; متى يتصادم المشروع الأمريكي مع المشروع الإسلامي؟ | مجلة المجتمع

العنوان متى يتصادم المشروع الأمريكي مع المشروع الإسلامي؟

الكاتب محمد الحسناوي

تاريخ النشر السبت 02-أبريل-2005

مشاهدات 58

نشر في العدد 1645

نشر في الصفحة 22

السبت 02-أبريل-2005

  • في الخمسينيات من القرن الماضي عرضت الإدارة الأمريكية على الإخوان المسلمين في سورية «صفقة» مؤداها «المقايضة» في القضية الفلسطينية مقابل وصولهم إلى السلطة لكنهم رفضوا وقبلها حسني الزعيم وجمال عبد الناصر.
    نعم هناك انتشار شعبي للتدين ونمو للحركات الإسلامية، ولكن تظل قناعة الإخوان السوريين هي المشاركة مع غيرهم في الصيغة الديمقراطية.

نبادر منذ البداية فنوضح أن المقصود هنا بالمشروع الإسلامي هو مشروع جماعة الإخوان المسلمين في سورية، والمقصود بالمشروع الأمريكي هو مشروع الشرق الأوسط الذي تتبناه الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة المحافظين الجدد والداعي إلى طرح هذا التساؤل: متى يتصادم هذان المشروعان ؟ هو وضع النظام السوري على «أجندة» التغيير الأمريكي، بعد الفراغ من ترتيب الوضع اللبناني، الذي فرض أولويته على الأجندة الأمريكية، بمناسبة اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري.

من المعلوم أن المشروع الأمريكي لمنطقتنا يختلف عن المشروع الأوروبي أو يتصادم معه ومن باب أولى فإنه يتصادم مع المشروع الإسلامي، لكن المشروعين الأمريكي والأوروبي تقاطعا أو تطابقا في ترتيب الوضع اللبناني مؤخرًا منذ قرار ١٥٥٩، فهل هناك تقاطعات أو توافقات يمكن أن تحصل أيضًا على المدى القريب في ترتيب الوضع السوري؟ مما يؤكد هذا السيناريو في القطر السوري على النموذج الجورجي والأوكراني ودول المنظومة الاشتراكية، أن النظام السوري وصل إلى أبواب مسدودة مع نفسه ومع شعبه، إذ لم يقبل المصالحة الوطنية ولا الاستقواء بشعبه وبالمعارضة السورية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين حتى الآن برغم كل الطروح والفرص المواتية، ومع استعداده في الوقت نفسه للتجاوب مع الأجندة الأمريكية والصهيونية بلا شروط مسبقة على حد أقوال صانعي القرار فيه «الرئيس بشار ووزير خارجيته الشرع».

هذا سبب وسبب آخر هو قصور النظام عن فهم المعادلة والتوازنات المحلية والإقليمية والعربية والدولية التي اختلت واختلفت عما كانت عليه في الماضي، حين كانت تتيح له أن يكون لاعبًا مهمًا في المنطقة، أو تضمن وجوده واستمراره.

صفقة مقايضة

في الخمسينيات من القرن الماضي عرضت الإدارة الأمريكية على تنظيم الإخوان المسلمين في سورية «صفقة» مؤداها «المقايضة» في القضية الفلسطينية مقابل وصولهم إلى السلطة أو تسهيل وصولهم إليها، لكن جماعة الإخوان المسلمين رفضت هذه الصفقة لتعارضها الجذري مع عقيدتها الإسلامية واستراتيجيتها العامة ولاسيما خوضها حرب فلسطين عام ١٩٤٨م بكتائب سورية ومصرية ومن أقطار أخرى وكان الدكتور مصطفى السباعي المراقب العام للتنظيم السوري على رأس الكتيبة الإخوانية السورية، وصاحب الخطاب المشهور في مؤتمر بحمدون عام ١٩٥٥م، ذلك الخطاب الذي أحبط محاولات الاستدراج الأمريكي للقوى الإسلامية باسم محاربة الشيوعية ونفوذ الاتحاد السوفييتي المتزايد.

اليوم وبعد مرور خمسين عامًا تشهد المنطقة تبدلات وتحولات كثيرة، أولها تحول الولايات المتحدة الأمريكية إلى إمبراطورية استعمارية على الشكل القديم، وظهور ما يسمى «الإرهاب» وتبني الإدارة الأمريكية «مشروع الشرق الأوسط الكبير» الذي يتضمن دعاوى نشر الديمقراطية في العالم وبالمقابل على الضفة الأخرى ازدياد الوعي الشعبي الفلسطيني فالعربي فالإسلامي بالقضية الفلسطينية وبالتعاون الاستراتيجي بين المشروعين الأمريكي والصهيوني، وفي الوقت نفسه وصول تنظيم الإخوان المسلمين في سورية، مع الصحوة الإسلامية العامة، ومع سياسات الاضطهاد السورية إلى أن يكون فصيلًا معارضًا يحسب حسابه داخليًا وخارجيًا، لدرجة أخذت معها تقارير «معاهد الدراسات الأمريكية» المتخصصة تتحدث «بقلق» واضح عن الدور الذي قد يلعبه إخوان سورية إذا سقط النظام.

ما نقاط الاحتكاك بين المشروعين؟

الاختلاف موازين القوى ترتبط نقاط الاحتكاك بالقوة العظمى المبادرة للصدام أو الاحتكاك، وهي الإدارة الأمريكية، أي هي نقاط مشتقة من المصالح والأهداف الأمريكية في منطقتنا، وفي مقدمتها ما يلي: 

1-    وضع اليد على ثروات النفط العربي والإسلامي.
2-    حماية الكيان الصهيوني والتسوية المحققة لذلك.
3-    الهيمنة الأمريكية بأنواعها.
4-    الحملة على ما يسمى «الإرهاب».
5-    نشر الديمقراطية «الأمريكية» في المنطقة.

بين يبدو الخلاف حول معظم هذه النقاط المشروعين الإسلامي والأمريكي خلافًا جذريًا غير قابل للتقاطع أو التهادن على المدى المنظور ومع ذلك استطاع حزب إسلامي تركي، وهو حزب العدالة الوصول إلى «معادلة توافقية مع الإدارة الأمريكية لأسباب منها البعد «الجيوسياسي» التركي عن منابع النفط وعن الحدود المباشرة لفلسطين والكيان الصهيوني، على حين لم يستطع تنظيم إسلامي آخر مواز للإخوان العرب في باكستان هو الجماعة الإسلامية «المودودي- القاضي حسين» إيجاد معادلة توافقية أخرى، برغم بعد باكستان الجيوسياسي عن آبار النفط وعن الساحة الفلسطينية لكن وجود القنبلة الذرية الباكستانية، وهي قنبلة إسلامية بمعنى من المعاني واستباحة أفغانستان القطر المجاور لباكستان تمثل عوامل مهمة في تصادم المشروعين أيضًا.

في الخمسينيات من القرن الماضي حين رفض الإخوان المسلمون «صفقة المقايضة مع الإدارات الأمريكية قبلها غيرهم من القوى والأحزاب العربية، مثل الضابط حسني الزعيم في سورية والضابط جمال عبد الناصر في مصر «كما ذكر مايلز كوبلاند في كتابه: لعبة الأمم» وقبلها حزب البعث العربي الاشتراكي في سورية والعراق «كما صرح صدام حسين وصلنا في قطار أمريكي» واستطاعوا الوصول إلى الحكم فالانفراد به، لكن النتيجة أنهم سقطوا أو انتهوا إلى السقوط لأسباب متعددة، منها تفاوت موازين القوى بين طرفي «الصفقة»، ومنها الخلل الأخلاقي الشديد في جوهر الصفقة نفسها، أي السماح لشعب غريب أن يغتصب أرض شعب أخر، ويطرده ويقيم كيانًا خاصًا به، أو الاعتراف على الأقل، بهذا الكيان.

الجديد في المعادلة

فما الجديد في المعادلات والتوازنات المحلية والإقليمية والعربية والدولية بشأن الوضع السوري في المنطقة وبمناسبة وضع النظام السوري على منضدة الأجندة الأمريكية بعد لبنان؟

الإدارة الأمريكية ترغب في تغيير النظام السوري، لأنه أصبح عبئًا عليها كبقية الأنظمة الاستبدادية الشمولية والمعارضة السورية الوطنية، بما فيها جماعة الإخوان المسلمين ترغب في تغيير النظام بعدما وصلت معه إلى الأبواب على خلاف بين مشروعي الإدارة عارضة السورية والنظام السوري الكافية لإسقاطه أو تغييره، وذلك بممارساته المعروفة المتراكمة، و«بتمترسه» بها حتى آخر لحظة، ولإصراره على مواجهة مصير «أمثاله»، على الرغم من استعداده لتنفيذ الاستحقاقات الأمريكية والصهيونية بلا شروط مسبقة!

هل هذا كاف لوقف الصدام أو حصول تهادن بين المشروعين الوطني أو الإسلامي في سورية وبين المشروع الأمريكي؟ وبمعنى آخر إذا تعارضت رغبة الأمريكيين بين نشر الديمقراطية في سورية، وتأمين حماية الكيان الصهيوني واستقراره أو استمراره، فأيهما تفضل؟ 

الجواب من حيث التبسيط ليس صعبًا، فقد سبق للإدارة الأمريكية أن دعمت الأنظمة الاستبدادية المحققة لمصالحها، وما تزال حتى الآن تلعب اللعبة نفسها برغم تبنيها مشروع «الحرية» أو ما تسميه نشر الديمقراطية عالميًا وفي الشرق الأوسط بالذات ولا أدل على ذلك من تبديل موقفها من نظام القذافي الذي لم تتبدل أساليبه غير الديمقراطية.

يضاف إلى ذلك أن تقارير معاهد الدراسات الأمريكية تثير موضوع تنظيم القاعدة، وموقف الإخوان المسلمين من هذا التنظيم، فهي لا تنكر معرفتها بالا علاقة بين التنظيمين وأن التنظيم الإخواني أسبق وأقدم وأكبر من تنظيم القاعدة وأن تنظيمات الإخوان المسلمين تتبنى «الخيار الديمقراطي» في التغيير وفي الحكم، كما أعلن إخوان سورية في «ميثاق الشرف للعمل الوطني» الذي وقعوه مع أطراف الطيف السوري المعارض عام ٢٠٠١م وفي «مشروعهم السياسي السورية المستقبل» عام ۲۰۰٤م، لكن الإدارة الأمريكية تعلن بالمقابل أنه «من ليس معها فهو ضدها»، بمعنى أنها تطالب المنظمات الإسلامية، بما فيها جماعة الإخوان المسلمين ألا تكتفي برفض العنف في خطابها، بل أن تنخرط أيضًا في محاربته على القياس الأمريكي، مساوية في ذلك بتبسيط مفرط بين عنف «القاعدة» وبين جهاد منظمة «حماس» في الأرض المحتلة «كحركة تحرير وطنية» بمقاييس المنظمات والهيئات الدولية.

إذا كان القطر السوري لا يملك قنبلة نووية كالقنبلة الباكستانية، وإذا كان القطر رافضًا للاحتلال الأمريكي للعراق الشقيق المجاور، وإذا كان لا يستطيع أي طرف سوري وطني لاسيما المعارضة بما فيهم الإخوان المسلمون صوغ معادلة توافقية كالتي صاغها «حزب العدالة التركي» فإن المطلوب من الإدارة الأمريكية، إذا صدق توجهها إلى الديمقراطية خارج حدودها الجغرافية أن تسعى بنفسها إلى صوغ مثل هذه المعادلة، أو تسهيل صوغها، بمراجعة سياساتها بدءًا بالقضية الفلسطينية وتعريف الإرهاب تعريفًا لا يطمس حركات التحرر الوطني.

على المدى المنظور، لا يتوقع أحد أن يحدث تغيير كبير في سياسات الإدارة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية أو تعريف الإرهاب برغم فلسفتها البراجماتية، وبرغم التكاليف الباهظة في حماية الكيان الصهيوني وفي حروب أفغانستان والعراق العدوانية.

لذلك مما يقلق معاهد الدراسات الأمريكية تقدير حجم الإخوان المسلمين السوريين، ومدى احتمال وصولهم إلى الحكم بعد سقوط النظام السوري.

برغم تعليم النظام السوري المقصود على الأوضاع السورية، ورفض الإخوان السوريين الاستقواء بالقوات الأجنبية نستطيع أن نوضح الصورة أكثر.

نعم هناك انتشار شعبي للتدين في القطر السوري، ونمو للحركات والمنظمات الإسلامية، بما فيهم الإخوان المسلمون، لكن الإخوان المسلمين على ضوء خطابهم المعلن وعلى ضوء المعطيات في الوضع السوري المعجون بالخراب طوال أربعين عامًا «من انهيار في الدولة وفساد عام» كل ذلك لا يغري الإخوان المسلمين بالمغامرة في تحمل المسؤولية العامة وحدهم زد على ذلك تركيبة المجتمع السوري «تعدد الديانات والإثنيات والأحزاب» وتجربة الحزب الحاكم سيئة الصيت كل ما في الأمر أن خطاب الإخوان السوريين والتوازنات السورية، تقتضي أن يكون الإخوان فصيلًا مشاركًا للفصائل السورية الأخرى لا أكثر في الصيغة الديمقراطية مسعى ومالًا.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

604

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية