العنوان ماذا يحدث في ليبيا اليوم ؟!
الكاتب ليلي أحمد الهوني
تاريخ النشر السبت 30-أبريل-2011
مشاهدات 59
نشر في العدد 1950
نشر في الصفحة 28
السبت 30-أبريل-2011
سؤالي هذا قد يفسره بعض الناس بأنه سؤال اعتراضي، وقد يظهر للبعض الآخر بأنه سؤال افتراضي تعود عليه الكاتب ويستخدمه عادة لفهم أو معرفة أمر ما صعب عليه فهمه، وحتى لا أطيل في شرح القصد من وراء سؤالي؛ فإن المفهوم الحقيقي له، هو رغبتي في شرح ما أراه يحدث اليوم في وطني الثائر ليبيا.
إن ثورة السابع عشر من فبراير المباركة والمجيدة، بحمد الله وبفضله قد تحققت أهدافها التي قامت من أجلها، وما عاد لدينا أي أدنى شك في ذلك، وأنا شخصيًّا أعتبر اليوم أن ثورتنا العظيمة قد نجحت بعون من الله، وبدماء شهدائنا الأبرار، وبعزيمة وإرادة ثوارنا(1) الأحرار، وإن ما نراه يحدث اليوم ليس جزءاً من الثورة كما يظنه الكثيرون من شعوب العالم، أو كما تصفه العديد من وسائل الإعلام، بل ما نراه اليوم هو ما يطلق عليه عادة مرحلة ما بعد الثورة، وهذه المرحلة هي في حقيقة الأمر مرحلة مهمة، وربما تعد أهم من مراحل قيام الثورة نفسها، وهي لمن اطلع على تاريخ الثورات في العالم، سيعرف جيدا أنها كانت متلازمة واكبت معظم الثورات التي قامت في هذا الكون منذ بدء الخليقة، وعادة ما يكون وجودها أو حدوثها هو لأجل الحفاظ على الثورة من مفسديها والملتفين عليها، وضمانًا لاستمرار نجاحها ولتنقيتها من بعض الشوائب التي قد تخرب عليها نجاحها، أو بالأحرى لاكتمال صورتها الحقيقية، فالأمر وكما ذكرت وللتأكيد أن ما نراه اليوم ما هو إلا حالة ما بعد الثورة، وخصوصاً عندما تكون الثورة قامت ضد مجرم جبان مثل «معمر القذافي»، أو لإسقاط نظام دكتاتوري مستبد كنظامه .
يروج بعضهم (!!) لفكرة أن الثورة قد قامت فقط في شرق ليبيا، أما غربها فلم تقم فيه ثورة ولم يتحرر بعد .. ما هذا الهراء الذي نسمعه ؟! متى كانت ليبيا شرقاً وغربا؟! وحتى أذكركم وأذكر نفسي قبلكم، هذا الكلام الذي نسمعه هو كلام كان ولا يزال يصر عليه طاغية ليبيا المهزوم، ذلك الطاغية الذي اسقطناه لتوّنا في ثورتنا المباركة، وكلامه الجهوي القبلي الغبي هذا ما عاد ينطلي علينا كان زمان وراح»، فليبيا هي ليبيا سواء قامت ثورتها وانطلقت شرارتها في الشرق أم في الغرب، ما يهمنا هو أنها قامت على أرض ليبيا، وأن الشعب الليبي في كل شبر من أرضنا الليبية الحبيبة، قد تنفس هواء الحرية بمجرد أن رأى علم استقلاله يرفرف فوق أرض ليبيا، وسمع نشيدها وهتف ثوارها بحياة ومجد ليبيا، وأطلقوا زغاريد النصر بسقوط معمر القذافي طاغيتها ومستبدها .
وحتى لا يظن بعض الناس أنني أحاول من كلامي هذا أن أظهر أمرا نحن لسنا فيه أو أني من خلاله أحاول أن أطيب جرحا ما وأضمده أو أشد من خاطر نفسي وخاطر شعبي، فإني سأعطيكم مثالا قريبا، وربما هذا المثال سيقنع الكثيرون، وسيقنع حتى الجبان «القذافي» نفسه (هذا لو أنه مازال واعيا ويدرك ما يحدث حوله)، بأن ثورة شباب ليبيا التي انتفضت في السابع عشر من فبراير هي ثورة حقيقية، وأنها نجحت بالفعل ووصلت واستقرت في كل أرجاء ليبيا الحبيبة؛ «زنقة زنقة بيت بيت دار دار، مندار مندار، عالة عالة » (٢)، إذ إن «القذافي» نفسه عندما قام بانقلابه الأسود في ذلك اليوم المشؤوم، والذي ظنناه للوهلة الأولى بأنه ثورة - قبل أن يسقط القناع وينكشف المستور والمغبور - كان قد أعلن بيان ثورته الأول من مدينة بنغازي.
وفي ذلك الحين لم يصل أي شيء المدينة طرابلس، ولم يعلم أهالي طرابلس بما يحدث في مدينة بنغازي، إلا القليل جدا منهم، وطرابلس كانت آنذاك مازالت تحت حكم الملك محمد إدريس السنوسي - رحمه الله رحمة واسعة وجمعنا به في جناته عند الحبيب المصطفى ﷺ - وبالرغم من أن انقلابه (ثورته) وكما ذكرت آنفاً لم تصل المدينة طرابلس العاصمة بعد، فإنه اعتبر ما قام به ثورة، واستمر في تضليل الشعب الليبي وخداعه بها ، وظل لمدة أكثر من ٤١ عاما وهو يحتفل بهذا اليوم رغما عنهم، ويقيم الغناء والأفراح معتبرا أن يوم الأول من سبتمبر» هو يوم تحقيق ثورته ويوم نجاحها، تخيلوا كل هذا حدث مع انقلابه الغابر من سبتمبر الأسود (!!) فما بال أمر ثورتنا العظيمة ثورة السابع عشر من فبراير»، الثورة المجيدة التي أقيمت في بنغازي الأبية من قلوب وعزيمة الشباب وبعقولهم، ومن إيمانهم بضرورة التغيير، والتي خرج إليها الآلاف من شباب طرابلس وكل المدن الليبية تأييداً لها ودفاعاً عنها بدمائهم الطاهرة وأرواحهم الزكية؟!
إذاً ، لو كانت هذه الثورة قد تحققت واكتمل قمرها .. فماذا يحدث في ليبيا اليوم؟! إن «القذافي» اليوم - وبحمد الله - قد انتهى بالكامل ولم يعد في يده السيطرة والتحكم في ليبيا على الإطلاق (۳)، بل وأكاد أجزم بأنه ما عاد يستطيع السيطرة أو التحكم حتى في «تبوّله» - أكرمكم الله وعافاكم - كما أن أبناءه اليوم وحسب ما يقوله مقربون منهم . هم في حالة تخبط - فوق العادة - وما عاد الأخ يثق في أخيه، ولعل مقتل «خميس»(4) كان له الأثر الأكبر في هذا الأمر.
إن ما نراه اليوم من قتل وانتهاكات وقصف للمدنيين من قبل عصابة القذافي» الذين يطلق عليهم بعضهم بـ«الكتائب الأمنية (!!) ما هم إلا مجموعة من الفساد والصيع والمرتزقة والشرذمة المنفلتين الذين بعد أن كانوا مجرد عبيد لسيدهم يدخلون عليه كالكلاب ينبحون، ويخرجون منه كالحمير ينهقون، تمكنوا اليوم - بعد أن كان حلما من أحلامهم - تمكنوا من انتهاز فرص امتلاك السلاح بأنواعه من دبابات ورشاشات وقنابل ومدرعات ومدافع «الجراد»، مع تموين كامل من قنينات «الفودكا» وغنيمة من «الحرابش» وما يحدث في «طبرنة باب العزيزية» (5) كل ليلة ما هو إلا شاهد على كلامي هذا.
كل هؤلاء «المردف» و«السفاحين» هم الذين نراهم اليوم يضاعفون في تخريب البلاد ويعيثون فيها جميع أنواع الفساد، ويقتلون بلا عقل ولا دين كل الأهالي والعباد.
في مثل هذه الحالات وفي ظل هذه الانفلاتات الأمنية القائمة والناتجة عنها ممارسات إجرامية، تقوم بها هذه العصابة المنتشرة بدون رادع، فنحن اليوم في حاجة ماسة للتكاتف مع بعضنا بعضا، ولجمع ووحدة الصف الوطني، وفي الابتعاد وبكل الطرق عن أي حساسيات جانبية أو أي مزايدات فارغة لم ولن تخدم القضية الوطنية، والتركيز على - كيفية إعداد العدة لمواجهة هذه العصابة المنتشرة في ليبيا، كما أن ما يقوم به المجلس الوطني الانتقالي بقيادة السيد مصطفى عبد الجليل (6) من جهود فعالة ومستمرة واعتزامه على تشكيل قوة من الجيش الموحد والمنظم في الفترة الراهنة، تعد كل هذه الأمور من أهم الخطوات الإيجابية السليمة، التي تحتاجها ليبيا في هذه المرحلة، وهي بدورها ستنقذ ليبيا وشعبها من حالة الفوضى وعدم الاستقرار، التي وضع «القذافي» بها ليبيا وشعبها اليوم.
أما مسألة وجود «القذافي» حياً وعدم وصول الثوار إليه للقبض عليه، ومحاسبته والاقتصاص منه أو أحد من أبنائه، فالمسالة وكما أراها هي مسألة وقت، وإن المصير والمشهد التاريخي الذي رأينا عليه «صدام حسين» في الأمس القريب، وطريقة جره كالفأر من الحفرة، سيكون لـ«القذافي مثيلها، مع توقعي بزيادة عدد الحفر على عدد ما تبقى له من عائلته في داخل ليبيا ..
الهوامش
1. يحاول بعض الناس أن يعطي صفة الثوار» لبعض الأشخاص أو لفئة معينة من الليبيين والحقيقة هي أن الثوار هم الشعب الليبي نفسه وخصوصا الأكثر وطنية وحبا لليبيا .
2. أوان ومعدات خاصة يعدون بها الشاي الليبي (الشاهي).
3. إن حالة الانشقاقات الأخيرة التي شاهدناها المقربين من «القذافي» دليل واضح على فقدانه التام للسيطرة على زمام الأمور.
4. سواء تأكد خبر مقتل «خميس» وتم حتى دفنه أم لم يتأكد، ف«خميس» يعتبر قد مات سريريا، وهذه معلومة من مصادر موثوقة جدا وصلتني منذ أول يوم تعرض فيه للحرق.
5. اليوم في طرابلس وفي معظم المدن الليبية المحاصرة لا يستطيعون الحصول على رواتبهم، وتشترط مجموعة من الشرذمة على المواطنين بأن من أراد أن ينتفع ويتحصل على المال ليعيش فليأتي لطبرنة باب العزيزية ويردح لـ«القذافي» لينعم بالمال الذي يريد .
6. رأيي في المجلس الوطني والسيد مصطفى عبد الجليل كنت قد أبديته عبر مدونتي
«ليبيا يا امنايا» منذ أول يوم وفي أكثر من مناسبة ولقاء كان قد أجري معي في بعض
الصحف والمداخلات الصوتية عبر راديو «سوا» وغيرها من وسائل الإعلام المهتمة بالشأن الليبي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل