; بلا حدود.. رجال رابين | مجلة المجتمع

العنوان بلا حدود.. رجال رابين

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 14-نوفمبر-1995

مشاهدات 68

نشر في العدد 1175

نشر في الصفحة 31

الثلاثاء 14-نوفمبر-1995

في حضور ضم ما يقرب من خمسة آلاف شخص بينهم ممثلون من سبعين دولة دفن إسحاق رابين رئيس وزراء «إسرائيل» في القدس في الأسبوع الماضي بعدما قتل على يد أحد اليهود الذين ينظرون إلى «إسرائيل الكبرى» بمنظار آخر غير الذي حققه إسحاق رابين لليهود.

لقد قضى إسحاق رابين- الذي ولد في القدس عام 1923م- عمره كله مناضلًا ومكافحًا في سبيل الأفكار الصهيونية والأحلام اليهودية، ونشأ وترعرع في المدارس التي تخرج منها معظم الزعماء الصهاينة وقادة عصابات الهاجاناة الإرهابية الدموية، فقد درس في مدرسة «أبناء المستخدمين»، ومدرسة «كمدوري»، وحينما وعى على الدنيا التحق بعصابة «بلماح» الصهيونية العسكرية وقد برز نبوغ رابين وولاؤه للصهيونية منذ صغره، فحينما كان في الثامنة عشرة من عمره شارك جيوش الحلفاء في دخول سوريا في الحرب العالمية الثانية عام 1941م، وكما كان للفيلق اليهودي الذي شارك البريطانيين في الحرب العالمية الأولى دور كبير في حصول اليهود من بريطانيا على وعد بلفور عام 1917م فقد كان لمشاركة العصابات الصهيونية التي كان رابين أحد أبطالها في دخول سوريا مع الحلفاء عام 1941م دور في تحقيق وعد بلفور وإقامة «إسرائيل» بعد ذلك على أنقاض فلسطين في عام 1948م.

وكان رابين يفخر دائمًا بتنظيم «بلماح» الصهيوني الذي تربى فيه وكان يفتخر دائمًا بجرائمه التي ارتكبها ضد الفلسطيني، ولذلك كان يقول دائمًا: «إن روح «بلماح» وتطلعاته قد انتقلت للجيش الإسرائيلي بعد قيام الدولة، وقد اشترك مع الإرهابي الصهيوني إيجال الون، والإرهابي الصهيوني مناحيم بيجن، والإرهابي الصهيوني إسحاق شامير، في جرائم لا حصر لها ضد العرب والمسلمين في فلسطين، وسوريا، ولبنان، ومصر، والأردن، حيث أمر رابين بذبح آلاف من الأسرى المصريين والفلسطينيين في حرب 1967م حينما كان رئيسًا لأركان الجيش الإسرائيلي، كما اعترف في مقابلة أجراها التليفزيون الإسرائيلي معه في عام 1992م بأنه صاحب الدور الرئيسي في طرد سكان الضفة الغربية وتشريدهم أثناء وبعد حرب 1967م حيث قتل وشرد الآلاف من النساء والأطفال.

وقد تولى رابين رئاسة الوزارة مرتين الأولى في عام 1974، إلا أنه اضطر لتقديم استقالته في ديسمبر 1976 بعد ما ارتبط اسم زوجته بفضيحة حسابات مالية غير مشروعة في بنوك أمريكية.

ثم عاد رابين للواجهة مرة أخرى في عام 1984م حيث عين وزيرًا للدفاع في حكومة بيريز عام 1984م ثم وزيرًا للدفاع في حكومة شامير عام 1986م، حيث أصدر أمره المشئوم في عام 1988م بتكسير عظام أطفال الحجارة، وفي يوليو عام 1992م أصبح رابين للمرة الثانية رئيسًا لوزراء «إسرائيل» واحتفظ لنفسه بمنصب وزير الدفاع، وفي عام 1993م أصدر أوامره للجيش الإسرائيلي بقصف شمال لبنان حيث قتل أكثر من 120 من المدنيين، وجرح مئات آخرين وهدمت كثير من القرى، كما أنه استطاع عن المستوى السياسي أن يضع الإدارة الأمريكية كلها رهن إشارة «إسرائيل» ومطالبها، حيث مارست الإدارة الأمريكية ضغوطها على العرب ليذعنوا لمطالب إسرائيل ويقبلوا بعروضها لتوقيع معاهدات للصلح معهم وكانت كلها تكريسًا للهيمنة الإسرائيلية على دول المنطقة، ولم يكن رابين يحفل بأحد سوى بمصالح اليهود والصهاينة، حيث كان يتعامل مع الجميع لاسيما العرب الذين عقدوا اتفاقيات هزيلة مع إسرائيل باستعلاء وإهانة جعلت عرفات يصرح أكثر من مرة بأنه «يشعر بالذل والمهانة» كما جعلت رابين يعلن في الدار البيضاء وعمان أمام العرب الذين كانوا ينصتون إليه بأن «القدس» هي العاصمة الموحدة والأبدية لإسرائيل دون أن يجرؤ أحد بالرد عليه ردًّا يليق بعزة المسلمين وحقوقهم.

وفي اليوم الذي أعلنت فيه مجلة «دير شبيحل» الألمانية بأن رابين هو الذي أصدر أوامره إلى الموساد الإسرائيلي بتصفية الدكتور فتحي الشقاقي زعيم حركة الجهاد الإسلامي سلط الله على رابين أحد الصهاينة ليذيقه من الكأس الذي أذاق رابين منه عشرات الآلاف ممن ذبحهم أو قتلهم خلال مسيرته الإجرامية المديدة، ومات رابين عن 73 عامًا قدم خلالها خدمات مميزة للصهاينة العالمية، وكما خدم رابين الصهاينة حيًّا، خدمهم أيضًا ميتًا، حينما اجتمع في جنازته ممثلون من أكثر من سبعين دولة بينهم بعض الزعماء والمندوبون العرب علاوة على الرئيس الأمريكي جورج بوش والفرنسي جاك شيراك والألماني هيلموت كول وولي العهد البريطاني تشارلز ورئيس الوزرءا ميجور ورئيس الوزراء السوفييتي تشيرنو ميردين، وعشرات من الزعماء الآخرين بينهم رؤساء ومندوبين من العرب ليكون ذلك أكبر تجمع دولي يلتقي على أرض إسرائيل ويقر بأن «القدس» عاصمة لهم وأكبر تنوع بشري يلتقي في مناسبة من هذا النوع، وكان معظم هؤلاء يذرفون الدموع على «رجل السلام» الذي قهر العرب وجعل بعض قادتهم يقفون ذلًّا واحترامًا أمام جثة الرجل الذي أذاق شعوبهم الهوان طوال أكثر من خمسين عامًا.

إن معظم الذين وقفوا تحية للعلم الإسرائيلي وهو يرفرف فوق القدس المحتلة لم يكونوا سوى رجال رابين الذين أقام علاقات معهم أو مع دولهم، واستطاع أن ينتزع من كل منهم نصرًا لإسرائيل، أو دعمًا لها ابتداء من الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، وانتهاء بمبعوث موريتانيا الذي قال وزير خارجيتها لشيمون بيريز أثناء لقائه به وهو يلتمس رضاه بأن بلاده أصبحت دولة إسلامية بالصدفة.

وكان رجال رابين الذين جاؤوا من الولايات المتحدة لوداعه هم أكبر الوفود، فقد حمل كلينتون على طائرته مائة مسئول أمريكي، وهو أكبر وفد رسمي في تاريخ الولايات المتحدة يشارك في جنازة أي مسئول خارج الولايات المتحدة، وقد ضم وفد رجال رابين الأمريكيين علاوة على كلينتون الرئيس السابق بوش، والرئيس الأسبق كارتر، ووزير الخارجية الأسبق اليهودي هنري كيسنجر الذي شوهد وهو يبكي بحرقة على رفيقه رايبن، كما ضم الوفد أربعين من رجال الكونجرس، وإذا كان هؤلاء يعتبرون كونهم من رجال رابين يعتبر جزءًا من عقيدتهم وسياسة دولهم فإننا نتعجب والله- من هؤلاء الذين باعو أمتهم وأوطانهم دون أن يطلب منهم، ووقفوا يرثون قاتل إخوانهم ويتمنى أحدهم أن يموت موتته، وإن المرء لا يستطيع أن يكتم شعوره بالحزن والهم وهو يتابع هذه المخازي.

وأتعس خلق الله في الذل أمة
 
 لها من بين أبنائها لأعدائها جند
 

لكنه ﴿لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف:87). وإن حفظ الله لهذه الأمة هو جزء من عقيدتها، لكنها كبوة يميز الله فيها الخبيث من الطيب، وإذا كان الله قد أخذ رابين، أخذة عزيز مقتدر في يوم كان يحتفل فيه بانتصاره على الأمة، فإنه سبحانه هو القادر على أن يذيق اليهود بأس بعض، وأن يلحق أحباء رابين به، وأن يأتي النصر من وسط هذا اليأس الذي أحاط بالناس ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (يوسف:110). فاللهم اجعل قتل رابين بداية خير وعزة ونصر للإسلام والمسلمين.

الرابط المختصر :