; الحركة الإسلامية الإريترية والتحديات الراهنة | مجلة المجتمع

العنوان الحركة الإسلامية الإريترية والتحديات الراهنة

الكاتب باسم القروي

تاريخ النشر السبت 10-مايو-2003

مشاهدات 60

نشر في العدد 1550

نشر في الصفحة 44

السبت 10-مايو-2003

  • الجبهة الشعبية بقيادة أفورقي تتبنى مشروعًا تغريبيًا خالصًا لمحو الهوية الإسلامية

  • «التيجـرانية» فرضت قسرًا لإقصاء اللغة العربية التي أُغلقت معاهدها وسجن معلموها!

  • المهاجرون يمثلون ورقة رابحة للمعارضة لكنهم يعانون مظالم فوق طاقتهم

لا أظن أن مسلمًا في إريتريا يخلو قلبه من الهم الآن، ولا حتى فيما مضى، وذلك لما يعايش من واقع ثقيل بغيض يسعى إلى التخلص منه بكل الوسائل المشروعة، وليكن سؤالنا الآن؛ ما بواعث هذا الهم وما أسبابه؟ 

للإجابة عن هذا السؤال أذكر الصور التالية التي أرى أنها تقع في مقدمة الأسباب الموجبة للهموم:

  1. الحرب المعلنة على الدين:

يقف تنظيم الجبهة الشعبية وراء هذه الحرب، حيث استهدف منذ ميلاده مسلمي إريتريا إغلاقًا لمعاهدهم، وتجنيدًا لبناتهم، وانتهاكا لأعراضهم، وغرسًا لمفاهيم وعقائد مضادة لعقائدهم وأعرافهم بالتشريع غير المدعوم برأي الشعب مرة ومرة أخرى بالتطبيق القسري، لذلك التشريع الذي يساوى النساء بالرجال ميراثًا، ونكاحًا، وطلاقًا، وانفتاحًا! إلى غير المألوف من مساوئ الأخلاق، مما كان له تأثيرات صحية واجتماعية وأخلاقية خطيرة، كانتشار مرض الإيدز، وميلاد طبقة جديدة مخلوطة الأنساب، وظهور علل اجتماعية جديدة تحتاج مواجهتها إلى قدرات كبيرة ووقت طويل. 

بالمقابل فإن ألطف الجماعات الإسلامية دعوة وخطابًا وهي «جماعة أهل الدعوة» «أقرب إلى جماعة التبليغ» لا يسمح لها بدخول البلاد، فكيف يتحقق الحضور الدعوي للإسلاميين الإريتريين في بلادهم؟

إذن فمحاربة الإسلام من البديهيات لدى الجبهة الشعبية حتى قبل أن تتولى مسؤولية الحكم في البلاد، مما كان أساسًا لنشأة حركات المقاومة الإسلامية التي واجهت الجبهة الشعبية منذ وقت مبكر وحتى الآن، غير مبالية بما لدى الجبهة الشعبية من سلاح وأنصار، بل غير مبالية أيضًا بنصائح خبراء عسكريين وفقهاء سياسيين كانت تدعوهم إلى تأجيل مسألة المواجهة مع النظام الإريتري.

ولا تزال محاربة الدين الإسلامي جارية ولا تزال مجاهدات المسلمين قائمة، ولولا لطف الله بمسلمي إريتريا لما بقي من الإسلام باقية، لأن الحرب التي وجهتها الجبهة الشعبية على الإسلام وأهله كانت كبيرة جدًا وعاتية جدًا، حيث أثرت على سلوك طائفة كبيرة من أبناء المسلمين الإريتريين، وخاصة المجندين منهم في صفوف الجيش والعاملين في الحكومة، فقد تشرب بعض هؤلاء عادات سيئة كشرب الخمر أو ممارسة الفاحشة، بل حتى وصل الأمر إلى زواج النصارى من المسلمات!

  1. تغييب اللغة العربية:

فموقع اللغة العربية في إريتريا ومنزلتها لدى مسلميها ليس بخافٍ على أحد، كما أن تاريخ إريتريا فرض بقاء اللغة العربية باتفاق بين المسلمين والنصارى وسودوا ذلك في دستورهم، لكن هذه اللغة ظلت تعاني من حرب شعواء، واشتدت الحرب ضدها بعد سيطرة الجبهة الشعبية على الريف الإريتري، حيث عملت على تهميش اللغة العربية مقابل دعم تنامي اللغة التيجرانية «لغة نصاري إريتريا»، التي أخذت في الانتشار بعد أن كانت محصورة في الهضبة، حتى تحدث بها من لم يكن يعرفها من قبل وعمت القرى والبوادي، وزاحمت اللغة العربية في أوساط الإريتريين حتى في بلاد المهجر، ومعلوم أن اللغة تصطحب معها تقاليد ومعتقدات ونمط حياة يظهر في سلوك المتحدثين بها، وهو ما يبدو في هزيمة بعض الشباب الإريتريين من أبناء المسلمين أمامها، حيث يتكبدون المشقة لتعلمها، لأنهم يشعرون بالنقص عند الجهل بها، فقد أصبحت رمزًا من رموز التعالي والتفاخر على الرغم من أنها لغة محلية مبتورة الحاضر والتاريخ، لكنها اختيرت لتقوى ولتنتشر بأسلوب قسري -ترغيبًا وترهيبًا- وفرض على الناس أن يتعلموها، ليجدوا مكانة مادية ومعنوية لدى الحاكمين، إلى درجة كان يفرض فيها على حملة الشهادات الجامعية من البلاد العربية أن ينتظموا في دورات تعلم التيجرانية بعد عودتهم إلى إريتريا، وكان ذلك شرطًا أساسيًا للتعامل مع النظام. 

في المقابل فإن اللغة العربية حوربت بإغلاق معاهدها، وسجن معلميها، وتهميش دور عارفيها، والحط من شأن الداعين إلى نشرها. 

  1. ممارسات النظام القمعية:

فالنظام الحاكم يقوم على الدكتاتورية، وإهدار حقوق الإنسان، ومصادرة الحريات وإشاعة الرذيلة، وهو ما لا يمكن أن يقبله الشعب الإريتري المسلم بحال من الأحوال، ولهذا يتعاون المسلمون الإريتريون مع قوى التحالف الوطني للتخلص من هذا الهم الثقيل، ومع هذا الجهاد الذي يبذل لمواجهة النظام المستبد، يبذل البعض جهودًا للضغط على المعارضة لإكراهها على الاستسلام للنظام الحاكم، من خلال التلويح بوثائق الأمم المتحدة تارة أو بالتسفير القسري تارة أخرى، وهو ما يمثل لقوى المعارضة الإسلامية -حسب رؤيتها- نوعًا من العقوبة، بما يرتكبه النظام من حماقات سياسية، أو ما بما يرعاه من فساد أخلاقي، أو بما يصدره ويمارسه من إرهاب سياسي وعقدي.

4.  سوء فهم الآخرين:

إن مما يبعث الهم في قلوب المجاهدين الإريتريين سوء فهم الناس لهم، وعجزهم عن إفهام الآخرين وإقناعهم بأن العاملين في الحقل الإسلامي هم سند مأمون لدول الجوار، يرعون الذمم، ويوفون بالعهود والمواثيق، ويسعون لتحقيق العدل وبسطه أمام كل الناس، وأنهم يقدرون المواقف الإيجابية تجاه من أحسن إليهم ويجزون الجميل بالجميل، لكن المشكلة أن سوء الفهم هذا امتد من غير الإسلاميين إلى بعض الاتجاهات الإسلامية، فمثلا هناك تخوف غير مبرر من بعض النصارى من الإسلام المجاهدة، يدفعهم للتعامل مع المسلمين بحذر بل يجعل مواقفهم من النظام غير واضحة ومواقفهم من المعارضة الإسلامية تقع في خانة السلبية، كذلك فإن بعض الإسلاميين يتعاملون مع المعارضة الإسلامية «المجاهدة» بنوع من عدم الثقة يدفعهم للتعامل مع الاتجاهات العلمانية واليسارية أو حتى النصارى، متجاهلين ما يجب عليهم من حقوق تجاه إخوانهم المسلمين دعمًا ومناصرة وتقوية وتبادلًا للثقة، فتقييمات بعض السودانيين -مثلًا- جعلت المعارضة الإسلامية الإريترية في الكفة الضعيفة، ولهذا تجاوزوها -بدلًا من أن يدعموها ويقووها ويرشدوها- إلى دعم النظام في السابق، بل إن تقديرات بعض مسؤوليهم حاليًا توحي بأن رأيهم السابق لم يتغير، ولهذا فإن الحركة الإسلامية في إريتريا تحمل همًا كبيرًا تجاه موقف الآخرين منها، وتتمنى لهم أن يعودوا إلى الصواب بعد إدراك الحقيقة. 

وللأسف الشديد يوجد لدى كثير من الإسلاميين في العالم جهل عميق بالهم الإسلامي الإريتري، رغم تعاطفهم تجاه الإسلام وحبهم لمناصرة إخوانهم المسلمين، فعلى سبيل المثال نرى كثيرًا من محسني العالم العربي يوجه دعمه ومناصرته للجبهة الشعبية، ظنًا منه أنها تمثل المسلمين، وتعمل لصالحهم، ومثل هذا الجهل يوجد لدى بعض القوى السودانية كذلك والتي تضع مساوئ الجبهة الشعبية وأخطائها على أكتاف الشعب الإريتري، فتهدد المهاجرين بإبعادهم عن السودان كلما وجدت غدرًا من حكومة أفورقي، وهو الأمر الذي يقلق الحركة الإسلامية الإريترية، وتحاول أن تقوم بتصحيحه في أذهان المسلمين مع ما تحتاجه من العناية من قبل نظائرها في العالم الإسلامي، ومن المهتمين بالشأن الإريتري في العالم العربي، لأن هذه الحركة تعتبر رصيدًا كبيرًا للمحيط العربي، فهي -وفق قيادته - تجعل من أولياتها أمن المنطقة وحماية خلفية دول الجوار العربي الإسلامي، كما أنه من معتقدات الحركة الإسلامية الوفاء بالعهود واحترام المواثيق، فهي الأجدر بالدعم والثقة العربية والإسلامية. 

5. ظلم المهاجرين:

 منذ أكثر من أربعين عامًا هاجرت الدفعة الأولى من الإريتريين واستقرت في أرض السودان تلتمس الأمان للنفس والعرض.

هؤلاء المهاجرون تشبعوا بما في السودان من تقاليد وعادات، وتأثروا بما فيه من فكر عقدي وسياسي، فأصبحت لغتهم سودانية، وأناشيدهم سودانية، وهمومهم سودانية، يأمنون لأمنه ويفرقون لفرقه، ليس لأن جنسيتهم تغيرت ولا لأن لهجاتهم اندثرت ولا لأنهم تنكروا لوطنهم وقومياتهم، وإنما لأن طول إقامتهم في السودان جعلهم يتأثرون بالبيئة السودانية بصورة كبيرة، إلى درجة يترنم فيها الإريتري من طائفة النصارى بأناشيد ثورة الإنقاذ الإسلامية، فضلًا عن المسلم المتحمس لمناصرة السودان والمؤمل في دعم السودان له، وكلهم يقدر ما يعلم من خير يناله على يد السودان. 

وما معاكسات حكومة أفورقي لعودة المهاجرين إلا خوفًا من أن تؤثر عودة هؤلاء على مشروعها الصليبي داخل إريتريا.

هذا العدد الضخم «ثلث سكان إريتريا تقريبًا» يعتبر مكسبًا كبيرًا للمعارضة الإريترية عامة ومكسبًا كبيرًا للسودان كذلك، لأنه يقف في صف المعارضة ضد حكومة أفورقي، ولكن بعض القوى السودانية الفاعلة يبدو منها تجاه المهاجرين مضايقات يخش أن تؤدي إلى تغيير نظرة بعض المهاجرين -سلبًا- نحو السودان، ولهذا نؤكد -ناصحين- أنه مطلوب من السودان حسن التعامل مع المهاجرين، والانحياز إلى صفهم أمام المحافل الدولية وأمام حكومتهم، لأن المهاجر عندما جاء إلى السودان مختارًا لها على غيرها من دول الجوار لم يخترها إلا ليجد عندها مناصرة وحماية وإكرامًا، ونرى أن تخوف بعض الساسة في السودان من المهاجرين على الأمن الداخلي ليس له ما يبرره، فلو كان بينهم عملاء مدسوسون يعملون لحساب استخبارات حكومة أفورقي، فهذه مسألة لا تتعلق بالمهاجرين عامة وإنما بأشخاص يحتمل وجودهم في أوساط السودانيين أنفسهم، وهو أمر يتطلب من الجهات المسؤولة مواجهته بعيدًا عن مضايقة المهاجرين، كما أننا ننصح بعدم اعتبار المهاجرين ورقة معروضة للربح والخسارة تتحرك باتجاهات مختلفة تبعًا لاختلاف المواقف، ونحن نعلم أن الضغوط التي تمارس عليهم تكون غالبًا من بعض الموظفين التنفيذيين المباشرين، من غير علم وموافقة السلطات المركزية، وهذا يؤدى بدوره إلى خدمة حكومة الجبهة الشعبية، كما يؤدي إلى الإساءة في فهم المهاجرين للموقف السوداني العام الداعم لهم والمحسن إليهم. 

هذه بعض همومنا حاولت أن أبثها لعلها تجد أذنًا صاغية لدى المهتمين بالشأن الإسلامي في إريتريا.

الرابط المختصر :