العنوان باكستان- التغيير.. والمستقبل السياسي في باكستان
الكاتب سامر علاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 09-نوفمبر-1999
مشاهدات 65
نشر في العدد 1375
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 09-نوفمبر-1999
• البلاد تعيش حالة ترقب.. والقوى السياسية الفاعلة على الساحة لا يبدو بينها أي تنسيق
الأجندة الثقيلة التي أعلن عنها الجنرال برويز مشرف بعد خمسة أيام من الإطاحة بحكومة نواز شريف حملت كل شيء باستثناء تعريف المستقبل السياسي لباكستانالتي عانت من الاضطراب السياسي منذ عودة الديمقراطية لها عام ١٩٨٥م.
خمس حكومات سقطت خلال أحد عشر عامًا من الديمقراطية، أربعة منها بشكل دستوري من خلال صلاحيات الرئيس التي ألغاها رئيس الوزراء السابق نواز شريف بعد حصوله على أغلبية الثلثين في البرلمان على أمل أن يتوج ملكًا على عرش باكستان، والخامسة بتدخل مباشر من الجيش في الثاني عشر من أكتوبر الماضي، حيث أجمعت الأوساط السياسية والمراقبين والمحللين السياسيين أن تدخل الجيش جاء بعد أن أقفل نواز شريف جميع الأبواب أمام إمكان التغيير بأسلوب آخر بعد التعديلات المتكررة التي أدخلها على الدستور وإخضاع القضاء والبرلمان والإطاحة بالرئيس السابق ليحل محله رئيس موال تمامًا لشريف وعائلته.
التغيير المفاجئ في باكستان وضع البلاد في ظل ضبابية سياسية وحالة من الغموض حول مستقبل باكستان السياسي، وهو ما عبر عنه المحللون السياسيون على اختلاف أطيافهم، ويؤكد مدير تحرير صحيفة «أوصاف» الأسبوعية الصادرة في العاصمة إسلام آباد باللغة الأردية أن هناك الكثير من الأمور التي ما زالت غير واضحة حتى الآن رغم الأجندة التي قدمتها الحكومة العسكرية الجديدة والتي تتكون من سبع نقاط.
الأحزاب السياسية الباكستانية راغبة بالتغيير أو غير راغبة محافظة وليبرالية، وجدت نفسها أمام واقع جديد لا يوجد أمامها سوى القبول به، بل والتعاطي معه، فالحزب الحاكم حزب الرابطة الإسلامية صمت طويلًا ثم أعلن أنه لن يدخل في عراك مع الجيش وإن أبقى على نواز شریف علی رأس قيادة الحزب خوفًا من نشوب صراع داخلييفتته، ولدى سؤالنا للسيد إعجاز الحق نجل الرئيس الباكستاني الأسبق ضياء الحق ونائب رئيس حزب الرابطة الإسلامية قال: إن أهم أولوياتنا في حزب الرابطة المحافظة على الوطن ووحدته وعدم الدخول في صراع مع المؤسسة العسكرية، والعمل على استعادة الديمقراطية، ويحتل تماسك الحزب والحفاظ عليه أولوية خاصة، حيث إنه أكبر الأحزاب وأكثرها أعضاء في البرلمان.
ويضيف: «الجيش والسياسيون يجب أن يعملوا سويًّا وهو ما صرح به الجنرال مشرف، وذلك لمواجهة التحديات الاستراتيجية مثل قضية اتفاقية الحظر الشامل على التجارب النووية وقضية كشمير، ولا يتم ذلك إلا من خلال توافر انسجام كامل وإقامة وضع تشاوري صحيح بين الجيش والحكومة المدنية، وأعتقد أن تشكيل مجلس الأمن القومي خطوة جادة في هذا الاتجاه، ولذلك فإنني أعتقد أن البلاد ستشهد عملية ديمقراطية صحيحة في المستقبل القريب».
بنازیر بوتو زعيمة حزب «الشعب» المتواجدة خارج البلاد بعد صدور أحكام قضائية ضدها لم تدع من ناحيتها إلى انتخابات مباشرة واستعاضت عن ذلك بمغازلة الجيش والرغبة في التعاون مع حكومة العسكر، وهو ما يعني أن نهاية حكم الجيش ليست قريبة وأنها تؤمل المشاركة بالأمر الواقع وتنظيف ماضيها رغبة في إقامة مستقبل سياسي جديد بعد أن كاد يندثر.
وقد تحدثت المجتمع إلى إقبال حيدر عضو مجلس الشيوخ في البرلمان الباكستاني ووزير العدل السابق في حكومة بوتو وعضو اللجنة التنفيذية للحزب حول المستقبل السياسي لباكستان فقال: «إذا كانت المسألة تتعلق الآن بشرعية النظام الحالي والاستيلاء على السلطة من قبل الجيش فدعوني أقل لكم: إن هذا الأمر لا يتوقف على الدستور والقضاء وحدهما، وإنما بشكل رئيس على أداء الحكومة الحالية بعد اعتلاء الجيش السلطة، فنقاط الأجندة السبع التي قدمها النظام العسكري هي بالتأكيد أجندة إيجابية وأتمنى حقيقة وأدعو لهم بالنجاح في تنفيذ هذه البنود السبعة والتي هي في الحقيقة تضع البلاد على المسار الصحيح وتثبت أقدامها.
وقبل البدء في تنفيذ الأجندة المعلنة فأعتقد أن الشرط الأساسي لنجاح الحكام الحاليين لباكستان هو تنظيف باكستان من الإرهاب والسلاح وما يعرف بثقافة الكلاشنكوف، ويجب إجراء عملية التنظيف هذه للتأكد من أن هذه الأجندة لن تحيط من قبل المتطرفين والجماعات الطائفية والدينية المسلمة أو الإثنية والدينية ومافيا المخدرات «هكذا يخلط بين تلك الأطراف جميعًا» إن تنظيف كل زاوية من الأسلحة والإرهاب والإرهابيين هي الأكثر أهمية وشرط مسبق لنجاح الحكام الحاليين».
الجماعة الإسلامية في باكستان التي تزعمت الدعوة للتغيير بدت أقل حماسًا بعد فترة وجيزة من الانقلاب خاصة بعد تصريحات الجنرال مشرف الصحفية، والتي اعتبر فيها كمال أتاتورك مثالًا له. وكانت الجماعة الإسلامية أول من لدغ بالحكم الجديد عندما حد من حركة زعيمها القاضي حسين أحمد ومنعه من دخول إقليم الحدود «بيشاور» بعد توجيهه انتقادات لتصريحات مشرف رغم تأكيدات قاضي حسين أن جماعته لا تنوي الخروج إلى الشوارع والاحتجاج ضد النظام العسكري الجديد، وعن مستقبل باكستان السياسي في ضوء التغيير يقول قاضي حسين: «الدستور الباكستاني ينص على أنه دستور إسلامي وديمقراطي، فهذه جمهورية إسلامية وديمقراطية إسلامية، ولكن للأسف فإن النخبة التي حكمت البلاد لم تكن صادقة مع الدستور والأسس التي قامت عليها باكستان، ولم تتصرف لا على أساس إسلامي ولا على أساس ديمقراطي، وتتحمل الأحزاب العبء الأكبر لأنها وقادتها كانت تتصرف على خلاف الديمقراطية والمبادئ الإسلامية، وهو ما تسبب بوجود هوة كبيرة بين الشعب والحكومة ودفع الجيش إلى التدخل مرات كثيرة، وهذه ليست المرة الأولى التي يتدخل فيها الجيش بسبب تصرفات الحكومات السياسية وتتحمل بنازير بوتو ونواز شريف المسئولية عن تدمير مؤسسات الدولة الدستورية، ولم يكن بالإمكان تجاوز تدخل الجيش، ولكن هذا التدخل يجب أن يكون مؤقتًا ومحددًا في إصلاح التمزق الذي حدث للقوانين الدستورية وإعادة المؤسسات إلى وضعها وإصلاح العلاقة وإقامة التفاهم بين الجماهير والجيش، فمستقبل باكستان يتوقف على مدى التفاهم بين الشعب والجيش».
يعيد المراقبون الأزمة إلى أحداث كشمير وطريقة معالجة نواز شريف لأزمة كارجيل على غير رغبة الشارع الباكستاني والجيش، لكن العامل الاقتصادي كان الوتر الحساس الذي هز مشاعر الناس وخاصة أن حكومة شريف كانت متجاوبة مع كل إملاءات وشروط صندوق النقد الدولي، وهو ما يفسر الارتياح الشعبي الذي قوبل به الانقلاب العسكري، وخاصة أن المبرر كان قويًّا ولا يوجد مجال لمناقشته، وهو التآمر على المؤسسة العسكرية في بلد الأمن فيه على رأس الأولويات.
وعن طبيعة هذه المؤسسة ودورها السياسي تحدث الجنرال حميد جل مدير الاستخبارات العسكرية السابقة للمجتمع فقال: لو أردنا أن نجري الانتخابات غدًا أو بعد ستة أشهر أو سنة، فإن الأحزاب نفسها ستعود وسيستولي الأشخاص أنفسهم على النظام وهم الذين نهبوا الدولة والبلاد سابقًا، ولذلك تتضح ضرورة وجود فترة زمنية بين ما نحن عليه الآن وإلى أن تتم العودة إلى الديمقراطية.
العالم لم يفهم للأسف كيف عاش الشعب الباكستاني على أيدي السياسيين الفاسدين أو الديمقراطية المزيفة، فلم يكن هناك أي ديمقراطية ولم يحظ الشعب بأي عدالة، فإذا كانت الديمقراطية تعني إرادة الشعب وحكم الشعب، فلماذا يكون الآن الشعب فرحًا رغم أن الحكم سلب منه؟ لكن الحقيقة أن ٩٥% من الشعب الباكستاني لا يريدون أن يمرر شيء تحت شعار الديمقراطية دون ممارسة ديمقراطية حقيقية، ولذلك فأنا أرى أن الشعب قد حصل على فرصة فريدة في هذا التغيير، ونحن معًا نأمل في خلق الديمقراطية الحقيقية ووضع الأشخاص المناسبين في السلطة، فحتى الآن لم يقل الشعب مما يسمى بالديمقراطية سوى الحرمان والإهانة وعدم الإنصاف، ولا أعتقد أننا بحاجة إلى المزيد من مثل هذه الديمقراطية.
بعد أسابيع من الانقلاب العسكري في إسلام آباد لا تزال البلاد تعيش حالة ترقب، ولا يبدو بين القوى السياسية الفاعلة أي تنسيق في الرؤى لمستقبل البلاد السياسي، فالجماعة الإسلامية لا تزال عند موقفها من ضرورة تركيز الحكام العسكريين على أجندة واحدة وهي المحاسبة، إضافة إلى تشكيل حكومة انتقالية تطبق المادتين ٦٢ و٦٣ اللتين تحددان من يحق لهم الترشح في الانتخابات وتستبعد الفاسدين ومن لهم سجل في الإخلال بشرف وظائفهم ومناصبهم العامة، فيما يدعو العديد من الشخصيات السياسية وبعض الأحزاب -ذات الثقل- الحكم العسكري إلى إيجاد غطاء شرعي لحكمه، وهو ما نادى به إعجاز الحق نائب رئيس حزب الرابطة الإسلامية عندما قال إن حزبه لا يتعجل مطالبة الحكام العسكريين بوضع جدول زمني لإعادة الديمقراطية، ولكن نريد أن يعرف الجميع أن البلاد تمر بأزمة اقتصادية، فقد احتاج الحكم العسكري في السابق لمدة ثماني سنوات من أجل ترتيب الأوضاع لعودة الديمقراطية واتخذت خطوات تدريجية لذلك مثل إجراء انتخابات على أساس غير حزبي عام ١٩٨٥م، وهو ما أكد عليه كذلك الجنرال أسلم بيك رئيس أركان الجيش الأسبق بعد اغتيال الرئيس الراحل ضياء الحق والذي دعا القيادة العسكرية إلى إيجاد صيغة دستورية لحكمها اقترح في هذا الإطار ثلاثة خيارات وهي:
1- استصدار قرار من المحكمة الدستورية العليا.
2- إجراء استفتاء عام.
3- موافقة البرلمان بعد إلغاء تعليق جلساته.
أما حزب الشعب «بوتو» وحزب عوامي فقد دعوا في بيان مشترك إلى إعادة العمل بالدستور وإجراء محاسبة غير منحازة أو انتقامية دون الإشارة إلى كيفية إعادة العمل بالدستور أو إقامة حكومة مؤقتة أو إجراء انتخابات، مع العلم أن حزبي الشعب وعوامي جزء من التحالف الديمقراطي الموسع المشكل من تسعة عشر حزبًا، والذي كان هدفه إسقاط حكومة نواز في حين كان التحالف الديمقراطي قد دعا إلى إعطاء مهلة سنتين للحكم العسكري من أجل إنجاز أجندته.
وقد جاء ذلك على لسان المتحدث باسم التحالف مولانا طاهر القادري أحد أقطاب التحالف، كما لزم عدد من أعضاء التحالف الصمت دون تعليق على مقترحات المرحلة الانتقالية، ومن هؤلاء نواب زاده نصر الله خان الذي رفض الإجابة عن سؤالنا: «هل تعتبر مدة السنتين كافية أم زائدة عن الحد لتطبيق الأجندة؟» واستعاض على ذلك بالتأكيد على ضرورة العودة للديمقراطية وإجراء محاسبة غير منحازة دون توضيح معنى العودة للديمقراطية بمعنى إجراء انتخابات أو إعادة العمل بالبرلمان الحالي أو تشكيل حكومة انتقالية تحظى بقبول شعبي.
هذا التباين في الأفكار يبين مدى الفرقة التي تعيشها الساحة السياسية الباكستانية بعد أن كانت متوحدة في الإجماع على جملة واحدة: «رحيل شريف وإنقاذ باكستان»، وتحول الإجماع على الخيار الذي لا بديل عنه حتى الساعة وهو أجندة الجنرال مشرف السبعة.
أجندة مشرف
1- إعادة بناء الثقة الوطنية.
2- تعزيز النظام الفيدرالي وإزالة العوائق بين الأقاليم وإعادة التلاحم والتكامل بينهما.
3- إعادة الاقتصاد الوطني إلى مساره الصحيح وخلق أجواء الثقة للاستثمار.
4- ضمان الأمن الداخلي والعدالة السريعة والنظام والقانون.
5- عدم تسييس مؤسسات الدولة.
6- توزيع السلطات والصلاحيات بين الحكم المركزي والأقاليم وعدم المركزية.
7- ضمان إجراء محاسبة سريعة وشاملة.
ومع عدم وضوح الصورة لدى الأحزاب السياسية، فإن المحللين السياسيين يبدون أكثر تفاؤلًا باعتبار أن أجندة الجنرال مشرف مؤهلة لإعادة المسار الصحيح للنمو والتطور في البلاد وإعادة الاستقرار الاقتصادي واتخاذ خطوات تصحيحية على الأنظمة الانتخابية لإعادة هندسة العملية الديمقراطية، وأثناء ذلك إجراء محاسبة شاملة وغير منحازة قد تطيح بعدد غير قليل من السياسيين، وهو ما أكد عليه المحلل السياسي جاويد صديق عندما اعتبر أن تصرف الجيش باستيلائه على السلطة كان في محله، وأبدى أمله في أن يكون رئيس الوزراء القادم مبرأ من الفساد بعد أن عانت باكستان من عدد متتابع من رؤساء الوزراء الذين كان لهم تاريخ في الفساد الإداري والمالي، ولم يخف فرحه وسروره من الوضع الحالي، كما أبدى تفاؤلًا كبيرًا في مستقبل سياسي أفضل.
أما الشارع الباكستاني الذي أبدى ارتياحًا واسعًا تجاه التغيير فإنه يبدي كذلك فتورًا إزاء التعيينات الجديدة في السلطة التنفيذية، أحد سكان إسلام أباد من المهتمين بالوضع السياسي يقول: لا يوجد شيء واضح حتى الآن، فقد أعلنوا عن أجندة بسبع نقاط، ولكنهم لم يقرروا المستقبل السياسي للبلاد، ولم يتم تحديد أي مدة للانتخابات، في المقابل لم يعلن أي حزب سياسي عن أجندته المستقبلية، ولذلك فإن أحدًا لا يستطيع أن يقول شيئًا بما يتعلق بالمستقبل، ولكنني أعتقد أن حكومة شريف كانت آخر حكومة ديمقراطية، ولا أعتقد أننا سنشاهد ثانية نظام الحزبين في باکستان.
سيدة تعمل في إحدى الشركات الخاصة قالت: إن الوضع الحالي ما زال مربكًا، ولكن دعنا ننتظر لنرى ماذا يحمل لنا الجنرال مشرف؟ إنه يعد بمستقبل واعد على الرغم من أن الأمور رتبت بحالة من العجلة والاضطراب، ولكننا نأمل بمستقبل أفضل لباكستان.
وأيًّا كان السيناريو القادم في باكستان فإن حقيقة لا بد من أخذها في الحسبان أن الأجندة التي قدمها الجيش لإصلاح ما أفسده السياسيون ليست محددة بوقت معين، ويخشى مراقبون من أنها قد تستغرق مدة تماثل مدة الديمقراطية السابقة.. هذا إذا ما قدر لها النجاح .