; ندوة الحوار الوطني تبدأ أعمالها في الجزائر: فهل يحال العنف على التقاعد، ويغلق الباب على رياح الصراع؟ | مجلة المجتمع

العنوان ندوة الحوار الوطني تبدأ أعمالها في الجزائر: فهل يحال العنف على التقاعد، ويغلق الباب على رياح الصراع؟

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 25-يناير-1994

مشاهدات 62

نشر في العدد 1085

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 25-يناير-1994

في جو مشحون بالتوتر، ووسط توقعات واحتمالات متشائمة، من المفترض أن تبدأ اليوم أعمال «ندوة الحوار الوطني» التي سهرت على تحضيرها لجنة الحوار منذ أكتوبر 1993م في أجواء نشطت فيها حركة العنف والعنف المضاد، وكانت لجنة الحوار قد وزعت في منتصف شهر ديسمبر 1993م على عدد من الأحزاب والجمعيات المدعوة للمشاركة في الحوار النص التمهيدي لوثيقة الإجماع الوطني التي ستتوج أعمال الندوة، ومن المفيد قبل الاطلاع على نتائج هذه الندوة الرجوع في قراءة سريعة إلى مواقف السلطة والمعارضة من عملية الحوار.

إشراك جبهة الإنقاذ واجب وحق

منذ الإعلان عن إنشاء لجنة الحوار الوطني، وعن أهدافها اهتمت الدوائر الإعلامية والسياسية بموضوع مشاركة جبهة الإنقاذ في عملية الحوار، واعتبرت أن تغييبها أو غيابها يعني الانتهاء بمبادرة الحوار والوفاق الوطني إلى طريق مسدود، وشددت الأحزاب القوية في البلاد «جبهة القوى الاشتراكية- جبهة التحرير الوطني- حماس- النهضة» على ضرورة إشراك جبهة الإنقاذ- صاحبة الشرعية الشعبية- خصوصًا بعد ترحيب ممثليها بالخارج بأي مبادرة من أجل إخراج البلاد من المأزق.

وردًا على هذا الإلحاح وفي منتصف شهر ديسمبر 1993م أصدرت لجنة الحوار النص التمهيدي لوثيقة الإجماع الوطني جاء فيه: «إن أعضاء جبهة الإنقاذ وشخصياتها القيادية لها الحق الكامل في المشاركة في الحوار الوطني على نفس قدم المساواة مع بقية الفعاليات السياسية شريطة ألا يكون هؤلاء المتحاورون متورطين في أعمال الإرهاب أو شاركوا في دعمها أو التشجيع عليها».

وحسب بعض المصادر الموثوقة فإن هذا الموقف الجديد من السلطة جاء نتاجًا للقاءات جادة تمت بين السلطتين وبين ممثلين عن جبهة الإنقاذ توجت بالقبول المبدئي المتبادل بين الطرفين بالحوار واللقاء للخروج من الأزمة والوصول إلى تسوية شاملة، وتحدثت نفس المصادر عن تنازلات قدمها الطرفان لإظهار حسن النية والجدية في الموضوع، غير أن مصادر أخرى تصر على نفي هذه الأخبار وتؤكد أن الطرفين لم يلتقيا وأن كليهما مازال متشددًا في فرض شروطه، وأن جبهة الإنقاذ مازالت أكثر تشددًا في فرض شروطها التي كانت قد أعلنت عنها قيادتها بالخارج.

ومع أن اللقاء بين لجنة الحوار وجبهة الإنقاذ أصبح في حكم المؤكد استنادًا إلى تصريحات الطرفين الرسمية، فإن المراقبين والمحللين مازالوا يتساءلون عن إمكانية مشاركة جبهة الإنقاذ في ندوة الحوار- المتوقع أن تعقد اليوم- وعن حجم التنازلات التي يمكن تقديمها من الطرفين وعن تأثير ذلك على الجماعات الإسلامية المسلحة سياسيًا واجتماعيًا.

وحسب الملاحظين فإن لجنة الحوار أصبحت أكثر إصرارًا على المضي في طريقها بعد أن استبعد الجنرال محمد تواتي -المستشار السياسي لخالد نزار- احتمال تسلم الجيش للسلطة بشكل مباشر، وبعد أن كانت وسائل الإعلام قد توقعت ذلك حالة فشل مساعي المصالحة، وخطاب وزير الدفاع الوطني الذي أكد فيه أن الجيش لن يتدخل لمصلحة أي حزب تأكيد آخر على إصرار السلطة وقادة الجيش بالخصوص على مواصلة مساعي الحوار بين مختلف الفعاليات السياسية وبين السلطة.

وعن العقبات التي تعترض هذا الحوار أكد الشيخ محفوظ نحناح رئيس حركة حماس «للمجتمع» «أن هناك أطرافًا في السلطة والمعارضة تعمل على إفشال الحوار وتريد أن تدفع بالجيش لمواجهة شعبه وأبناء وطنه وتحكم باسمه».

«جبهة التحرير» عباءة السلطة الملائمة

شخصية سياسية جزائرية معتبرة- لم ترد الإفصاح عن اسمها- سألتها «المجتمع» عن حقيقة موقف جبهة التحرير الوطني من عملية الحوار خصوصًا بعد تعليق مشاركتها في الحوار الوطني بعد أن كانت قد دعت إليها، فكانت الإجابة: «إن جبهة التحرير تريد أن تظهر بمظهر حزب المعارضة والحقيقة هي عكس ذلك تمامًا، فهي تمثل رِجلاً بكسر الراء في السلطة ورجلاً في المعارضة، وهي حتى ولو رفضت الذهاب إلى الندوة الوطنية فذلك بإيعاز من جهة في السلطة يهمها إفشال الحوار، ثم إنه حتى إذا غابت جبهة التحرير الوطني عن الندوة فإن أدواتها من التنظيمات «الاتحاد العام للعمال- منظمة المجاهدين- منظمة أبناء الشهداء- منظمة النساء- منظمة الفلاحين» بالإضافة إلى الأحزاب «المفبركة» التي تخدم لصالح جبهة التحرير الوطني، ستؤدي الوظيفة التي تريدها جبهة التحرير، والذي نراه أن جبهة التحرير الوطني بالرغم من أنها عباءة السلطة الملائمة التي تضيق وتتسع، فإنها تبقى عنصرًا أساسيًا في المساهمة في حل الأزمة الجزائرية، وكذلك تستطيع أن تدفع بها نحو الأسوأ».

والجدير بالذكر أن جبهة التحرير الوطني أرجأت الفصل في موضوع المشاركة أو عدمها في ندوة الحوار إلى مكتبها السياسي بعد انعقاد لجنتها المركزية في النصف الأخير من هذا الشهر. ويرى المحللون أن التيار الغالب في جبهة التحرير يميل إلى تفضيل المشاركة في نهاية المطاف خاصة إذا تأكدت مشاركة جبهة الإنقاذ أو جبهة القوى الاشتراكية. ولهذا يمكن اعتبار موقف جبهة التحرير الوطني موقفًا تكتيكيًا لممارسة الضغط على لجنة الحوار والسلطة قبل انعقاد الندوة، والحصول بالتالي على ما يمكن من تنازلات تخدم المصالح الاستراتيجية للحزب.

«جبهة القوى الاشتراكية» المشاركة المشروطة والمقاطعة المتوقعة

جبهة القوى الاشتراكية التي يتزعمها آيت أحمد، حقيقة اجتماعية وسياسية محسوبة على الاتجاه الوطني رغم توجهها «النزعوي»، وهي الحزب الذي اشترط أن يكون الحوار مباشرة بين المعارضة والجيش، ثم أعلنت مقاطعتها لعملية الحوار ونفت إمكانية مشاركتها في الندوة الوطنية للحوار المرتقبة وحكمت بفشلها قبل الموعد رغم أن لجنة الحوار والمجلس الأعلى للدولة قد أعلنا عن إجراءات أمنية وسياسية تتماشى ومطالب جبهة القوى الاشتراكية، وهو الموقف الذي يرى فيه المحللون نوعًا من التكتيك السياسي الذي قد يدفع السلطة إلى المزيد من التنازل. ولهذا ليس من المتوقع أن تشارك جبهة القوى الاشتراكية في ندوة الحوار الوطني في دورتها الأولى على الأقل، لكنه ليس مستبعدًا أن تلين جبهة القوى الاشتراكية من موقفها وتعلن عن اندماجها في عملية الحوار والمصالحة إذا تأكدت مشاركة شريكاتها «جبهة الإنقاذ- وجبهة التحرير».

«حركة حماس» الحوار الخيار الأمثل

ترى حركة المجتمع الإسلامي- حماس- كما أكد زعيمها «للمجتمع»: أن الحوار هو الخيار الأمثل لحل معضلة الجزائر، وعملت فكرًا وممارسة على إيجاد البيئة الملائمة والمساعدة لنجاح الحوار، وكانت قد طالبت بضمانات سابقة للندوة الوطنية تتمثل في إطلاق سراح معتقلي الضمير وإيقاف المحاكم الخاصة وعدم إقصاء القوى الفاعلة والشخصيات الصادقة من المشاركة في إنجاح الحوار، وكانت الحزب الأول والأخير الذي طالب بالمصالحة الوطنية واقترح محاورة المسلحين.

ومع أن قرار المشاركة في الندوة أرجئ إلى ما بعد اجتماع مجلس الشورى الوطني، فإنه من المحتمل جدًا حسب المراقبين ألا تقرر حماس مقاطعة ندوة الحوار الوطني، ولن تلجأ للعبة التأزيم لفرض خياراتها، وترى حركة حماس على لسان رئيسها في اتصال هاتفي «بالمجتمع» أن الحوار وحده، الحوار الصادق والشامل والعميق هو الذي يعري الأيدي الملطخة بدماء الشعب وأموالهم وأعراضهم، وأن هناك أطرافًا تتظاهر برفع شعار الحوار ولكنها تطعنه من الخلف لأنها ترى أن مصالحها تتضرر وأن ضرع البقرة الذي تعودت على شرب لبانه وحدها يشترك معها غيرها فيه، وترى حماس أن اعتقال البرءاء وإرهاق الجماهير بمشاكل «الخبز» تندرج ضمن لعبة إفشال الحوار، فضلاً عن القرارات الاستعجالية مثل قرار التحاق الشباب بالخدمة العسكرية الذي صدر مؤخرًا.

«حركة النهضة الإسلامية» وعدم المساومة على الاختيارات السياسية الكبرى

حركة النهضة الإسلامية التي يتزعمها الشيخ عبدالله جاب الله، حزب إسلامي احتل المرتبة الخامسة في الدور الأول من الانتخابات التشريعية الملغاة «1991م». وشارك في اللقاءات الأولى التي عقدتها لجنة الحوار الوطني وسجل حضورًا دائمًا منذ بداية الحوار.

والظاهر من خلال الندوة الصحفية التي عقدها الشيخ جاب الله قبل أسبوعين، أن حركته متفائلة بنتائج عملية الحوار رغم تسجيلها ملاحظات وتعديلات مبدئية على نص الوثيقة التمهيدية المقدمة من لجنة الحوار كأرضية للمناقشة وخاصة فيما يتعلق بالاختيارات السياسية الكبرى ومشروع المجتمع.

ومعلوم أن هذه الأحزاب الأربعة كانت قد أصدرت بيانًا مشتركًا يوم 4/ 1/ 1994م طالبت فيه السلطة بإجراءات وتدابير أمنية وسياسية لإنجاح الحوار منها:

  • اتخاذ إجراءات لفائدة الأعضاء القياديين للجبهة الإسلامية للإنقاذ بما يسمح لهم بالمشاركة في إنجاح الحوار الوطني.
  • غلق المراكز الأمنية وإطلاق سراح المعتقلين إداريًا والمحكوم عليهم بسبب آرائهم.
  • توقيف تنفيذ أحكام الإعدام.
  • إيقاف العمل بالمحاكم الخاصة تمهيدًا لإلغاء القضاء الاستثنائي.
  • وقف التجاوزات التي تتعرض لها المساجد والمصليات.

«الأرسيدي».. كبير اليوم صغير الغد

«الأرسيدي» كما يصر على تسمية نفسه بالحروف الأولى بالفرنسية، حزب نخبوي نزعوي علماني جاء في المرتبة الأخيرة في الانتخابات التشريعية الملغاة، أعلن زعيمه الدكتور سعيد سعدي في أكثر من مناسبة عن صميم معارضته للإسلاميين على اختلاف توجهاتهم، وعن معارضته لإشراكهم في عملية الحوار الجارية، ولحزبه «وزن نوعي» في السلطة والإعلام حتى اصطلح على تسميته بالابن المدلل للنظام، ورغم معارضته الشديدة لإشراك الإسلاميين في عملية الحوار، فقد سجل حضورًا دائمًا كطرف سياسي في لقاءات لجنة الحوار الوطني لكنه من المتوقع أن يقاطِع ندوة الحوار الوطني خصوصًا إذا أحس بتراجع لجنة الحوار عن بعض القضايا التي أدرجتها في وثيقة المشروع التمهيدي خاصة ما يتعلق بالخطوط السياسية العريضة للدولة الجزائرية ومشروع المجتمع بعد أن سجلت الأحزاب الوطنية والإسلامية تعديلاتها وملاحظاتها المبدئية عليها.

ويرى المحللون أن مقاطعته للندوة لهذه الأسباب ستعريه أكثر أمام الرأي العام وتقلل من حجمه الذي يتمتع به في الأوساط النخبوية وتجعل موقفه حرجًا سياسيًا أمام السلطة والمعارضة.

ويبقى من نافلة القول والجميع يتطلع إلى ما ستسفر عنه نتائج ندوة الحوار الوطني، أن الاتجاه الوطني «جبهة التحرير، وجبهة القوى الاشتراكية» هو حقيقة اجتماعية وسياسية وكذلك الاتجاه الإسلامي «جبهة الإنقاذ، حماس، النهضة» هو حقيقة اجتماعية وسياسية والاعتراف المتبادل بين الاتجاهين وحده هو الحل، فالإقصاء لا يمكن إلا أن يزيد الأمر توترًا وتعقيدًا، والانسداد السياسي المضروب يتطلب من كل القوى الوطنية الصادقة والإسلامية المخلصة أن تفكه خدمة لله وللشعب والوطن، ووفاءً للعهد مع الشهداء والمجاهدين الصادقين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل