار السياسي، فبدلاً من نشر وتوزيع السلطة والثروة بدت عودة قوية لاستعادة الوضع السابق بكل مكوناته وتوجهاته، وهي تعكس حالة من الالتواء في طرح السياسات العامة، فبعد بزوغ اتجاهات لتوسيع نطاق المستفيدين من التغيرات الجديدة بدت اتجاهات لاحتكار السلطة والثروة.

 

 

الرابط المختصر :