العنوان دلالة انهيار سد زيزون في سورية
الكاتب محمد الحسناوي
تاريخ النشر السبت 22-يونيو-2002
مشاهدات 61
نشر في العدد 1506
نشر في الصفحة 27
السبت 22-يونيو-2002
سد «زيزون» رابع أكبر سد في سورية وهو في الوقت نفسه أحدثها بناء لم يمض على بنائه أكثر من ست سنوات، انهار -من عجائب الأقدار- قبل يوم واحد من ذكرى الخامس من يونيو حزيران، وهو اليوم الأسود، بل الأشد سوادًا في تاريخ سورية، فاغرق بمياهه، ۷۰ مليون مكعب من الماء، قرى زيزون ومشيك وقسطون وزيارة وقرقور، فدمر منازلها، وشرد سكانها « ٢٥٠٠٠ نسمة» إلى الجبال وأهلك الحرث آلاف الهكتارات من مزارع القمح والقطن والشمندر والخضار، يضاف إليها ١٥٤٠ رأس غنم وبقر و۳۱۸۰ خلية نحل وما لا يقل حتى الآن عن اثنين وعشرين ضحية بشرية غير البنى التحتية والآليات والتجهيزات الميكانيكية والزراعية، وقيمة السد نفسه وملحقاته «مليار ونصف المليار ليرة سورية حوالي ٢٧ مليون دولار» بحسب التقارير الرسمية.
التقديرات الأولية تفيد أن حجم الخسائر بالمليارات في سهل الغاب المصاب حاليًا ولعدد من السنوات القادمة وعلى امتداد حوض النهر في جسر الشغور وسلقين ودركوش غير الأضرار التي نزلت بالأراضي التركية، التي تطالب من جهتها بالتعويض عنها.
مفارقات بالجملة مرتبطة بحلقات إنجاز السد واستثماره قبل تسلمه النهائي، وهذا يعني سلفًا اعترافًا «بجودته».
قبل عشرة أيام من الكارثة حذرت المؤسسة العامة للسكك الحديدية من أن هناك تسربات من السد قد تؤثر على خط سكة الحديد المارة من الجهة الغربية له معلمة بذلك مؤسسة «حوض العاصي، التي أحالت المسألة إلى فرع الغاب» للتدقيق والبيان، فكان الجواب لا توجد هكذا تسربات ولا خوف.
تحذيرات سابقة قدمها فنيون وأساتذة جامعيون تنذر بالأخطار والمخالفات الفنية في التنفيذ والإشراف والمراقبة لا لسد زيزون وحده إنما لسدود كثيرة تزيد على ١٥٠ سدًا في مختلف المحافظات، فالدكتور المهندس أحمد علي الحجي عاصر السد المنكوب منذ بداياته ومن، أقواله الموثقة مشاهداته الحية عن انشقاقات ظاهرة في جسم السد وإخباره المسؤولين عنها بتاريخ ۲٥ و۲۸ مايو/ أيار الماضي وأن الانهيار الذي حصل يعود إلى سببين:
١- سبب إنشائي يكمن في سوء تنفيذ الجزء الأعلى.
٢- سبب استثماري يتلخص باستمرار تأمين كميات مياه إضافية فوق طاقة السد برغم التحذيرات «صحيفة الثورة ٢٠٠٢/٦/٨».
وكانت كلية الهندسة المدنية في جامعة دمشق من أولى الجهات الرسمية التي نبهت إلى تلك الأخطار، وأشار الدكتور ميشيل عيسى إلى الكتاب الذي قدمه إلى وزارة الري بتاريخ ٢٠٠١/٢/١١م عن استعداده مع فريق علمي متكامل لمعالجة تلك المشكلات التي لاحظها لتلك السدود كسد زيزون ويعتقد الفريق العلمي أن الأسباب تعود للاعتماد على معطيات غير دقيقة في معظم السدود، إضافة إلى وجود أخطاء خلال مراحل تنفيذ سد زيزون، وعدم حمايته من المحيط في ظل عدم وجود حراسة ومراقبة وعدم صيانة السد بصورة دائمة وغياب تتبع حياة السد بصورة منتظمة (الثورة ٢٠٠٢/٦/٨).
وبالمناسبة أكدت صحيفة تشرين الحكومية (٢٠٠٢/٦/٩) أن سنين في محافظة حماة، هما «أفاميا بي» و «أفاميا سي» يعانيان من خلل، مع العلم أن الشركة التي أنشأت السدين هي التي أنشأت سد زيزون.
في ظل الأوضاع الحالية المعروفة لا أحد يطمئن الإجراء تحقيقات موضوعية نزيهة لتحديد المسؤولين عن التقصير في صيانة السد ومتابعة أحواله أو في كشف المخالفات في بنائه والعقود والسمسارات من وراء الثغرات ونقاط الضعف فيه، وتزيد من الآن لسنا مطمئنين أيضًا على سلامة السدود الأخرى، بل تتخوف من حصول كوارث فاجعة -لا سمح الله- لأن المقدمات الحالية نتائجها معروفة، والعاقل من اتعظ واتخذ الحذر.
وبصراحة أيضًا نقول: إن مصدر القلق والشكوك ليس هو التخلف العام الذي هو مشكلة الدول النامية وحسب، بل يضاف إلى ذلك ويضاعفه هيمنة حزب واحد على الدولة والمجتمع، فكيف يكون المتهم هو القاضي، بل الشرطي أيضًا هل هذا الوضع الأحادي يسمح! للتحقيق أن يدين بعض لبناته بالتقصير أو التخريب مما يعني إدانة للكتلة، «المتماسكة تضامنيًا على الخير والشر»، وهل جرت محكمة عسكرية أو مدنية أو مراجعة نقدية لما حصل في سقوط جبهة الجولان، ولا نقول مأساة حماة ۱۹۸۲م، ولا مجزرة تدمر عام ١٩٨٠م؟
إن التحذيرات الفردية والمؤسساتية من فساد السد عبر مراحله القديمة والحديثة، لم يستمع لها، بل ذهبت أدراج الرياح، كما ذهبت أرواح أكثر من عشرين ضحية بريئة ومليارات الليرات وآلاف الهكتارات من المحاصيل وأطنان الماء التي نحن بحاجة إلى كل قطرة منها واهتزت سمعة القطر وظروف الاستثمار فيه ماذا يرجع منها، أو ماذا يمكن إنقاذه، وكيف ثم هل هذه الكارثة الوحيدة التي مرت بغير حساب أو عقاب تسمع بمكافحة الفساد، وبرؤوس تتطاير بين الحين والآخر، لكن الانهيار مستمر لأن العلاج سطحي والفساد بنيوي حتى العظام. هناك مثلًا ثلاثة عشر جهازًا للأمن والاستخبارات، لو أن جهازًا أمنيًا واحدًا منها، انصرف لحماية سد زيزون «في مراحل الإنشاء والإنجاز والمراقبة والصيانة» هل كان حدث ما حدث؟
لو كان الرجل المناسب في المكان المناسب، ولو كانت المهمات بالجدارة والمناصب، وكانت هناك شفافية من صحافة حرة ورقابة شعبية حقيقية عبر مجلس نيابي ومؤسسات للمجتمع المدني ونقابات غير مؤممة وذمم وأفواه غير مكممة لو كان هناك قضاء نزيه عادل لما احتجنا إلى أجهزة قمع ولا إلى تكديس ملفات الفساد وتعليق الجرائم الكبرى على عنق منهم مجهول.
إن انهيار سد زيزون -كما قيل- امتحان للنظام، ومواجهة فاقعة للفساد المؤسس بلافتات وشعارات مموهة، وقد أن الأوان للوطن والشعب أن يتخلصا منها البيروقراطية الترهل الإداري القمع، الأمية المقنعة العصبية الفئوية والحزبية الاستبداد الإعلام المؤمم، الهدر العام.
قد تقول لسد زيزون لماذا جعلت توقيت انفجار انهيارك مع عشية الذكرى السادسة والثلاثين لسقوط الجولان وللذكرى الثانية لرحيل الرئيس يقول لك السد أريد فقط التذكير بمآثر الفقيد.
نقول للسد إن الرجل لم يضع والإسمنت بيديه فيجيب إن المسؤولية لا تتجزأ ولا سيما أن نظام الحكم الذي انتهجه، نظام يجعل كل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في يد واحدة، ما جعل الفساد الإداري والأخلاقي بلاء عامًا، يمكن التكتم على بعضه بين ملفات السجلات وفي أعماق النفوس أو السجون وبعضه لا يمكن إخفاؤه مثل انهيار السدود وضياع الحدود.
هل نحن يائسون كلا إنما للصبر حدود.