; قبل أن تصير الهزائم قانونًا طبيعيًّا | مجلة المجتمع

العنوان قبل أن تصير الهزائم قانونًا طبيعيًّا

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 24-نوفمبر-2001

مشاهدات 67

نشر في العدد 1478

نشر في الصفحة 49

السبت 24-نوفمبر-2001

هل يراد للأمة أن تكون هزائمها قانونًا طبيعيًّا لا فكاك منه، وأن تكون إخفاقاتها قدرًا محتومًا لا مناص منه، وهل يراد لها أن تعيش كسيرة الجناح مهيضة الجانب لا ترفع رأسًا أو تعلو ذكرًا، وأن تعيش في تدليس وتيه وتفاسير مضللة وتساق إلى متاهات جديدة، وحوادث أليمة كلما جاءت داهية جرت أختها، أو مرت كارثة نادت مثلها، حتى يبلغ الكتاب أجله، وينتهي المخطط إلى غايته وتطلع شمس الأمة من مغربها.

ولا شك أن أعداء أمتنا في الداخل والخارج قد روعهم اكتشاف الجماهير بعد طول مكث وكبير بحث، وعظيم حيرة، ودوام بغي أن الحل هو الإيمان، وأن الإنقاذ هو الإسلام، لذلك قد سارعوا بما يملكون من وسائل دعاية وأساليب إعلام إلى تضليل الأمة واتهامها بأقذع التهم وأفظع الكوارث، وسرعان ما سقط البعض في الشراك الخبيثة، وانضموا إلى الركب المبير، وأكلوا من الشجرة الملعونة ووقعوا في أحابيل الشيطان فسقطت ورقة التوت وانكشفت السوءات. 

ولكنه وبصرف النظر عن النتائج فإن الحوادث قد كشفت عن الكثير والكثير، من ذلك أن الأمة قد أعلنت عن رأيها واضحًا لا غموض فيه، وأعطت الإشارات تلو الإشارات لتنبه كل من كان له عقل -يفقه به- إلى الطريق، وقد أكدت أن فطرة الجماهير ما زالت سليمة، وأن مؤامرات التشويه والإفساد التي تكالبت عليها قد أظهرت للعيان وأوضحت لكل ذي لب أن الأمة لم تفسد غرائزها أو تشوه فطرتها وما زالت مسلمة مؤمنة صادقة في إسلامها واعية بما يدبر لها، تهفو بقلبها إلى من يستصرخ إسلامها ولمن يعرف أن الطريق الوحيد للخلاص يبدأ بقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

وكم لاقت الأمة من صعاب ومرت بأزمات وتخلصت منها وانتصرت عليها، ولكن بفضل رجال صادقي العزم حسني النيات، ولنضرب مثلاً بنور الدين زنكي الذي تسلم القيادة وهو صغير السن، ولكنه كان مجاهدًا من الطراز الأول، يفهم معنى الجهاد بحسه البعيد العميق الذي يطبع أخلاقية المقاتل وفكره وأعصابه وتكوينه النفسي والجسدي على خوض غمار الصعاب وفك طلاسم الأزمات، لقد كان يذكرنا بنهج المجاهدين الذين بعثهم كتاب الله وقادهم رسوله الكريم، ويومها فتحوا العالم وأسقطوا تيجان الظلم وعروش البغي وغيروا خرائط الأمم ولقد كان هذا التكوين المميز هو العامل الأساسي في استجلاب النصر المبين، لقد كان نور الدين في الحرب بطلاً، وفي السلم بطلاً، وفي الأخلاق والعدل بطلاً، يصفه سبط بن الجوزي فيقول: كان ثابت القدم حسن الرمي، يتقدم أصحابه ويتعرض للشهادة، ويسأل الله أن يحشره من بطون السباع وحواصل الطير، أصيب أخوه «نصر الدين» خلال بانياس عام 560ه بسهم أذهب إحدى عينيه، فلما رآه نور الدين قال له: لو كشف لك من الأجر الذي أعد لك لتمنيت ذهاب الأخرى.

 كان -رضي الله عنه- يملك في حسه وتصوره ووجدانه معنى الشهادة العميق المعنى الذي دفع أجيالاً من المسلمين إلى ميادين الجهاد طلبًا للموت فانتصروا وفتحوا وأسعدوا الدنيا، وكان نور الدين -إذا حضر الحرب- يأخذ قوسين وجعبتين ويباشر القتال بنفسه، وكان يقول: طالما تعرضت للشهادة فلم أرزقها وسمعه يومًا الإمام قطب الدين النيسابوري الفقيه المعروف وهو يقول ذلك، فقال له: لا تخاطر بنفسك وبالإسلام والمسلمين، فإنك عمادهم وإن أصبت لا يبقى من المسلمين أحد إلا أخذه السيف فأجابه یا قطب الدين، ومن محمود حتى يقال له هذا؟ إن من حفظ البلاد والإسلام قبلي ويحفظهما بعدي هو الله الذي لا إله إلا هو!!

رجل يعرف الله ويعيش لأمته ويحرص على الشهادة، وقد حرص غيره على الحياة، يضرب المثل من نفسه في القتال وخوض المعارك أمام جنوده. ماذا ينتظر لأمة فيها أمثال هؤلاء القادة؟ ولهذا كان قواد نور الدين على نفس همته وفي نفس تضحيته وإقدامها، فكان النصر في ركابهم مهما كانت قوة الأعداء عددًا وعدة.

وقبيل معركة البابين في مصر عام 562هـ، بين المسلمين والصليبيين الذين كانوا يفوقون المسلمين عددًا وعدة، يقف رجل من قواد نور الدين يدعى شرف الدين برغش، وكان من الشجاعة بمكان وقد رأی تردد أصحابه عند رؤيتهم لقوة الصليبيين فنادى في الجند: من يخاف القتل والجراح فليقعد في بيته مع النسء؛ فالرجال لا تعرف الوهن أو الخوف وصاحب العزيمة لا يعرف الخور أو الضعف، وما أقل جيوش الأعداء إذا خلصت النيات وصحت العزائم واستقام الطريق، وامتلك المقاتل الإيمان الذي يمكنه من مجابهة المخاوف والأحزان والتفوق عليها، ولم تكن العدة أو العدد في يوم من الأيام هي الحكم الفصل في مصائر المعارك والحروب ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 249).

هذا وعاش نور الدين في وسط أسرة مؤمنة تخاف الله وتعمل لمرضاته، فكانت زوجه تكثر قيام الليل ونامت ذات ليلة عن وردها، فأصبحت غضبى فسألها نور الدين عن أمرها، فذكرت نومها الذي فوّت عليها الورد والذكر، فأمر نور الدين بضرب الطبول في القلعة وقت السحر لتوقظ النائمين لقيام الليل، ووصف المؤرخون زوجه بأنها كانت من أحسن النساء وأعفهن متمسكة بالدين والعروة الوثقى، وكانت لها صدقات وأوقاف كثيرة.

وهكذا جاء النصر المبين وصار قانونًا للمؤمنين الصادقين؛ فهل نرجع إلى أصلنا الأول، وطبيعتنا الأصيلة ورجولتنا العظيمة قبل أن تصير الهزائم عندنا قانونًا طبيعيًّا، وشيئًا جبليًّا نسأل الله ذلك.. أمين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل