العنوان في مؤتمر “رسالة المسجد” بحث قيم عن “الرسالة العسكرية للمسجد”
الكاتب اللواء الركن محمود شيت خطاب
تاريخ النشر الثلاثاء 28-أكتوبر-1975
مشاهدات 140
نشر في العدد 272
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 28-أكتوبر-1975
في مؤتمر «رسالة المسجد» بحث قيم عن
«الرسالة العسكرية للمسجد»، فوهبهم النصر. يكفي أن أذكر من القادة المنتصرين: قاضي
القضاة أسد بن الفرات فاتح صقلية، وصلاح الدين الأيوبي الذي استعاد القدس من
الصليبيين، وقطز قاهر التتار، ومحمد الفاتح فاتح القسطنطينية.
إن كل القادة الذين نجحوا في صد المعتدين
أو أضافوا فتحًا جديدًا على الفتوحات الإسلامية، كانوا متدينين إلى أبعد الحدود،
وكانوا أمثلة شخصية لرجالهم في التدين والاستقامة والعمل الصالح.
وخبا نور المسجد بعد تفسخ المسلمين، ولكن
بقي شيء من نوره يشع قليلاً، كالذي يعالج سكرات الموت، حتى غزا أعداء المسلمين
بلاد المسلمين في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحالي، فأجهز الاستعمار على
بقية النور في محاولة طمسه إلى الأبد، ولكن الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا
يعلمون.
التربية الاستعمارية كان هدف الاستعمار القضاء على القرآن
الكريم عقيدة وشريعة ولغة؛ فقد خطط لويس التاسع ملك فرنسا الذي أسره المصريون في
المنصورة وهو أسير، وكان مجمل تخطيطه القضاء على القرآن الكريم عقيدة وتشريعًا
ولغة. وكانت الأسباب الموجبة لتخطيطه: أن المسلمين لا يستعبدون أبدًا ما داموا
متمسكين بهذا القرآن.
وشبت ثورات عارمة في الهند على
الإمبراطورية البريطانية، وكان المؤجج الأول لأوار تلك الثورات هو التمسك بالدين
الحنيف. وضاق غلادستون رئيس وزراء بريطانيا حينذاك ذرعًا، فوقف خطيبًا يكاد يتميز
من الغيظ حسدًا وحقدًا على الإسلام والمسلمين، فقال: «لا يستقر للاستعمار قرار ما
دام هذا القرآن يتلى صباح مساء بين المسلمين، فيجب أن نمزقه لنثبت أقدامنا في
البلاد الإسلامية». ومزق الله الإمبراطورية البريطانية وحفظ الله القرآن الكريم،
وصدق الله العظيم: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ
لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9).
ولكن، هل أخفق الاستعمار في تحقيق أهدافه
كلها؟ الحق إنه لم يخفق كل الإخفاق، بل حقق بعض أهدافه في بذر الشكوك بجدوى القرآن
عقيدة وشريعة ولغة. لقد بذل قصارى جهده في بذر هذه الشكوك تمكينًا للاستعمار في
ديار المسلمين، وتمهيدًا لخلق دولة إسرائيل. وبذلت الصهيونية العالمية قصارى جهدها
دعمًا للاستعمار خدمة لمطامعها التوسعية الاستيطانية وتحقيقًا لحلمها من النيل إلى
الفرات.
في سنة 1897 ميلادية عقد المؤتمر الصهيوني
الأول في مدينة «بازل» بسويسرا تحت رئاسة هرتزل نبي الصهيونية، كما يسميه الصهاينة
ومن لف لفهم، وكان من مقررات هذا المؤتمر: إحياء التوراة عقيدة ولغة. ورصدت
الصهيونية العالمية لتحقيق هذا الهدف ملايين الجنيهات الذهبية كما ذكر هرتزل في
مذكراته، لإحياء الدين اليهودي وغرسه في نفوس اليهود وعقولهم معًا، ولإحياء اللغة
العبرية الميتة.
في هذا الوقت بالذات وبتأثير المال
الصهيوني، ظهرت أصوات ناشزة مريبة في الغرب، تشكك في القرآن لغة وعقيدة وتشريعًا،
ولكن هذه الأصوات قوبلت بالرفض المطلق من الشرق والمسلمين. وفي سنة 1917 الميلادية
صدر وعد بلفور الذي عزز الأطماع الصهيونية وبعث آمالها، فاشتدت عزائم الصهيونية
والاستعمار لتحقيق أهدافها في التشكيك بجدوى القرآن الكريم لغة وعقيدة وتشريعًا.
في هذا الوقت بالذات ظهرت أصوات عربية
ناشزة تدعو إلى العامية تارة، وتدعو إلى كتابة العربية بالأحرف اللاتينية ليصبح
هذا القرآن مهجورًا، ولتصبح اللغة العربية التي تربط العرب من المحيط إلى الخليج
بإخوانهم المسلمين من الخليج إلى المحيط لغة المقابر والكهوف، كما عبر عنها أحد
المربين من العرب المسلمين ومن الغرب غير المسلمين أيضًا مع الأسف الشديد.
وأتساءل والأسى يذيب قلبي: هل كانت صدفة
من الصدف، أن تطرح فكرة بعث التوراة لغة وعقيدة، مع الإهانة للقرآن لغة وعقيدة
وتشريعًا؟
الذين يدعون بأن الصدفة عملت عملها لا بد
أن يكونوا قد ألغوا عقولهم، والذين يصدقون هذا الادعاء لا بد أن يكونوا من المغرر
بهم كل التغرير، أو من الجهلاء كل الجهل، أو من العملاء كل العمالة. إني أتمنى أن
يستيقظ العرب والمسلمون، وحينذاك ستتغير المفاهيم، وإلا فاقرأ السلام على العرب
والمسلمين.
وعاد هؤلاء المستغربون من العرب والمسلمين
لينفثوا سمومهم في المعاهد والجامعات، كل مصادرهم وثقافتهم أجنبية، وكل عملهم
ترجمة أفكار الأجانب من مصادرهم، لأنهم لا أسس ثقافية لديهم من المصادر العربية
الإسلامية، فلا عجب أن يدعي أحدهم: أن الفتح الإسلامي كان لأسباب اقتصادية، وكأن
العرب قبل الإسلام كانوا أغنياء فأصبحوا بعد الإسلام فقراء؛ هكذا تكون الثقافة
وإلا فلا!
لا عجب أن ينهار التعليم في المعاهد
والجامعات، وأن يتنكر أكثر المتخرجين فيها لمبادئ الدين الحنيف، لاعتقادهم بأن هذا
التنكر «تقدمية» وأن التمسك بالدين «رجعية». ولا عجب أن يغمز أكثر المتخرجين
العربية والإسلام بمناسبة وبغير مناسبة. ولا عجب أن يدرس هؤلاء القضايا العربية
والإسلامية بأفكار معادية للعربية والإسلام. إني أطالب بوضع حد حاسم لهذا الانهيار
الذي جعلنا نتقدم إلى الوراء!
التربية العسكرية الاستعمارية لست بحاجة إلى أن أنوه بأهمية العسكريين
ضباطًا وضباط صف وجنودًا ومراتب أخرى، لأن بيدهم القوة الضاربة، وصلاحهم صلاح
للأمة كلها، وفسادهم فساد لبلادهم. لذلك ركز الاستعمار وساعدت الأيدي الخفية من
ماسونية وصهيونية على العسكريين بخاصة، وعملت على تربيتهم تربية فاسدة.
كانت الكليات العسكرية وكليات الأركان
العربية والإسلامية تدرس تاريخ حرب المستعمرين، وتدرس تاريخ القادة الذين استعمروا
بلاد العرب والمسلمين بأسلوب يجعل الطلاب يؤمنون بتفوق المستعمرين وبضرورة
الاقتداء بهم منهاجًا وتصرفًا. وكان الطلاب العسكريون يتخرجون ضباطًا وهم يعرفون
عن «الجنرال مود» و«الجنرال اللنبي» أكثر مما يعرفونه عن الرسول القائد عليه أفضل
الصلاة والسلام وعن خالد بن الوليد، وكان أكثرهم لا يعرفون عن قادة الفتح الإسلامي
شيئًا مذكورًا. ومن المذهل أن نسأل الضابط العربي المسلم عن اسم القائد العربي
المسلم الذي فتح مدينته ونشر فيها العربية لغة والإسلام دينًا، فلا يعرف هذا
الضابط لهذا السؤال جوابًا!
كما يُدرس في الكليات العسكرية وكليات
الأركان الفكر الغربي للسائرين في فلَك الغرب، والفكر الشرقي للسائرين في فلَك
الشرق من الناحيتين التعبوية «التكتيكية» والسوقية «الاستراتيجية»، وقد تكون
الأفكار الشرقية والغربية هذه لا تلائم الطبيعة العربية والإسلامية، وقد تكون على
طرفي نقيض من هذه الطبيعة. أما الفكر العسكري العربي والإسلامي فغائب عن تلك
الكليات.
أما التدريب العسكري فهو تدريب شرقي أو
غربي، ولا دخل للتدريب النابع من فكرنا وطبيعتنا في تدريب الطلاب العرب والمسلمين،
وما يقال عن التنظيم والتسليح يقال عن التدريب العسكري.
كل هذا التعليم والتدريب يدرس بلغة عربية
ركيكة، تشيع فيها المصطلحات الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والتركية، وحتى
الروسية أيضًا، تأكيدًا للاستعمار الفكري البغيض.
ولله الفضل وحده في توحيد المصطلحات
العسكرية للجيوش العربية؛ وذلك بصدور أربعة معجمات عسكرية موحدة: المعجم العسكري
الموحد «إنجليزية - عربية»، والمعجم العسكري الموحد «عربية – إنجليزية»، والمعجم
العسكري الموحد «فرنسية – عربية»، والمعجم العسكري الموحد «عربية – فرنسية».
ولكن أفظع من كل ذلك السلوك اللاأخلاقي
الذي فرضته الاستعمار بكل أشكاله شرقيًا أم غربيًا، قديمًا أم حديثًا. لقد أشاع
هذا الاستعمار أن الدين والعسكرية على طرفي نقيض، وأن المتمسك بدينه متخلف لا يمكن
أن ينجح في مسلكه العسكري، فعليه إما أن يترك دينه، أو يتخلى عن عسكريته، وأن من
صفات العسكري الممتاز أن يكون فاسقًا فاجرًا، يعاقر الخمر، ويلعب القمار، ويصادق
الغيد الحسان.
وقد سألني آمر سريتي في أول لقاء به: هل
تعاقر الخمر؟ هل تلعب القمار؟ هل تغازل الفتيات؟ فلما أجبته بالنفي قال لي: لماذا
تعيش إذن؟ الأفضل أن تموت!
وقد تحمل العسكريون المتدينون -وهم قلة
قليلة- ما تحملوا من عناء ليبقوا في مسلكهم العسكري، وأكثرهم تخلوا عن العسكرية،
أو جرفهم التيار الوسخ، وأقلهم ثبتوا على عقيدتهم بعد جهد جهيد. وكان من يمارس
الصلاة والصوم من العسكريين ويطبق تعاليم الدين الحنيف ثقيل الظل غير مريح.
وكان في كل وحدة من الوحدات مقصف للخمور،
وكان في كل نادٍ للضباط مقصف للخمور، وكانت الحفلات تقام لأتفه الأسباب، وهي حفلات
داعرة خليعة يراق فيها الخمر وتقترف فيها المحرمات.
وقد توليت في يوم من الأيام رئاسة نادي
الضباط في الموصل الحدباء بالانتخاب، فتذمر من رئاستي أكثر الضباط؛ لأن المقصف
أُفرِغ، واشتد ساعد الضباط الذين يؤدون الصلاة. وكان في النادي سجل للاقتراحات،
فكتب أحد الضباط اقتراحًا يقول فيه: أقترح استقدام مقرئ للقرآن الكريم ليقرأ الذكر
الحكيم في النادي؛ لأنه لم يبق فيه ما يسر الضباط!
وجاءنا قائد همام، شعر أن كل شيء في
قيادته كامل وتمام، ولم يبق غير تعلم الرقص، فأصدر أوامره الصارمة الحازمة بتدريب
الضباط على الرقص!
تلك هي لمحات عن السلوك اللاأخلاقي الذي
فرضه الاستعمار على الضباط العرب المسلمين، فهل يستغرب أحد بعد ذلك انتصار مليونين
ونصف المليون من اليهود على مائة وعشرين مليونًا من المسلمين؟
إن الضابط المتدين غريب بين أقرانه بكل ما
في الكلمة من معنى. وكان الضباط حين يجدون ضابطًا لامعًا لا يشق له غبار في
عسكريته، ولكنه متمسك في خلقه ودينه، يتساءلون فيما بينهم: كيف يمكن أن يكون
الضابط لامعًا ومتدينًا؟ كيف استطاع أن يجمع النقيضين؟ أذلك ممكن؟ أذلك يصير؟
ونسأل هؤلاء: هل يحارب الدين العلم؟ هل
يدعو الإسلام إلى الجهل؟ ماذا تعيبون على العقيدة الإسلامية منهجًا للحياة وسبيلاً
للفضيلة والخير؟ لماذا إذن التنكر للدين؟ ولمصلحة من هذا التنكر؟ إن هذا التنكر
لمصلحة الاستعمار وإسرائيل، ما في ذلك أدنى شك!