; صبرا وشاتيلا في عيون الشعراء.. بمناسبة حلول الذكرى الحادية والعشرين للمذبحة | مجلة المجتمع

العنوان صبرا وشاتيلا في عيون الشعراء.. بمناسبة حلول الذكرى الحادية والعشرين للمذبحة

الكاتب عز الدين فرحات

تاريخ النشر السبت 30-أغسطس-2003

مشاهدات 58

نشر في العدد 1566

نشر في الصفحة 28

السبت 30-أغسطس-2003

  • توماس فريدمان: رأيت في الأغلب مجموعات من الشبان في العشرينيات والثلاثينيات من عمرهم، صفوا بمحاذاة الجدران وقيدوا من أيديهم وأقدامهم، ثم حصدوا حصدا بوابل من طلقات المدافع الرشاشة بأسلوب عصابات الإجرام المحترفة

وظلوا ينزفون على الروابي وشمسهم لمغربها تميل 

                                           يذوب الصخر من وجع عليهم وتختم المرابع والسهول 

وتتوالى الأحداث وتسيل بحار الدماء في مذابح يتبع آخرها أولها، بل ليس لها من آخر...

ويخرج رجال المقاومة الفلسطينية من بيروت بعد أن اخذوا العهود والمواثيق على الوسطاء بألا يمس المدنيين أذى من اليهود... ولكن من هؤلاء الوسطاء... ويخرج الرجالولا يبقى إلا النساء والأطفال والشيوخ لا يملكون شيئًا ولا حول لهم ولا قوة، وتدخل قوات اليهود وعملاؤهم لتنتهك ستر الليل فتعمل فيهم القتل، فتهدم الدور على من فيها وتسيل أنهار الدم.

وقعت مجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا بين ١٦ و ۱۸ سبتمبر ۱۹۸۲ ، بعد أن سمحت قوات الجيش الإسرائيلي المسماة «قوات الدفاع الإسرائيلي» التي كانت تحتل بيروت آنذاك تحت القيادة العامة لأربيل شارون بصفته وزيرًا للدفاع آنذاك لأفراد ميليشيا «الكتائب» بدخول المخيمين وأغلب الظن أن الحصيلة الدقيقة للقتلى من المدنيين الذين أزهقت أرواحهم في هذه المجزرة لن تعرف أبدأ، فتقديرات المخابرات العسكرية الصهيونية تشير إلى أن ما يتراوح بين ۷۰۰ و ۸۰۰ شخص قد قتلوا في صبرا وشاتيلا أثناء المجزرة التي استغرقت اثنتين وستين ساعة، بينما قالت مصادر فلسطينية وغيرها إن عدد القتلى بلغ بضعة آلاف من بينهم الأطفال والنساء «بما في ذلك الحوامل» والشيوخ؛ ومُثِّل ببعضهم أشنع تمثيل، ونزعت أحشائهم قبل أو بعد قتلهمكما ذكر الصحفيون الذي وصلوا إلى الموقع إثر المجزرة أنهم شاهدوا أدلة على عمليات إعدام فوري للشبان وهذا ما رواه الصحفي توماس فریدمان في صحيفة «نيويورك تايمز»، حيث قال: «رأيت في الأغلب مجموعات من الشبان في العشرينيات والثلاثينيات من عمرهم، صفوا بمحاذاة الجدران، وقيدوا من أيديهم وأقدامهم، ثم حصدوا حصدًا بوابل من طلقات المدافع الرشاشة بأسلوب عصابات الإجرام المحترفة».

فأين العهود والمواثيق بالحفاظ على سلامة المدنيين، وكأن شيئًا من هذه العهود والمواثيق لم يكن يقول الشاعر حمد محمد الصديق:

أين المواثق والزمام 

لا عهد يرعاه اللئام

هذى حصائد أمتي

بعد التفرق والخصام

بعد التخاذل والسكون

وبعد مأساة الختام

هو ذا القعود عن الوغى

هي ذي مراتعه الوخام

هو ما ترى الدنيا

وتشهده من الموت الروام

ثم يوجه الخطاب للأمة الإسلامية التي تخاذلت فهانت:

يا أمتي كم هان قد 

رك... ذلة بين الأنام 

ما عاد يحتمل الخنوع 

ففجري الصمت العقام 

أو يُدفَن الآلاف من أبناء

شعبي في الركام 

يستصرخون ولا مغيث 

ويذبحون ولا انتـقــام 

أو يــبــــــلغ الإذلال هذا 

المنتهي؟ يا للعلام 

ثم يصور المأساة وما حدث لقومه في مذابح صبرا وشاتيلا:

بيروت تشهد كيف

لا ويضيق بالجثث الرغام 

ويباد شعب كامل 

بالغدر في جنح الظلام 

حتى الرضيع وأمه

والشيخ يذبح والغلام 

وتسيل أنهار الدم الـ

موار تلهب كالضرام 

وتصعد الأرواح إلى بارئها تشكو لربها حال العباد وتطل من عليائها تنتظر وتطالب بالثأر:

وتطل أرواح الضحايا 

الأبرياء من الغمام 

تشكو إلى الرحمن ما 

كانت بمحنتها تسام

تدعو إلى الثأر المرير 

إلى الجهاد إلى الصدام

تدعو، ولكن من يجيـ 

ـب وكل من تدعوا نيام 

وتعذب المرأة المسلمة وتهان في مخيمات اللاجئين.. يقتل الزوج ويتبعه الابن وتهدم الدار، ومازالت المرأة مؤمنة بالله ومؤملة في العودة إلى دارها هناك في فلسطين.... تبكي فتختلط الدموع بالدماء.... ويصف لنا الأستاذ يوسف العظم هذه الأحداث على لسان صاحبة الحدث فتبكي المرأة وتقول:

ذبحوني من وريد لوريد 

وسقوني المر في كل صعيد 

مزقوا زوجي فلم أعبأ بهم

ومضوا نحو صغيري ووحيدي 

 

غرسوا الحرية في أحشائه 

فغدا «التكبير» أصداء نشيدي

دمروا بيتي.. وهل بيتي هنا؟

إن بيتي خلف هاتيك الحدود 

وظنت المرأة الشاكلة أن حمية العرب ونخوة المسلمين مازالت موجودة، هذه النخوة التي حركت المعتصم خليفة المسلمين لينقذ المرأة المسلمة التي صرخت حين وقعت في أسر الروم: «وا معتصماه» فقاللبيك يا أختاه أما اليوم، فكم من صرخة تنطلق وكم من أنة مكتومة وكم من دمعة ساخنة من أم مكلومة.. ولكن أين المعتصم؟ 

وتلفت قلم أعثر على 

غير أبناء الأفاعي والقرود

أين بأس العرب مذخور لمن؟ 

أين أبناء الحمى درع الصمود

ودمي سال على تلك الربي 

ينثر العطر على حمر الورود

ولغ الغاصب في أشلائنا 

غير أنا لم نزل سمر الزنود

قل لمن يلهث في غفلته

ينشد السلم تمتع بالصديد

ذبحوني من وريد لوريد 

ودمي يجتاح أحقاد اليهود

ذبحوني من وريد لوريد 

غير أني لم أطأطئ ليهودي 

أما الشاعر يحيى برزق فيوجه رسالة إلى اليهود يهددهم فيها بأن لعنة الدماء الفلسطينية ستظل تطاردهم في كل مكان وفي كل شيء حولهم فيقول:

دمنا على أبوابكم

دمنا على أثوابكم

دمنا يلون خبزكم

دمنا طلا أكوابكم يا

مَنْ عَبَدتُم عجل إسـ

ـرائيل في محرابِكُمْ 

يا من تشق صدورنا

وقبورنا... بخرابكم

ثم يتساءل ولعل التساؤلات هنا ليست لليهود وحدهم، بل لكل من يدعي العدالة من الدول والمنظمات الدولية التي تنادي بشعارات العدالة وحقوق الإنسان وغير ذلك من الشعارات الفضفاضة:

أين العدالة من 

جرائمكم وَظُلْمَةِ غَابِكُمْ 

أين الحقوق ولا حقوق 

عدت الغير كلابكم 

أين المواثيق التي 

كتبت على أعتابكم

أين الحضارة والدماء 

تسيل من أنيابكم 

أين الطهارة والمبادئ

ووريث... بقبابكم

وشارون هذا سفاح صبرا وشاتيلا تاريخه أسود منذ كلف بقيادة الوحدة ١٠١ في جيش موشی دیان:

قاد مذبحة قبلة وديع فيها 66 من الأهالي ثلاثة أرباعهم من النساء والأطفال ونسفت تلك الوحدة ٤١ منزلًا ومدرسة على من فيها من الأهالي، ثم جمع بعد ذلك كل من تبقى من السكان الأحياء وعددهم ٤٢ بين رجل وامرأة وأدار ظهورهم لتفرغ فيهم الرصاص، وتحولهم إلى أشلاء ممزقة، وهو نفسه الذي قام باقتحام ساحات المسجد الأقصى صباح يوم الخميس الثامن والعشرين من سبتمبر سنة ٢٠٠٠م في حماية ثلاثة آلاف جندي من الشرطة الإسرائيلية وحرس الحدود متحديا مشاعر المسلمين في كل مكان، ويوجه إليه الشاعر فاروق جويدة رسالة يطالبه فيها بالرحيل عن القدس ويذكره فيها بجرائمه السابقة وخصوصًا جريمته في صبرا وشاتيلا يقول فاروق جويدة:

ارحل عن القدس واترك ساحة الحرم 

هل يلتقي الظهر يا خنزير بالرمم؟

كيف اجترأت على أرض مطهرة

أسري بها خير خلق الله والأمم؟

هذا التراب الذي لوثت جبهته 

ما زال يصرخ بين الناس في ألم

تاريخك الآن بالأوحال نكتبه

لكل أطفالنا في القبر والرحم 

صبرا شاتيلا وأنهار مسافرة

من الدماء وأنـات بــكــل فــم 

في راحتيك دماء أغرقت زمنًا

وجه الصغار وأذكت نار منتقم

كيف اجترأت على أقداسنا سفها

وجنت كالموت.. بالحراس والخدم 

ثم يعود الشاعر لتأنيب النفس وبيان حالة الهوان التي تعانيها الأمة فيقول موجها كلامه لشارون:

من حقك الآن أن تزهو بما فعلت 

أقدامك السود بالصلوات والحرم

من حقك الآن أن تختال في سفه 

وأن تدوس جبين القدس بالقدم 

من حقك الآن أن تسبي مساجدنا

فسيفك الوغد فوق الكل يحتكم 

من حقك الآن مادامت عزائمنا

قد هدها العجز واسترخت إلى العدم 

ويوضح سبب الهوان الذي تعانيه الأمة:

منذ ابتلينا بداء السلم شردنا

بين الجموع خراب الأرض والدمم

فالسلم بالعجز تابوت ومقبرة

وثوب عار ودعوى كل منهزم

والسلم بالسيف أوطان محررة

ونخوة في ضمير الشعب لم تنم 

السلم أن يحرس الفرسان رايتهم

وأن نصون الحمى بالدم والقلم 

السلم ألَّا نرى طفلًا يطارده

سيف جبان وقناص بسيل دم

في كل شبر حزين من شوارعنا

تبكي العيون دمًا من سكرة الألم

الرابط المختصر :