العنوان معركة الوجود بين القرآن والتلمود- الحلقة الخامسة
الكاتب الدكتور عبد الستار فتح الله سعيد
تاريخ النشر الثلاثاء 29-مايو-1979
مشاهدات 126
نشر في العدد 447
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 29-مايو-1979
- ماذا يعني الانفتاح على اليهود
مفاتيح الشخصية اليهودية:
قدمنا أن القرآن العظيم قد وضع بين أيدي المسلمين تفاصيل كاملة عن اليهود، وأن الأيام قد كشفت لنا عن ذخائر قرآنية تتبدى للناس في حينها، حيث اشتمل النص القرآني على تجاوز نطاق اليهود في الجزيرة العربية وقت نزوله، وتتسع لأبعاد أكبر من معركتهم مع الإسلام أول مرة، لما سبق في علم الله تعالى من عودة اليهود إلى كرة عالمية من الإفساد في الأرض، وأنه لا سبيل إلى إدحاض مؤامراتهم الخسيسة على البشر إلا بقوة مؤمنة موصولة الأسباب بالوحي الإلهي الأعلى، ومستعلية به على كل ما تموج به الأرض من ركام المذاهب والمناهج والأضاليل، ولهذه العصبة المؤمنة المرتقبة أنار القرآن الطريق.
فما هي هذه المفاتيح القرآنية؟
وما هي أسرار النفسية اليهودية المتماثلة عبر الأجيال؟!
أولًا: الاستخفاف المطلق بالعقائد:
يدهش المؤمن غاية الدهشة حينما يقرأ شيئًا من كتب اليهود الدينية (التوراة- الأسفار- التلمود)، إذ يجد فيها تطاولًا خطيرًا على الله تعالى، وملائكته، وكتبه، وقضائه، وقدره، واليوم الآخر.. الخ.
وقد يصل الأمر إلى حد جسيم من البذاءة والفحش لا يجرؤ عليه إلا من انطمست فطرته، وخربت عقيدته!
والقرآن العظيم يفصل لنا هذا الأمر، ويجعله «رأس المفاتيح» في فهم اليهود، وتفسير «عقدة الضلال» والانحرافات التي لازمت أجيالهم جميعًا.
إن نسيج النفسية اليهودية مصبوغ بلون صارخ من الكفر والإلحاد، في كل عقائد الدين الإلهي، مهما توارت هذه النفسية خلف عبارات الخداع والادعاء! لقد رأينا ماذا صنع جيلهم الأول من شناعات في العقائد على حين كان يقودهم أجل أنبيائهم: موسى وهارون عليهما السلام!
وإلى يومنا هذا كانت الصيحة الفاجرة بأن «الله قد مات» من عمل اليهود وتدبيرهم الخسيس!
فماذا يعني الانفتاح على اليهود؟! يعني مزيدًا من الانحلال، والإلحاد، وسوء الاعتقاد! ومن كان في شك فليسمع شهادة القرآن العظيم في اليهود:
1- في الكفر والتطاول على الله سبحانه يقول:
﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ (آل عمران:181)
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (المائدة:64)
وفي وقاحتهم الدائمة مع رسلهم يقول:
﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ (المائدة:70)
﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ (البقرة:87)
ويلاحظ استعمال أداة العموم والتكرار «كلما»، واطراد اليهود على التكذيب أو قتل الرسل عليهم السلام!.
3- وفي استهانتهم بالنار وعذابها يقول:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (آل عمران:24)
4- وفي حقدهم حتى على الملائكة يقول ردا على اليهود حين زعموا أن «جبريل» عدوهم: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (البقرة:97).
5- أما استخفافهم بالوحي والكتب الإلهية فدأبهم الدائم وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى عنهم: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾(البقرة:79).
﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾(آل عمران:78).
أصل الداء:
فإذا أدرنا هذا المفتاح في ظلمات المعضلة اليهودية انحلت لنا على الفور طلاسمها وألغازها، التي تحير الألباب، حيث كان سر انحرافهم الأساسي هو اختلال عقيدتهم، فاختل فيهم -بعدها- كل شيء!
وإذا ظهر السبب بطل العجب من سائر تصرفات اليهود التي بلغوا فيها أن فضلوا وثنية قريش على التوحيد الخالص، بل ودوا أن يعود المؤمنون كفارًا كما كانوا في الجاهلية، وهذا أدنى وأدنأ موقف يقفه أقوام يُفترض فيهم أنهم أهل الكتاب، وحملة التوحيد، وأصحاب الدين.
ولذلك سجل القرآن العظيم عليهم هذه المواقف بعبارات قارعة صارمة فيقول: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ (النساء:51)﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ (النساء:52).
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة:109).
ثانيًا: قسوة القلب إلى حد الهمجية والوحشية:
فقد احترفوا الخطايا والآثام احترافًا، حتى رانت الذنوب على قلوبهم فأظلمت وانطمست، وانهمكت في الضلالات حتى تقحمت في الكفر وتهافتت عليه!
وقد أكثر القرآن في بيان هذا الجانب، وجاء بعبارات وألفاظ غاية في الإيجاز والإعجاز، مما يحتاج إلى تدبر وحسن تأمل قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ (المائدة:13).
﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾(البقرة:88). والقلب «الأغلف» هو المغطى بأغشية بحيث لا يعي ولا يفقه، وهذا أصدق وصف للنفسية اليهودية، وقد ساقه القرآن على لسان اليهود أنفسهم وصفًا لها، وهم أدرى بشعابها!
ويقول تعالى عنهم: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (المائدة:71)
﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (الحديد:16)
﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة:81).
وماذا يتوقع من قوم:
قساة القلوب..؟!
غلف الأفئدة...؟
عمي وصم...؟
تحيط بهم خطاياهم الكالحة..؟!
لذلك كانوا مثلًا فريدًا في الدهر كله على السوء والإثخان في أنبيائهم وصالحيهم، فاستحقوا خذلان الدنيا والآخرة:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (آل عمران:21) ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ (آل عمران:22).
ثالثًا: احتراف التزييف والتحريف والجدل:
فلليهود مقدرة فائقة على تحريف الحقائق، وتزييف الأمور حتى كأنها حرفة حياتهم، أو سجية في تركيبهم الخلقي والنفسي، لا يستشعرون في مزاولاتها ما يستشعره الناس من لوم النفس، وتأنيب الضمير!!
وهذا مدخل بالغ الأهمية لكل من يُبتلى بالتعامل مع اليهود، ومن ثم جلاه القرآن العظيم تحذيرًا للمؤمنين إلى يوم القيامة: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:75).
فهم يحرفون كل شيء حتى «كلام الله» تعالى:
ولم يفعلوا ذلك جاهلين، أو ناسين، وإنما حرفوه عامدين عالمين بخطورة وضراوة ما يفعلون!
﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ (النساء:46).
﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ (المائدة:41).
وقد أمعن اليهود في الافتراء على أئمة أنبيائهم وصالحيهم، بل وعلى الأنبياء قبلهم كنوح، ولوط عليهما السلام، وحتى موسى لم يسلم من ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ (الأحزاب:69).
ويكفي ما نسبوه لداود عليه السلام من الزنا والقتل بغير حق، وإلى سليمان عليه السلام من شناعات القول والفعل، وإلى إسرائيل ذاته (يعقوب عليه السلام) من خداع أبيه، وسرقة النبوة من أخيه... الخ.
وقد تسرب كثير من هذا الهراء إلى ثقافة المسلمين، بل وإلى التفاسير التي غصت بضلالات الإسرائيليات، حين غفل بعض المسلمين عن وصايا القرآن، وأحسنوا الظن ببني إسرائيل!
ومن هذا اللون التحريفي الخطير:
أساليبهم في الغدر، ونقض العهود تحت أفانين من الخداع، والمبررات الكاذبة التي يجيدونها، وتجري منهم مجرى الدم!
حتى اللعبة التي يمثلونها اليوم تحت اسم: «الحمائم» و«الصقور» يشير إليها القرآن العظيم بأسلوب التكرار المطرد:﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (البقرة:100).
والعهد عند اليهود ضرورة مرحلية، يعقد لأجلها، ثم ينقض بانتهائها، وبين العهد والنقض يظل اليهود كالثعلب الجبان يتلفت ويترقب الفرصة، وصدق الله العظيم حين يقول على سبيل الحصر: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ﴾ (الأنفال:56).
وقد ظهر مصداق هذا في كل تصرفاتهم القديمة والمعاصرة على سواء وأقرب مثال لذلك: مسألة «الأراضي» أو «أرض» بالتعريف أو التنكير في القرار رقم 242 الشهير!
ومسألة الخلاف على المستوطنات ولما يجف مداد «كامب ديفيد»! والبقية آتية لا محالة، لمن عقل عن الله وكتابه:﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ (المرسلات:50).
ومن يقرأ «التلمود» يعرف علة هذا، بل يعرف أن هذا الإجرام الخطير هو دين اليهود، الذي جاء في تلمودهم الشيطاني، إذ اعتبر غير اليهود (الجوييم) لا يزيدون عن البهائم والحمير، التي خلقت لخدمة شعب الله المختار (بزعمهم)!
سر قرآني عجيب:
وقد يعجب الإنسان من تسمية أطول سور القرآن وسنامه باسم «البقرة» مع أن في السورة ما هو أهم منها مثل آية الكرسي…إلخ.
والجواب بإيجاز:
أ- أراد الله عز وجل أن ينبه إلى أن اليهود احترفوا اللجاجة والجدل للإسلام، وهناك أعداد من البريطانيين العقيم من قديم، حتى مع أنبائهم كيف بغيرهم؟
ب- أراد الله تعالى تحذير المسلمين منهم في هذا الباب، وحتى لا يكونوا أمثالهم في المماراة واللجاج الباطل، خاصة فيما يتعلق بشريعة الله تعالى.
ولذلك ساق الله تعالى «قصة البقرة» أمثولة على الجدل والتماحك اليهودي، ثم ركز أنظار المؤمنين عليها باختيارها –دون غيرها- لتصبح علمًا على السورة الكريمة، حتى لا تغيب دلالتها عن وعي المؤمنين، والله أعلم بمراده، ولا علم لنا إلا ما علمنا بفضله العظيم.
(يتبع إن شاء الله)