; المهاجرون المسلمون في الغرب بين الإقصاء والاندماج | مجلة المجتمع

العنوان المهاجرون المسلمون في الغرب بين الإقصاء والاندماج

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-نوفمبر-1993

مشاهدات 64

نشر في العدد 1075

نشر في الصفحة 31

الثلاثاء 16-نوفمبر-1993

تعد قضايا الهجرة من المعضلات الرئيسية التي تشغل الخبراء وأصحاب القرار في الدول المضيفة والعديد من المنظمات والجمعيات المختصة في مثل هذه القضايا.

بيد أن الواقع أثبت خصوصية بعض الإشكاليات المتعلقة بالهجرة الإسلامية في ديار الغرب والمرتبطة أساسًا بمسألة الهوية الحضارية. ومن هذه الإشكاليات تصاعد ظاهرة العنصرية ورفض الآخر في المجتمعات الغربية، مع التركيز على الجاليات الإسلامية في الوقت الذي تسعى فيه هذه الأخيرة إلى الاندماج الإيجابي في هذه المجتمعات مع الحفاظ على هويتها.

حضور غير مرغوب فيه

وإذا كان البعض يقلل من شأن ظاهرة العنصرية ويحصرها في أقلية يقوم سلوكها على أساس ردود أفعال على تراكم تفاعلات الأزمة الاقتصادية، فإن العقلية السائدة تعكس نفورًا وتبرمًا من الحضور الأجنبي وبدرجة أولى الإسلامي في ديار الغرب.

والجدير بالملاحظة أن الإدارة في بعض البلدان الغربية تأثرت أو بالأحرى تنازلت أمام ضغط الرأي العام المطالب بمزيد التشدد في معالجة قضايا الهجرة لمحاصرة ما يسمى بـ "تدفق الهجرة". وتكفي الإشارة إلى الفلسفة التي قادت إلى اتفاقية شنغن Schengen. فبقدر ما تشدد الرقابة الجمركية على الحدود الخارجية لهذه البلدان.

يقول (آلان ماسور) وزير الشؤون الأوروبية في فرنسا ورئيس لجنة وزراء شنغن: "لنكن واضحين، فنحن الأوروبيون الغربيون أمام ملايين المرشحين للهجرة والذين هم في الحقيقة لاجئون على المستوى الاقتصادي ويستغلون ضعف قوانيننا الوطنية من أجل الدخول إلى بلداننا بكل الوسائل" فتبرير غلق الحدود بأسباب اقتصادية يخفي العوامل السياسية والثقافية.

فمع سقوط جدار برلين وتفكك "الإمبراطورية" الشيوعية، تحولت الأولوية الاستراتيجية في سياسة الهجرة الغربية إلى بث النمط الاقتصادي والفكري الليبرالي في بلدان أوروبا الشرقية بل كل مناطق العالم ويندرج في هذا الإطار التنافس الشديد بين الولايات المتحدة وأوروبا في استقطاب الأطراف التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفيتي سابقًا.

البعد الثقافي والحضاري

والمعطى الجديد الذي كرس هذا التوجه يتمثل في تنامي الصحوة الإسلامية على نطاق عالمي، وعلى الرغم من أن معظم رموزها يدعون إلى التعايش السلمي مع بقية الشعوب انطلاقًا من مبادئ التعارف والأخوة الإنسانية المنصوص عليها في المصادر الإسلامية الأساسية؛ فإن طابع الحذر والتخوف بقي سائدًا بل تحول في عدة حالات إلى شعور عدائي، وما يحدث في البوسنة والهرسك يؤكد هذا الأمر. فكل الجهود مكدسة لمحاصرة المد الإسلامي.

ويتشكل هذا الحصار أحيانًا في قوانين تمنع التجمع العائلي مثلاً أو تشدد في الحصول على الجنسية وحق اللجوء، وأحيانًا أخرى في تصفيات عنيفة تقوم بها مجموعات حاقدة عنصرية وشوفينية ضد أبناء الجالية الإسلامية كما حدث في ألمانيا ضد الجالية التركية.

فالخلفية التي تقود سلسلة المراجعات القانونية في فرنسا فيما يتعلق بالتجمع العائلي ذات أبعاد ثقافية حضارية، ولا تخفي بعض الأطراف السياسية حذرها من خلل عميق في تركيبة المجتمع الفرنسي وفي التوازن السكاني (الديمغرافي) بين الأجيال الشابة الفرنسية الأصل والمهاجرة، وتزداد نسبة التخوف مع صدور إحصائيات سكانية تشير إلى الخط البياني المتصاعد لنسبة المتقاعدين، وانخفاض نسبة الولادات في الأسر الفرنسية وارتفاعها في الأسر المهاجرة.

تحديات الاندماج

ونتيجة لكل هذه المعطيات ارتفعت صيحات الإنذار بالمخاطر التي تهدد "الهوية" الوطنية في بلدان أوروبا الغربية من جراء "زحف إسلامي"، كما يحلو للبعض تسميته في الوقت الذي تنادي فيه مختلف الجمعيات والمنظمات الإسلامية بفسح المجال لاندماج إيجابي للمهاجرين المسلمين في المجتمعات الغربية والتخلي عن فكرة الإقصاء والعزل والقبول بمبدأ التعددية الثقافية كما يقتضي المسار التاريخي الحالي.

ذلك أن العالم تحول إلى قرية صغيرة وتقاربت المسافات بين أقطاره وكل من يفكر في الانغلاق على نفسه يسير عكس التاريخ والتقدم الحضاري المنشود. لكن الدعوة إلى الاندماج الإيجابي لا تكفي وحدها، فالتحديات الكبيرة التي تواجه الجاليات الإسلامية في الأقطار الغربية لا يمكن رفعها إلا بترتيب البيت من داخله كما يقال.

إذ إن حالة التشتت والانقسامات والاختلافات بين مختلف المؤسسات الإسلامية لا تساعد على تنظيم الجهود وتكتلها من أجل الخروج من الوضع السلبي الذي توجد فيه هذه الجاليات على الرغم من ارتفاع عدد أبنائها، والتحدي الرئيسي إنما يأتي من الداخل ذلك: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [الرعد: 11]، صدق الله العظيم.

 

الرابط المختصر :