العنوان موقف اليهود أمام القوة
الكاتب فضيلة الشيخ/ صلاح أبو اسماعيل
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أبريل-1984
مشاهدات 65
نشر في العدد 666
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 10-أبريل-1984
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين وعلى آله وصحابته أجمعين.
وبعد،
فأرجو أن نضع في اعتبارنا أن الله يرد على بني إسرائيل حين قالوا ﴿وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعدُودَةٗۚ﴾ (البقرة:80) فيقول سبحانه: ﴿ بَلَىٰۚ مَن كَسَبَ سَيِّئَةٗ وَأَحَٰطَتۡ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُم فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ (البقرة:81) ونحن في حديثنا نتتبع بعض المواطن القرآنية لنرى كيف سكبوا السيئات؟ وكيف أحاطت بهم الخطايا؟، وكيف غرقوا فيها، وأصروا عليها، وصاروا بذلك كله أصحاب النار، وصاروا خالدين فيها لا يخرجون منها أبدًا؟.
ولكن بني إسرائيل الذين عتوا عما نهوا عنه، أودع الله فيهم خصائص القردة والخنازير، وذل القردة والخنازير، ونحن نعلم أن القردة يسلس قياده لمن يخيفه وأن الذي يروض القرد يذبح أمام القرد كلبًا، ويضرب أمام القرد كلبًا، فيتألم الكلب ويعوي ثم يفقد حياته بالذبح ويستطيع مروض القرد بهذا التخويف أن يستذل القرد، فالقرد يخاف ولا يعقل، والقرد يسلم قياده للقوي الذي يستذله.. وهذه خصائص لابد أن نعرف أن بني إسرائيل موصومون بها تمامًا، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوۡاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنهُ قُلنَا لَهُم كُونُواْ قِرَدَةً خَٰاسِـِٔينَ...﴾ (الأعراف:166) هل مسخهم الله قردة...؟ أم أن المراد كونوا قردة كقردة خاسئين لأن هذا يمكن أن يكون تشبيها بليغًا... فهم في صورة البشر... ولكن طباعهم طباع القردة لا يمكن أن يحملهم على الاستقامة برهان ولا يمكن أن يلزمهم بالوفاء منطق..
لقد كانوا بالأمس القريب تحت زعامة امرأة اسمها جولدا مائير وحينما كان الرأي العام العالمي ضد الصهاينة... قالت هذه القردة... قد يبدو الرأي العام العالمي ضدنا ولكن الرأي العام العالمي على أية حال ليس مدفعًا مصوبًا إلى صدورنا!! فأقامت الدليل بهذه الكلمة على أنها تخاف ولا تحترم منطقًا.
فما دام الرأي العام العالمي ليس مدفعًا، وليس رصاصة، وليس مدية، فليقل ما شاء له القول وليستنكر ما وسعه الاستنكار!!
لقد حرفوا كلام الله من قبل وهم أقدر على تحريف القرارات... لقد تمردوا على مقام الله من قبل وهم أقدر على التمرد على مقام عباد الله.
إنهم لا يخافون إلا منطق القوة ولا يحترمون إلا لغة القسر والقهر والإرغام... ولهذا فإن الله قال لهم كونوا قردة خاسئين، وحينما يتحول الموقف بين المسلمين وبني إسرائيل إلى موقف المواجهة وإلى موقف التلاحم، وحينما نصحح إيماننا ونصحح بالله صلتنا فإن الله يقول: ﴿لَن يَضُرُّوكُمۡ إِلَّآ أَذٗىۖ وَإِن يُقَٰتِلُوكُمۡ يُوَلُّوكُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ﴾ (آل عمران:111) وهذه أخلاق القردة... هذه طباع الخنازير.. إنهم لا يعرفون معنى العزيمة ولا معنى الإرادة ولا معنى الشرف ولا معنى الوفاء وإنما يعرفون انقضاض الغادر على الحرمات ما داموا يضمنون رقابهم ويضمنون حياتهم فإن خافوا قالوا مقالة أسلافهم ﴿ قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوۡمٗا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَا حَتَّىٰ يَخرُجُواْ مِنۡهَا فَإِن يَخرُجُواْ مِنۡهَا فَإِنَّا دَٰاخِلُونَ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمَا ٱدۡخُلُواْ عَلَيۡهِمُ ٱلۡبَابَ فَإِذَا دَخَلۡتُمُوهُ فَإِنَّكُمۡ غَٰلِبُونَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَآ أَبَدٗا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ﴾ (المائدة:22- 24)، ولذلك وغيره قال الله تعالى: ﴿ وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبۡعَثَنَّ عَلَيۡهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَن يَسُومُهُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ﴾ (الأعراف:167). سوف نستقرئ التاريخ فيما يتعلق بهذا الوعيد الرباني لنعرف كيف أن الله سلط عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب.
ونعود الآن إلى سياق سورة النساء الذي يقول الله فيه: ﴿ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَٰقِهِمۡ وَقُلۡنَا لَهُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُلۡنَا لَهُمۡ لَا تَعۡدُواْ فِي ٱلسَّبۡتِ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ﴾ (النساء:154).
أعتقد أن الجبل شيء كبير حين يرفعه الله فوق الرؤوس ويوهمهم بأن الجبل واقع بهم.. لقد خر موسى صعقا حينما جعل الله الجبل دكًا... لكن هؤلاء لما ظنوا أنه واقع بهم أعلنوا التوبة وتظاهروا بطاعة الله فلما زال الخطر في نظرهم غلبتهم طبيعة القردة والخنازير وهذا هو قول الله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ وَكُفۡرِهِم بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَقَتۡلِهِمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَقَوۡلِهِمۡ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢ بَلۡ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيۡهَا بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗالَّٰكِنِ ٱللَّهُ يَشۡهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيۡكَۖ أَنزَلَهُۥ بِعِلۡمِهِۦۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَشۡهَدُونَۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ﴾ (النساء: 155- 157).
سيئات تتوالى.. الله يجملها في سياق قرآني ويجمعها في آيات خالدات ولنعد إليها متأملين لنعد إليها مع الله سبحانه وتعالى.. ﴿فَبِمَا نَفْضِهِم مِّيثَٰقَهُمْ﴾ (النساء:155) نقضوا ميثاق الله حين ﴿ قَالُواْ يَٰمُوسَى ٱجۡعَل لَّنَآ إِلَٰهٗا كَمَا لَهُمۡ ءَالِهَةٞۚ﴾ (الأعراف:138﴾ ﴿وَكُفۡرِهِم بِـَٔايَٰتِ﴾ حين جحدوا اليد والعصا واتخذوا العجل من دون الله... ﴿ وَقَتْلِهِمُ ٱلأنبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ﴾ فقد ذبحوا يحيى وزكريا عليهما السلام ﴿ وَقَوۡلِهِمۡ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢ﴾ يعني لا نفقه ما تدعوننا إليه يا محمد بن عبد الله ﴿ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ لأنها لما اختاروا الفسوق ولما زاغوا أزاغ الله قلوبهم كما قال تعالى يبين لنا سنته في خلقه ﴿لَمَّا زَاغُوٓاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِي ٱلقَومَ ٱلۡفَٰسِقِينَ﴾ (الصف:5)
ثم يعد الله سيئاتهم فيقول: ﴿وَبِكُفۡرِهِمۡ وَقَوۡلِهِمۡ عَلَىٰ مَرۡيَمَ بُهۡتَٰنًا عَظِيمٗا﴾ إن الله سلح مريم عليها السلام بما ينزهها عن أن ترمي بما لا يليق... لقد تكلم وليدها في المهد صبيًا. وكفى بهذا دليلًا على أنها الطاهرة البتول... ولكنهم قالوا على مرين بهتانًا عظيمًا، ﴿ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ ... هم يعلمون أنه رسول ومذ ذلك زعموا أنهم قتلوه... نعم لا نبرئهم من دم المسيح كما فعلت الكنائس المسيحية لأن قوانين العقوبات تقول أنه إذا ترصد شخص لقتل آخر ووضع الرصاصة في بندقيته وصوبها إليه ليقتله فقتل غيره بدلًا منه... فإنه حقيقة ما قتل من يقصد قتله ولكنه قاتل.. إنه قاتل بالعمد.. قاتل بسبق الإصرار... قاتل بإزهاق روح...
وهؤلاء ما قتلوا المسيح لأن الله نجاه ولأنه رفعه إليه.. ولكن القتل والصلب وقع على شبه المسيح كما قال تعالى: ﴿وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ﴾
ألقى الله شبه المسيح على يهوذا الأسخريوطي زعيم الطائفة التي تطارد المسيح فقتلوه وصلبوه وعذبوه... ولكن المسيح عليه السلام رفعه الله تعالى إليه وجعله بمنأى عن أيدي طالبيه... جعله بعيدًا عن كيدهم فما قتلوا المسيح وما صلبوه وإن كانوا قتلة الأنبياء وقتلة الذين يأمرون بالقسط من الناس وقتلة شبه المسيح عليه السلام.
ثم يقول الله تعالى: ﴿ فَبِظُلۡمٖ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتۡ لَهُمۡ﴾ (النساء:160) ويخص من بين ألوان الظلم أنهم يصدون عن سبيل الله كثيرًا، ويخص كذلك من بين أنواع الظلم أنهم يتعاملون بالربا ﴿وَأَخۡذِهِمُ ٱلرِّبَوٰاْ وَقَدۡ نُهُواْ عَنۡهُ وَأَكۡلِهِمۡ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا﴾ (النساء:161) هذه سيئات موبقات، وكبائر مهلكات استساغوها وألفوها وصار ارتكابهم لها ديدنًا وخلقًا.
في ضوء هذا كله نعود إلى سورة البقرة بعد أن عشنا مع بعض سيئاتهم لنقرأ معًا قول الله تعالى عنهم ﴿ وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَةٗۚ﴾ (البقرة:80) فيرد الله قائلًا: ﴿ قُلۡ أَتَّخَذۡتُمۡ عِندَ ٱللَّهِ عَهۡدٗا فَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ عَهۡدَهُۥٓۖ أَمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ (البقرة:80) ثم يصحح مفاهيمهم الخاطئة فيقول: ﴿بَلَىٰۚ مَن كَسَبَ سَيِّئَةٗ وَأَحَٰطَتۡ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ (البقرة:81) وقد دمغهم الله بأنهم كسبوا السيئات وأحاطت بهم الخطايا فهم إذن ﴿أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ (البقرة:81) فنحن المسلمين إذ نعاديهم نعادي أعداء الله. نعادي من توعدهم الله، نعاديهم ومعنا جند الله... لعنهم الله وأعاننا على تطهير الأرض منهم إن ربنا سميع قريب مجيب الدعوات.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.