; صناعة التخلف.. والقابلية للهدم | مجلة المجتمع

العنوان صناعة التخلف.. والقابلية للهدم

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الجمعة 24-فبراير-2012

مشاهدات 56

نشر في العدد 1990

نشر في الصفحة 41

الجمعة 24-فبراير-2012

قامت الثورة المصرية قبل عام بفكر سابق وتخطيط ناهض، وتنظيم دقيق، وإخلاص فريد، فأبهرت وبزت وانتصرت، وحققت الكثير وأمامها الكثير بفضل الله سبحانه ثم بإخلاص القائمين بها وتضحياتهم وإيمانهم ووعيهم بأهدافهم، واجتماعهم على كلمة سواء، وكذلك يكون النصر في ركاب هؤلاء وأمثالهم: يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «كنا رعاة غنم، وبفضل الإسلام صرنا رعاة أمم». 

نعم صار المسلمون رعاة أمم بعد أن كانوا همجًا جاهليين مجموعة من الأعراب الجفاة الذين يقتلون ذريتهم خشية أن يطعموا معهم، ويأكل قويهم ضعيفهم، وكانوا كالقطيع تسوقه عصا الشرق والغرب إلى حيث تشاء، ولكنهم عندما جاءتهم رسالة الإسلام ملكوا الدنيا وعزوا وسادوا الأمم في عقد واحد من الزمان ورحم الله عمر رضي الله عنه حين قال: «كنا أذلة فأعزنا الله بالإسلام، ومن ابتغى منا العزة بغيره أذله الله». ونحن أمة الإسلام نحاول على النهج نسير وعلى الأثر نقتفي، ولكن زادنا قليل وجهدنا كليل، وعزمنا هزيل، نسأل الله أن يجبر كسرنا ويرحم ضعفنا ويمدنا بعون منه، وخاصة بعد أن ابتلينا وابتلي العالم العربي والإسلامي على مدى أعوام عدة وأزمان طوال بأعداء عتاة، فكثر ذابحونا وتعدد طاعنونا من داخلنا وخارجنا، وكان من الفتك الداخلي أشد وقعًا  علينا من فتك أعدائنا بنا؛ لأن القادم الغازي والمستعمر المحتل جاء إلى بلادنا، وفي يده صليب وفي ركابه مشروع فكري وثقافي يخالف عقائد الأمة ويضاد توجهها، وزاد على ذلك فور هجومه على بلادنا في موجته الاستعمارية الأولى أن قام بتحويل المساجد إلى إصطبلات أو كنائس كما فعلت فرنسا في الجزائر وتونس والمغرب وغيرها.

وكان هذا هدم حضاري مريع ومكشوف ومصادم للصغير والكبير، وعلى شتى النخب السياسية في هذا الوقت، وعلى عوام الناس من الفلاحين والحرفيين البسطاء، ولذلك حاربه الجميع وفشل في تحطيم حصوننا الفكرية والثقافية، وفي هدم مقومات الشخصية العربية والإسلامية، حيث كانت الحياة تتجدد في ينابيع ومقومات الأمة دائمًا أبدًا، وكانت الملاذ الذي حالت بيننا وبين السقوط الحضاري، وقد صرح بهذا الرئيس «ديجول»، رئيس فرنسا، في مذكراته، و «جلوب» باشا الإنجليزي في مذاكراته وغيرهما، إذ قالوا: «إن الأمة الإسلامية كانت تمتلك دومًا ماء الحياة وهو الإسلام، والثقافة التي صاغها والتي حالت دون تذويب الشعوب المستعمرة في ثقافة الشعوب الغازية لها».

ولهذا أدرك الاستعمار أن الدبابة وحدها لا تكفي في استئصال هذه الأمم؛ وبالتالي كان لابد من إدماجها في الثقافة الغازية، فأسسوا مدارس «كولونيالية» خاصة، ضموا إليها أبناء الإقطاعيين والمتعاملين مع الحركات الاستعمارية، وكونوهم على أعينهم وزجوا بهم بين أبناء الأمة يروجون لثقافة المحتل، ولكن بلسان الأمة، ولهذا ترى أن أغلب الذين تصدوا للإسلام وسبوه وسبوا رسوله ﷺ هم من المسلمين الذين احتضنتهم الحضارة الغربية من أمثال سلمان رشدي» في بريطانيا، و«تسليمة نسرين» التي لجأت إلى «وهرس»، النائبة الهولندية من أصل صومالي التي سبت رسول الله في هولندا، وهؤلاء الذين يعرفون بـ الليبراليين الجدد، والذين يقومون بممارسة أدوار معينة في تحريف الأمة عن مسارها؛ وتسهيل اندماجها الفكري في المنظومة الاستعمارية، كما يطالبون بواد الثقافة العربية والإسلامية، وإحلال الثقافة «الفرانكفونية» و «الأنجلو سكسونية» محلها، والقضاء على التعليم والمعاهد الأصلية التي تخرج العظماء والقادة الكبار، وواكب هذا الغثاء الدخيل عصر السلطات الهزيلة والدكتاتوريات الخائنة العميلة التي تقود بأفعالها إلى عودة الاستعمار إلى منطقتنا من جديد، حيث أدى حزب «البعث» الشوري في العراق إلى احتلال بغداد، وتهتك الدولة، والوجود الأمريكي البريطاني الإيراني على حساب الدولة والشعب في العراق.. خرج الإنجليز في عصر الاستقلال الأول ليعودوا من جديد بصحبة الجيش الأمريكي، وبعد مليون قتيل وخمسة ملايين لاجئ وشبه حرب مذهبية بين المسلمين والمسلمين! وإن الثورة اليمنية التي قادت في بلادها عصر الاستقلال الأول لا تريد أن تغادر الآن إلا وقد انتهت الدولة إلى دولتين أو ثلاث أو خمس دول يمنية!

إن حزب «البعث» السوري الذي ملأ العالم العربي ملايين الخطب حول الكرامة والاستقلال، يجد نفسه الآن في حرب مع الشعب بعد أن انقطع الرصاص عن «إسرائيل» أربعين عامًا!

 وأما الفوضى الثورية التي خلقها «معمر القذافي» في عام ١٩٦٩م، وخطبه التي لا تنقطع في مواجهة الاستعمار والاستكبار، فما تركت ليبيا الآن إلا بعد عشرات الآلاف من جثث الشعب، وبعد الغزو البري لقوات «الناتو»، وبعد أن تتأكد من تقسيم الدولة إلى دولتين أو ثلاث!
وقد كان يؤدي «القذافي» المهمة الأعظم للاستعمار الوجود البري وامتلاك النفط وبدء حرب استنزاف مصرية بأشكال معينة، وكان يريد «القذافي» أن يفتت كبريات الدول حوله كما فعل بالسودان، وألا تصعد مصر، وأن يعود الزمن الكلاسيكي للاستعمار من جديد.

وكان في مصر الآن بدايات جهد جديد لصالح الاستعمار، وهناك من يقومون نيابة عن «إسرائيل» والغرب بالتمهيد لحرب متقطعة بين المسلمين والمسيحيين، وبين المسلمين والمسلمين، وفي مصر الآن ينمو ملوك الطوائف من جديد بأفكار من خارج العصر، وأهداف من خارج الوطن وأفاق ضد التاريخ. 

لا يحتاج الغرب أن يأتي إلينا الآن، فبعض الجهلاء فينا ينفذ ما يريد بأفضل وأسرع مما يستطيع، وإذا كان هدف الغرب «إرباك مصر»؛ فإن هدف الجهلاء «إسقاط مصر»، لا نحتاج الآن إلى استعمار جديد، ذلك أن العملاء الجدد يضاعفون «القابلية للاستعمار».

 نجحت الثورة في «التحرير»، وتعثرت الآن في شوارع مصر، ولا يوجد طريق ثالث فقط طريقان: أن ينجح بناة الوطن، أو أن يسود «ملوك الطوائف» والهرج والمرج. 

وطبعًا سيكتب ويتحدث أبواق هذا التيار المعادي بعد قليل عن ضرورة فعل كذا وكذا، وعمل كذا وكذا، حتى تكون البلاد على حافة الهاوية، لا إنتاج ولا استقرار، ويستعد بعض الدخلاء ليكونوا «ملوك الطوائف» الجدد الذين أتقنوا بإحكام وبدقة فعل «الديوث» (والديوث هو السمسار الذي يتاجر بالأعراض)، فهم نجحوا في جلب المستعمر إلى بلادنا، وأجازوا له أن يمارس الفاحشة السياسية والثقافية والاقتصادية والأمنية مع بلادنا العربية والإسلامية، وهم عاجزون عن تقديم أي مشروع ثقافي وفكري ينهض بهذه الأمة، بل هم في الوقت الذي يتبجحون به بالمشروع «الديمقراطي» يقبضون أموالًا بالجملة من أعتى الدول الملكية والدكتاتورية، وهم بعد أن كشفوا عن حلفهم المقدس مع أمريكا راحوا يتحالفون مع الكيان الصهيوني، وهم بهذا سيتحالفون مع أعتى أعداء العالم العربي والإسلامي وهما أمريكا والكيان الصهيوني، اللذان هما كطرفي المقص؛ ظاهرهما مختلف وباطنهما متفق على تمزيق العرب والمسلمين، ونكون بهذا قد هدمنا أنفسنا، أو استطاع الأعداء هدمنا، ووقعنا في براثن التخلف لا قدر الله، نسأل الله العون والسداد والرشاد.. آمين. 

الرابط المختصر :