العنوان قصة من التاريخ.. مأساة أمير عثماني
الكاتب أورخان محمد علي
تاريخ النشر الثلاثاء 04-يناير-2000
مشاهدات 57
نشر في العدد 1383
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 04-يناير-2000
إسطنبول:
مأساة الأمير «جم» الابن الأصغر للسلطان محمد الفاتح من أكبر المآسي في التاريخ العثماني.
بدأت مأساته عندما ارتكب غلطة عمره، عندما وقف أمام أخيه الأكبر السلطان «بايزيد الثاني» ينازعه السلطة ويعلن العصيان عليه بعد وفاة والدهما السلطان محمد الفاتح.
تقابل الإخوان في معركة «بني شهر» ٢٠/٦/١٤٨١م.
كسب الأخ الأكبر السلطان «بايزيد الثاني» المعركة، وهرب الأمير «جم» بعد اندحاره إلى مصر.
بعد أشهر من بقائه في مصر أدى فريضة الحج، ثم ذهب إلى حلب ومنها إلى تركيا مرة أخرى لعله يجد أنصارًا له، فلم يفلح ولم تقبله أي مدينة فيها.
أراد الرجوع إلى مصر بحرًا عن طريق جزيرة «رودس» فارتكب غلطته الثانية لأن البحر الأبيض المتوسط كان يموج بالقراصنة، وكان من الخطر على أمير مثله السفر بحرًا دون حراسة كافية، لأن الفرسان الفرنسيين أسروه في عرض البحر، وأتوا به إلى فرنسا لأنه كان في نظرهم صيدًا ثمينًا يمكن المساومة عليه وبيعه إلى الجهة التي تدفع مالًا أكثر.
أقام في فرنسا إقامة جبرية ست سنوات وحيدًا بعيدًا عن ابنه وزوجته اللذين تركهما في مصر، قضى ست سنوات والفرسان الفرنسيون ينقلونه من قلعة إلى أخرى.
وبدأت أربع دول تضغط على الفرسان لتسليمه إليها وهي فرنسا المجر، البندقية، مصر.
لم يستطع الفرسان الفرنسيون تحمل المزيد من هذه الضغوط فأرسلوه -أو بالأحرى باعوه- إلى البابا في روما سنة ١٤٨٩م.
تم استقبال الأمير «جم» في روما استقبالًا حاشدًا، كان في استقباله ابن الإمبراطور والكرادلة ووجهاء المدينة وجموع حاشدة من الناس جاؤوا ليشاهدوا ابن السلطان محمد الفاتح، وخصص قصر «سان أنجيلو» لإقامته، وكان ضمن المستقبلين سفراء مماليك مصر إلى البابا.
ما إن استقر الأمير «جم» في روما حتى أصبحت روما مركز في الثقل في أوروبا.
وفي اليوم الثاني من وصول الأمير إلى روما قام البابا باستقباله، استقبله البابا والكرادلة ووجهاء المدينة.. وقوفًا.. كان البابا قد لبس تاج وملابس الاستقبال وكأنه يستقبل سلطانًا.
عندما اقترب الأمير من البابا لاحظ موظف التشريفات بأنه لا يبدي أي علامة من علامات التوقير للبابا فاقترب منه وهمس في أذنه:
-أيها الأمير المبجل! إن الجميع وحتى الإمبراطور يبدون توقيرًا وتعظيمًا كبيرين للبابا ويقبلون رجله أو يده، فإن لم تقبل يده ففي الأقل لو تنحني له عندما تقترب منه.
نزلت كلمات موظف التشريفات كالصاعقة على رأس الأمير، نظر بحدة إليه، شعر بأنه يمثل السلطان العثماني وآل عثمان وقال له بلهجه حازمة:
-إنني لم أنحن إلا لله وإلا لوالدي السلطان محمد الفاتح، لم أنحن لأحد غيرهما ولن أنحني.
ولكن موظف التشريفات لم يكف عن الإلحاح، بدأ يستعمل أسلوب تهديد خفي، نفد صبر الأمير فدفع الموظف بيده وهو يقول:
-إنني أرضى بالموت ولكن لا أرضى بالانحناء أمام قسيس مسيحي!. هذا ذل لا أرضاه لنفسي، عندما اقترب الأمير من البابا حياه تحية اعتيادية، وقام البابا باحتضانه وتقبيله ثم رحب به بحرارة.. كان هذا -حسب العادات آنذاك- تبجيلًا كبيرًا.
عاش الأمير «جم» ست سنوات تقريبًا في روما من ١٣/٣/١٤٨٩م إلى ٢٥/٢/١٤٩٥م قابل فيها البابا Innocentius الثامن عدة مرات ثم خلفه البابا Alessandro السادس، ومع أنه كان يملك حرية الخروج والتجول إلا أن أيامه كانت أيامًا صعبة، كان وحيدًا في بلد غريب عنه، بعيد عن ولده وزوجته ووالدته، لم يكن له هناك صديق ليبث له أحزانه ولواعج فؤاده، كان شاعرًا، لذا تراه ينفث آلام غربته في أبيات رقيقة طافحة بالألم والحنين والوجد، حنين إلى وطنه وبلده، حنين إلى أصدقائه وأهله.. ثم ينظر فلا يرى أمامه أي بصيص من أمل فيزداد حزنًا على حزن، وغمًا على غم.
عندما كان يبلغ به الحزن والضيق مبلغه وتستبد به آلام الوحدة كان يخرج ويتجول في شوارع روما ويزور أماكنها التاريخية، وكان يشاهد في طريقه عديدًا من الفقراء والبائسين فيحز في نفسه فقرهم وحاجتهم ويعطف عليهم وينفحهم ببعض النقود.
كانوا يراقبونه طبعًا في أثناء تجواله ونزهته فرأوا أنه لا يمر بفقير إلا وأعطاه شيئًا من النقود، استغربوا هذا التصرف منه، كيف يمكن المسلم أن يعطف على فقير نصراني؟. لا بد أن هناك شيئًا ما، وفكروا كثيرًا في تفسير هذا الأمر فلم يجدوا إلا تفسيرًا واحدًا أن هذا الأمير قد مال قلبه للنصرانية بعد بقائه كل هذه السنوات في روما وبعد مقابلاته العديدة مع البابا والكرادلة ورجال الدين.!!
اقتنعوا بهذا التفسير، ثم أسرعوا إلى البابا وأبلغوه بالأمر: إن الأمير العثماني قد مال إلى النصرانية بدليل قيامه بالعطف على الفقراء والنصارى في أزقة روما وشوارعها، وإن من الأفضل أن يفاتحه البابا في الأمر ويبدي ترحيبه بهدايته هذه ويبشره بمكافأة كبيرة له وبمنصب كبير إن أعلن تنصره على العالم أجمع ولم يكتف بكتم هذا التنصر.
كرروا هذا على مسمع البابا حتى أقنعوه بأن الأمير العثماني أصبح قاب قوسين أو أدنى من النصرانية، فقرر البابا استدعاءه ومفاتحته بالأمر ولكن على مهل.
تم اللقاء بين البابا وبين الأمير «جم» كان لقاءً اعتياديًّا في نظر الأمير كاللقاءات السابقة، باستثناء شيء واحد فقط.. كان البابا في هذه المرة يكرمه إكرامًا أكثر من المرات السابقة وينبسط معه ويبش به بشكل غير مألوف وأخيرًا رأى البابا اللحظة المناسبة قد أتت فقال للأمير:
«يا سمو الأمير! إن رغبت جلبنا لك أهلك من مصر، وكم نفرح لو أعلنت دخولك في ديننا. إذن لقلدناك أرفع منصب هنا بين الكرادلة».
كانت مفاجأة لم يتوقعها الأمير، بقي لحظات صامتًا وقد عقدت الدهشة والحدة لسانه، وبكل صعوبة استفسر عن سبب هذا الاقتراح وعندما عرف السبب قال للبابا:
«يا حضرة البابا؟ لو قمتم بإعطاء الدنيا كلها وليس منصب الكاردينالية أو منصب البابوية. لو قمتم بإعطاء الدنيا كلها لي فلن أبدل ديني أبدًا، إن العطف على المسلمين وعلى غير المسلمين أيضًا أمر من أوامر ديننا ومن آدابه، نحن لا نفرق في هذا الأمر بين المسلمين وغير المسلمين».
دهش البابا من كلام الأمير، واعتذر منه، وهنأه على ثباته على دينه وعلى قوة عقيدته.
هذا ما كان من أمر الأمير مع البابا.
أما نهاية هذا الأمير البائس فكانت كما يأتي: عندما دخل ملك فرناس «جارلس الثامن» إيطاليًا طالب البابا بتسليم الأمير العثماني إليه، فلم يستطع البابا التمنع عليه، وسلمه الأمير، ولكن لا يكون الأمير أداة بيد فرنسا، فقد دس له السم، وهكذا مات هذا الأمير البائس في ٢٥/٢/١٤٩٥م بعد وصوله مع ملك فرنسا من روما إلى نابولي حيت دفن هناك.
أعلن الحداد في عاصمة الدولة العثمانية لمدة ثلاثة أيام بعد ورود نبأ وفاة الأمير، وأقيمت عليه صلاة الميت للغائب، وتلي القرآن الكريم على روحه ووزعت الصدقات على المساكين والفقراء، وبعد أربع سنوات نقل جثمانه من نابولي حيث دفن في مدينة بورصة.
وبذلك أسدل الستار على مأساة أمير عثماني شاب كان عمره عند وفاته ٣٥ سنة وثلاثة أشهر وثلاثة أيام، قضى في الغربة منها أكثر من أربع عشرة سنة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل