العنوان استقالة جيمس بيكر المفاجئة محاولة أمريكية لاختطاف ملف «الصحراء» من الأمم المتحدة
الكاتب إدريس الكنبوري
تاريخ النشر الجمعة 02-يوليو-2004
مشاهدات 53
نشر في العدد 1607
نشر في الصفحة 34
الجمعة 02-يوليو-2004
دخلت أزمة الصحراء الغربية - التي تعتبر الأكثر امتدادًا في الزمن بين النزاعات الإفريقية - منعطفًا جديدًا منذ 11 يونيو لاستقالة المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة المكلف بالنزاع جيمس بيكر - وزير الخارجية الأمريكي الأسبق- بعد نحو سبع سنوات من إدارة المفاوضات الصعبة بين الأطراف الثلاثة المعنية بالأزمة، وهي المغرب والجزائر وجبهة البوليساريو التي تطالب بالاستقلال التام للصحراء.
وبقدر ما شكلت استقالة بيكر تحولًا بارزا في عمر النزاع المستمر منذ أكثر من ثلاثة عقود، بقدر ما طرحت أسئلة عدة بشأن دوافع الاستقالة وأسبابها التي بقيت مجهولة، خاصة أن مهمة بعثة «المينوروسو» المكلفة بمراقبة وقف إطلاق النار في الصحراء لن تنتهي إلا في نهاية أكتوبر المقبل، وكان على بيكر- حسب الكثير من المراقبين - أن ينتظر ما سوف تسفر عنه المشاورات بين مختلف الأطراف إلى حين تقديم التقرير الجديد في أكتوبر القادم.
استقالة بيكر خلفت ردود فعل متفاوتة، ففي حين عبر المغرب - في بيان رسمي لوزارة الخارجية والتعاون - عن أسفه وشكر المبعوث الأممي على المجهودات التي بذلها، معبرًا بطريقة ضمنية عن ارتياحه بعد رحيل الرجل الذي وضع مخططًا أطلق عليه «مخطط بيكر»، أثار الكثير من القلق لدى المسؤولين المغاربة، طالبت الجزائر بضرورة الاستمرار في التفاوض حول نفس المخطط وعدم اعتبار أنه انتهى باستقالة مهندسه، وهو نفس الموقف الذي عبرت عنه البوليساريو التي أرجعت أسباب الاستقالة إلى «تعنت» المغرب وعدم قبوله بالخطة المذكورة التي اقترحها بيكر في أبريل 2003م، وقال أحد قادتها وهو محمد بخاري: إن استقالة بيكر قد تجعل العودة إلى حمل السلاح أمرًا ممكنًا في حال استمر المغرب في مواقفه السابقة.
سياق تعيين بيكر
جاء تعيين بيكر وسيطًا في أزمة الصحراء الغربية عام 1997م ترجمة للسياسة الأمريكية الجديدة تجاه منطقة شمال إفريقيا والمغرب العربي في عهد الرئيس الأمريكي السابق كلينتون، وقد كان اختياره للقيام بهذا الدور نابعًا من نجاحه المفترض في تنظيم مؤتمر مدريد للسلام بين الفلسطينيين والصهاينة عام 1991م، كما كان أيضًا ترسيخًا لنهج جديد في السياسة الأمريكية الطامحة إلى استغلال الحقول النفطية في إفريقيا، بعدما صار مؤكدًا وجود مخزون نفطي في الصحراء الغربية، وبدأت الشركات النفطية الأمريكية تسعى إلى توقيع اتفاقيات للتنقيب مع المغرب أو البوليساريو، لكن لم يتم تنفيذ الاتفاقيات بسبب الخلافات بين الطرفين حول الإقليم.
وقد تزامن تعيين بيكر مع وضع الإدارة الأمريكية لما سمي بـ «مشروع إزنستات» الذي أشرف عليه نائب وزير التجارة الأمريكي عام 1998م، ويقضي بترسيخ شراكة أمريكية، مغربية منافسة لشراكة الأوروبية - المغاربية في إطار مسلسل برشلونة الأورو - متوسطي لعام 1995م.
وبالرغم من أن بيكر كان يدرك حجم الصعوبات التي سوف تعترض طريقه لحل أزمة الصحراء التي فشل فيها جميع الأمناء العامين للأمم المتحدة، واعترف الأمين العام الأسبق بيريز دوكويار بأنها شديدة الصعوبة، فإنّ بيكر كان لديه تصور واضح بشأن مهمته، وهي طرح إمكانية الاستفادة المشتركة بين الأطراف الثلاثة من الثروة النفطية الموعودة في الصحراء، وقد شكل ذلك صلب مشروعه الذي اقترحه للحل، والذي دعا إلى منح الصحراويين حكمًا ذاتيًا لمدة خمس سنوات يتم بعدها تنظيم استفتاء وسط سكان المنطقة للاختيار بين الاندماج في المغرب أو الاستقلال التام أو الحكم الذاتي المحلي في ظل السيادة المغربية بمقتضى نظام مرن للجهوية اللامركزية، لكن المغرب رفض هذا المخطط لأنه سحب من المغرب بعض المسؤوليات لفائدة الصحراويين مثل السياسة الخارجية والجيش والعملة والقضاء وجعلها مستقلة عن المغرب، وهو ما اعتبره المغرب نوعًا من إعطاء الشرعية مقدمًا للانفصال بعد خمس سنوات، فيما قبلت الجزائر والبوليساريو بالمخطط.
من مخطط بيكر إلى الحوار
ورغم المحاولات التي بذلها بيكر والجولات المكوكية التي قام بها إلى المنطقة خلال العامين الأخيرين لتقريب المواقف، إلّا أن المغرب استمر في رفضه لخطته، مؤكدًا أن القضية خلاف مغربي – جزائري، وأن البوليساريو ما هو سوى صنيعة للجيش الجزائري، غير أن تفجيرات سبتمبر 2001م في الولايات المتحدة واندفاع الإدارة الأمريكية إلى نسج تحالفات أمنية مع بلدان المغرب العربي جعلت الأمور تأخذ منحى آخر، فقد أصبحت إفريقيا بالنسبة للإدارة الأمريكية عمقًا جديدًا لما تدعوه بالإرهاب، الأمر الذي دفعها إلى تغيير قواعد اللعبة والبحث عن ضمان الاستقرار في المنطقة من بوابة حل أزمة الصحراء أولًا، وفي العام الماضي برز الاهتمام الأمريكي بالنزاع عندما زار نائب وزير التجارة الأمريكي روبير زويليك بلدان المنطقة، وأعلن من الجزائر أن البيت الأبيض يؤيد «الحوار المباشر» بين المغرب والجزائر بشأن الأزمة، ثم تبنى المغرب هذه الدعوة رسميًا، ودعا الجزائر إلى الحوار، لكن الجزائر رفضت الدعوة.
لكن فكرة الحوار المباشر التي كانت مجرد اقتراح أمريكي رفضته الجزائر، عادت بقوة لتحتل واجهة التحركات الدبلوماسية قبل أسابيع، وحدث لأول مرة في عمر النزاع تقارب في المواقف بين كل من واشنطن وباريس ومدريد «بعد وصول الاشتراكيين إلى الحكم في مارس الماضي»، ففي شهر أبريل المنصرم قام رئيس الوزراء الإسباني خوسي زباثيرو بزيارة رسمية للمغرب أعلن خلالها تأييده للحوار بين الرباط والجزائر حول الصحراء، وقال: إن هناك «اتفاقًا كبيرًا»، سوف يتم الإعلان عنه خلال الأشهر الستة المقبلة، دون أن يرشح شيئًا عن «هذا الاتفاق الكبير» الذي فاجأ المراقبين وكشف عن وجود مفاوضات خلف الكواليس تتجاوز مهمة جيمس بيكر، وفي اللقاء الذي تم بين الرئيس الفرنسي جاك شيراك ورئيس الوزراء الإسباني في الشهر الماضي، دعا شيراك إلى مؤتمر دولي رباعي بين المغرب والجزائر وفرنسا وإسبانيا حول الصحراء، غير أن الجزائر رفضت، وفي الثاني عشر من شهر مايو الماضي زار المغرب وزير الخارجية الفرنسي ميشي برينييه، وأعلن أن باريس تؤيد حلًا لنزاع الصحراء مبنيًا على الحوار والتفاهم بين المغرب والجزائر ضمن اتحاد المغرب العربي، وقد لوحظ أن التحركات الدبلوماسية بين كل من مدريد والرباط والجزائر وباريس تكثفت بشكل غير مسبوق خلال هذه الفترة، وكان آخرها قيام نائب وزير الخارجية الإسباني برناردو ليون بزيارة إلى تندوف التي تعتبر عاصمة البوليساريو، هي الأولى من نوعها لمسؤول إسباني منذ خروج الاحتلال الإسباني من الصحراء عام 1975م.
ولاحظ المراقبون أن صمت المغرب على هذه الزيارة ربما يخفي وراءه وجود تفاهم بين الرباط ومدريد على أن الزيارة جزء من المشاورات للدفع بالحوار، لا اعتراف رسمي بالبوليساريو.
لماذا الاستقالة الآن؟
الملاحظ أن استقالة بيكر تزامنت مع عدة أحداث على صعيد العلاقات المغربية -الأمريكية، ففي 6 يونيو الحالي أعلن الرئيس الأمريكي عن منح المغرب صفة «الحليف القوي» من خارج بلدان حلف الناتو، وعن تنظيم أول مناورات عسكرية مشتركة في نهاية هذا الشهر قرب شواطئ جزر الخالدات، وتمنح هذه الصفة للمغرب حق شراء السلاح الأمريكي والاستفادة من الحماية الأمريكية، مما يعد رسالة من الإدارة الأمريكية بأنها تدعم المغرب في موقفه من قضية الصحراء.
أما الحدث الثاني فهو انعقاد قمة بلدان الثماني الكبار، والتي كان في جدول أعمالها المشروع الأمريكي المسمى «مشروع الشرق الأوسط الكبير»، وتشكل منطقة شمال إفريقيا جزءًا منه، وقد لوحظ أن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الذي حضر القمة لم يأتِ على ذكر أزمة الصحراء في مداخلته حول أزمات القارة الإفريقية، واستنتج المراقبون من ذلك وجود مخطط أمريكي يتم التحضير له لحل النزاع، على أساس أن يكون حل مشكل الصحراء جزءًا من الترتيبات الأمريكية الجديدة في المنطقة، أمّا الحدث الثالث الذي تزامن مع استقالة بيكر بفارق بسيط فهو التوقيع الرسمي على اتفاقية التبادل الحر بين المغرب والولايات المتحدة في واشنطن يوم 15 يونيو الجاري.
من ثم يبدو أن استقالة بيكر كان مخططًا لها من قبل، وتم بالاتفاق بين الإدارة الأمريكية وبينه، وعلى أن يكون ابتعاده عن ملف الصحراء إعلانًا مباشرًا عن فشل جميع المحاولات التي تمت حتى الآن من داخل الأمم المتحدة، ومن جهة ثانية فتحًا للطريق أمام حل آخر من خارج المنظمة الأممية، خصوصًا إذا علمنا أن بيكر يمثل أبرز الجمهوريين المقربين من الإدارة الأمريكية الحالية، وأنه سيرأس حملة الرئيس بوش للانتخابات الرئاسية المقبلة، مما يؤكد أن تفاهمهم بين الجانبين ليس أمرًا مستبعدًا.
مؤتمر دولي في مدريد
وقد كشفت مصادر إسبانية مطلعة يوم 11 يونيو أن استقالة بيكر تعتبر الخطوة الأولى نحو عقد مؤتمر دولي بشأن الصحراء، وأن رئيس الوزراء الإسباني بدأ يتحرك من أجل هذا الهدف بتنسيق مع العاهل المغربي محمد السادس من أجل عقد المؤتمر خلال الشهور القادمة وقبل نهاية العام الجاري - وقالت يومية «لاراثون» المعروفة بقربها من المؤسسة العسكرية الإسبانية، وبأنها شديدة الاطلاع على الشؤون المغربية، إن إسبانيا اقترحت استضافة المؤتمر على غرار مؤتمر مدريد للسلام عام 1991م في عهد جورج بوش الأب وجيمز بيكر نفسه الذي كان وقته وزيرًا للخارجية في بلاده وفي عهد الاشتراكيين الإسبان بقيادة فيليبي غونزاليث، وأضافت الصحيفة الإسبانية نقلًا عن «مصادر مغربية رسمية» أن فكرة المؤتمر الدولي حول الصحراء «فوق طاولة النقاش»، قائلة إن المؤتمر المتوقع قبل نهاية العام الحالي سيتركز حول قضية واحدة وهي منح الأقاليم الصحراوية حكمًا ذاتيًا سياسيًا واقتصاديًا في إطار السيادة المغربية، مع ترتيب نوع من الاتفاق الإقليمي الكبير داخل اتحاد المغرب العربي، وسيكون دور الأمم المتحدة لاحقًا للمؤتمر، حيث ستقدم له دعمها وتمنحه الشرعية الدولية.
ويظهر أن هذا التوجه هو الذي تسير فيه التحركات الدبلوماسية الحالية، وربما كان آخر تقرير للأمم المتحدة في أبريل مؤشرًا على إمكانية الذهاب في هذا الخيار، حيث كان التقرير قد أقر بصعوبة الاستمرار في إطلاق المفاوضات بين الأطراف الثلاثة المعنية بالنزاع، واعترف بأن أي مفاوضات جديدة بين الأطراف ستكون «غير منتجة»، لكن أهم ما ورد في التقرير المشار إليه تأكيده على أن أي حل «غير متوافق عليه» سيكون مآله الفشل، ويرى المراقبون أن فكرة المؤتمر قد تكون هي المقصود بـ «الاتفاق الكبير» الذي أشار إليه رئيس الوزراء الإسباني، أو حصيلة دمج بين الاقتراح الإسباني المذكور والدعوة الفرنسية إلى القمة الرباعية.
وكيفما كانت السيناريوهات التي يتم الإعداد لها بعيدًا عن الأضواء، فالمؤكد أن أزمة الصحراء الغربية مرشحة لتطورات كبرى لن تقتصر تأثيراتها على مستقبل ووضع المغرب والجزائر فقط، بل ستطال المنطقة برمتها وتعزز النفوذ الأمريكي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل