; أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة (٩) "المجاهد محيى الدين القليبي" | مجلة المجتمع

العنوان أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة (٩) "المجاهد محيى الدين القليبي"

الكاتب المستشار عبدالله العقيل

تاريخ النشر الثلاثاء 07-سبتمبر-1993

مشاهدات 60

نشر في العدد 1065

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 07-سبتمبر-1993

هو الرجل الفذ، والزعيم بحق، والمجاهد بصدق، الذي يؤثر العمل على القول، ويجول البلاد الإسلامية شرقًا وغربًا، معرفًا بقضية بلاده المسلمة تونس، التي استعمرها الفرنسيون، وأذاقوا شعبها ألوان البلاء وأنواع التعذيب، ونشروا فيها الفسق والفساد، وأحلوا فيها الدمار والخراب، وعملوا على سلخها من دينها ولغتها، وتجريدها من أخلاقها وتقاليدها؛ لتحويلها إلى قطعة من فرنسا بمفاسدها ورذائلها ومباذلها.

لقد اتصف الزعيم التونسي الكبير بالالتزام الإسلامي في قوله وعمله وأخلاقه وسلوكه، كما كان النموذج الصادق للمسلم المعتز بدينه، المستعلي بإيمانه، المترفع عن مراتع خفافيش الظلام وأشباه الرجال من أدعياء الزعامة الفارغة والأمجاد الكاذبة، من الدمى المتحركة التي يسلط عليها المستعمرون أضواءهم ليصنعوا منهم أبطالاً يخدعون بهم الشعوب، وهم في حقيقة أمرهم عبيد للمستعمرين، مسخرون لخدمتهم، وترسيخ أقدامهم في ديار المسلمين.

إن المجاهد المسلم محيي الدين القليبي قام بجولات في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات الميلادية في كل من مصر وسوريا والعراق والأردن وغيرها من ديار العروبة والإسلام، التقى خلالها برجالات الإسلام وأعلام الحركة الإسلامية أمثال الإمام الشهيد حسن البنا بمصر، والدكتور مصطفى السباعي بسوريا، والأستاذ محمد الصواف بالعراق، وغيرهم من قادة الفكر ورجال الدعوة وزعماء المشرق العربي والمغرب العربي على حد سواء، حيث كانوا يتدارسون الأوضاع في بلدان المغرب العربي بخاصة، والعالم العربي والإسلامي بعامة، وكان الصراع محتدمًا بين دعاة العروبة والإسلام من جهة، ودعاة التغريب والفرنسة من جهة أخرى، وكان الاستعمار الفرنسي يمد الفريق المعادي للعروبة والإسلام بكل وسائل الدعم والمساعدة والتأييد والمساندة والعون والتعضيد.

وكانت لقاءات القليبي مع القادة والزعماء المسلمين ذات مردود طيب وأثر نافع؛ حيث أقيمت المؤتمرات، وعقدت الندوات، وقامت المظاهرات الصاخبة، وارتفعت الأصوات تدين فرنسا وتطلب منها رفع يدها عن تونس وغيرها من بلاد المغرب العربي.

كما أصدرت مجلة «الإخوان المسلمون» الأسبوعية أعدادًا خاصة عن شعوب المغرب العربي ومعاناتها من الاستعمار، وعبأت الرأي العام العربي والإسلامي ضد فرنسا، وكشفت عن جرائمها البشعة بحق هذه الشعوب المسلمة.

لقد كان الأستاذ القليبي بسيطًا في مظهره غاية البساطة، حتى إن أحد الإخوة السوريين المكلفين بمرافقته اقترح عليه أن يرتدي ثيابًا جديدةً لمقابلة رئيس الوزراء الذي كان على موعد معه، فغضب القليبي غضبًا شديدًا وقال للأخ: إننا لا نقابل الناس بثيابنا ولكن بنفوسنا، والرجال بمخابرها لا بمظاهرها، فسكت الأخ وردد قول الشاعر:

وإذا كانت النفوس كبارًا                                         تعبت في مرادها الأجسام

وقد استقبل رئيس الوزراء الأستاذ القليبي بكل احترام وتقدير وإكبار وتوقير، للمهابة التي يتميز بها، والأخلاق العالية التي يتصف بها، وكان الرئيس أذنًا صاغية لما يقوله هذا الزعيم المجاهد عن أحوال الشعب التونسي المضطهد، ومعاناته من ظلم الاستعمار الفرنسي وصنائعه من العملاء المرتزقة.

كان القليبي في أحاديثه للشباب المسلم الذين التقى بهم في مصر وسوريا والعراق والأردن يؤكد على ضرورة بناء الشخصية الإسلامية المتميزة بصفاء العقيدة، وقوة الشخصية، ومتانة الخلق، ورجاحة العقل، والحكمة، والتروي في محاكمة القضايا والأحداث، ويثير فيهم معاني الاعتزاز بالإسلام والانتساب لهذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس، كما يؤكد على عالمية الإسلام ووحدة الشعوب الإسلامية وضرورة انصهارها في بوتقة واحدة ترفع راية التوحيد، وتستظل في ظلال الإسلام، وتحكم شرعه بين الأنام، كما يوضح بأن الطريق لتحقيق ذلك إنما يكون ببناء الرجال الأشداء الذين يسلكون مسلك السلف الصالح من الصحابة والتابعين والسائرين على نهجهم دون التفات للمتخلفين أو المثبطين؛ لأن الحياة صراع بين الحق والباطل والكفر والإيمان، والإسلام دين لا يهزم البتة، ولكن المسلمين ينهزمون إذا تخلوا عن منهج الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وينتصرون إذا تمسكوا بهما، وإن سنن الله ماضية لا تحابي أحدًا، فمن زرع حصد، ومن جد وجد، ومن سار على الدرب وصل.

فعلى الشباب الأخذ بالأسباب وإعداد العدة ليوم النزال، فأعداء الإسلام لن يتوقفوا عن حرب الإسلام والمسلمين حتى يدع المسلمون دينهم ويسيروا في ركاب الكافرين ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (البقرة: 217).

فخذوا حذركم يا شباب الإسلام، فأنتم أمل هذه الأمة وعليكم معقد رجائها، فلا تخيبوا آمالها فيكم، وكونوا غدها المشرق وعدتها في الملمات.

لقد كان للقليبي مع الشباب المسلم بمصر والعراق وسوريا جلسات وسهرات وأحاديث وندوات ومحاورات ومساجلات استفادوا فيها من خبرته وتجاربه وتوجيهاته وتوصياته، فأحبوه كما يحب الابن أباه أو التلميذ أستاذه، وعاهدوا على أن يكونوا رجال الإسلام وحملة دعواته، ولقد صدق الكثير منهم فيما قال، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر،

نعم.. لقد احتل الأستاذ القليبي سويداء قلوبنا وأحببناه من أعماقنا، ووجدنا فيه الأب الحاني والأستاذ المربي والداعية الحكيم والعامل المخلص والرجل الشجاع؛ لأنه من نوادر الرجال الذين آثروا ما عند الله على ما عند الناس، وخرجوا من الدنيا الفانية وليس لهم من متاعها إلا الجهاد والمجاهدة والصبر والمصابرة، فكانت الدرة الثمينة في جبين الحركة الإسلامية، ومهما حاول الأقزام وأشباه الرجال أن يسدلوا الستار على ذكره وأن يعفوا على رسمه، فإن أصحاب الحق في كل مكان يعرفون من هو الزعيم المجاهد محيي الدين القليبي، كما أن المخلصين من الشعب التونسي المسلم والأوفياء من الرجال يدركون الدور العظيم الذي قام به من أجل دينه وأمته ووطنه والعالم الإسلامي، ويعرف للرجل مواقفه المشهودة في المؤتمرات وجهاده في سبيل الإسلام والمسلمين سواء في تونس أو غيرها من ديار المسلمين، وشباب الصحوة الإسلامية في تونس يعرفون رجالها من أصحاب السابقة وذوي الفضل والرواد الأوائل الذين شقوا الطريق ورسموا معالمه وبينوا للأمة دورها وأهابوا بها للسير فيه إلى مواطن النصر.

وإنني لأدعو قادة الحركة الإسلامية المعاصرة في تونس لتقديم سيرة القليبي لإخوانهم العاملين معهم؛ ليقفوا على الجوانب المشرقة والصفحات المضيئة من سجل جهاده الدائب وعمله الموصول ومواقفه الصلبة وآرائه السديدة، وهذا أقل ما يجب من الوفاء لمثل هذا العالم العامل والمجاهد الصادق الذي جاد به الزمان في أحرج الفترات، فكان طليعة الركب وقائد المسيرة وبطل الأزمات ورجل المواقف.

نسأل الله العلي القدير أن يجزي أستاذنا الكبير محيي الدين القليبي خير ما يجزى عباده الصالحين، وأن يوفق العاملين في حقل الدعوة الإسلامية بتونس وغيرها إلى الثبات على الحق، والصبر على البلاء، واستشراق النصر من واهب النصر ﴿لَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40).

الرابط المختصر :