العنوان «غزة»...ملحمة الثبات ومنحة النصر
الكاتب محمد السيد
تاريخ النشر السبت 31-يناير-2009
مشاهدات 74
نشر في العدد 1837
نشر في الصفحة 26
السبت 31-يناير-2009
ما بالهم صمتوا، ثم لما نطقوا نطقوا كفرًا؟! ما بالهم يرنون إليك «غزة» بعيون مريبة؟!.. ها هم يحشون بنادق حناجرهم كي يصطادوك، مع أنهم يدعون القربى.. وبغتةً يفقؤون عيون الكلمات، لتظلم الرؤية، وتهاجر القربي، إلى حيث يحط اللؤم والخنا في أحضان العدا، وتنسج عناكب الأمة أثوابًا من ريب تحاول أن تكسو جسد الجيش الغازي المفرغ من كل قيمة، وتهيل عليه هالات الخلاص من العري، ويتحول البعض إلى مماليك متهالكين على الكرسي(!!).. وهنا نشتاق إلى سلطان العلماء.
تهفو أرواحنا لروح «العز بن عبد السلام»، يبيع المماليك المتهافتين، ويحد سيف «قطر» المتحدي في حواري «غزة»، هادرًا بحنجرة من إخلاص، دافعًا الصوت إلى أقصى مدى «وا إسلاماه.. واإسلاماه»..لتجتمع السيوف منتصرة بإذن الله.
يا أبناء قومنا ممانعين وغير ممانعين لقد فقدت الكلمات الناعمة مدلولاتها، لأنها حطت فوق أسماع مغلقة، لا ينبهها حفيف رفيف، وهي اليوم تحتاج إلى غليظ الكلام، وخشن الأصوات، بعد إذ رأيتم أجساد الأطفال تخرج من تحت الأنقاض أو تتمزق أجسادهم بعد أن لامسها نفث الغول المتوحش(16F) وأعينهم لا تزال مفتوحة ترنو إليكم، داعيةً لكم بمستقبل ناعم فوق كراسي الديباج وذلك استدراجًا من الله لكم إلى مزيد من الغفلة، وإلى مزيد من الغي والظلم والطغيان والإهمال، وعندئذ يكون أخذ الله لكم أخذًا أليمًا.
وتوالت أصوات التكالي والأيامي واليتامي، تنادي النخوة، وتنادي الرحم، لكن الأصوات لم تلامس نخوة «معتصم»... هذا هو المشهد الأخير، وقد كان في «غزة هاشم» حيث ترك المكان فريدًا وحيدًا في الميدان، وظل المشاهدون يقولون بدم بارد:«نعقد قمة.. لا نعقد .. نعقد .. لا نعقد» (!!)
وقادت همة الشباب المؤمن المجاهد في غزة مهمة الدفاع عن كل الأمة، فالمعركة هناك لم تكن معركة غزة فحسب؛ بل إنها معركة الفرقان.. وقف فيها المجاهد الفذ، بعزم صارم، ومضاء لا يلين، وعزة لا تضام، يدفع عن الأرض والعرض والكرامة والإيمان كيد«شُذّاذ» الآفاق، الذين لعنهم الله وأذلهم بل ولعنهم أنبياؤهم، لأن جبلتهم احتوت على شيطنة لا يطاولها الشيطان نفسه بكيده وسعة حيلته!.
كما أن المجاهد وقف يدفع هذا الكيد عمن قلاه من الأمة، ورماه بأحداق مريبة، لأنه كان متأكدًا من طموحات بني صهيون ومراميهم، التي تنظر إلى ما وراء غزة شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا، كما أنه كان متأكدًا من أنانية بعض من قومه القريبين والبعيدين الذين أعمتهم عن رؤية ساحة المعركة وأبعادها الشاسعة الخطيرة.. فظنوا(وإن في بعض الظن عدمية وانقراضًا) أن المعركة معركة«الأصولية»، وأن خطر الصهاينة أخف من خطر «الأصولية» على حد تفكيرهم القاصر المشبوه.
لذلك، وانطلاقًا من إجرام جنرالات «التلمود» وحقدهم الأعمى الغبي، ومن قراءة بعض قومنا الخاطئة لأبعاد معركة غزة.. نهض الشباب المؤمن بالأعباء كلها للرد على الفجور الصهيوني، معتمدين على إيمانهم وموعود ربهم بالنصر، ومتسربلين بقوة عقيدة غالية عالية، ومستندين- بعد ذلك كله-إلى روح شعبهم الغزاوي والعربي والإسلامي. وكان الثبات المؤزر، والعطاء المغدق، والفجر الذي راح يبزغ من خلال الزنود المتوضئة والجباه الساجدة.. وكان النصر.. رغم الآلام والابتلاء، وهمجية الآلة الصهيونية العمياء، التي لما أفلست فلم تطل الشباب المجاهد راحت تحصد الأرواح البريئة والجدران الصامدة!
والقول الحق في هذا المشهد الأخير يتضمن أمرين:
أولهما يقول: إن الإرادة الحديدية للمجاهدين المؤمنين لم تلن أبدًا، فكان الثبات والنصر منحتين من الله أهداهما للأمة الإسلامية.
أما ثانيهما فيقول بصوت جهوري: لقد تمايزت الصفوف اليوم، وفرزت المعركة الجمع.. فكان ما يسر الناظرين من اصطفاف الأمة جمعاء إلى جانب الجهاد والمقاومة، وإيمانها بأنهما سبيل خلاص الأمة من الكيان السرطاني الذي ضخ في قلبها، وكان ما يزيد في الفرح أن معظم هبة الأمة كانت شبابيةً يافعة، دافقةً بالعقل والحكمة والفهم العميق لأبعاد المعركة، بأنها لیست معركة غزة فحسب، وليست معركة فلسطين فحسب وليست معركة بلاد العرب فحسب بل هي معركة يحاول فيها جنس غريب عن الإنسانية من وجد على وجه الأرض، أن يسوقها من اصطف معه من مع من قبائل الغرب إلى هاوية عبادة المادة، وصنم الرأسمالية المتوحشة، بعيدًا عن الله (!!)
ومن هنا جاءت تلك الجماهير الحاشدة في أنحاء العالم التي عبر عنها الكثيرون من البشر، فتضمن تعبيرهم فهمًا فذًا لهذا لهذه المعركة، وكان إحراق الحاخام اليهودي البريطاني جواز سفره «الإسرائيلي»، في شوارع العاصمة «لندن» رسالة وصل صداها إلى أرجاء المعمورة، ودق مشهده أسماع الصم، وفتح العيون العمياء المصرة على الرؤية المقلوبة للمشهد !
ولا بد أن يصل المدلول الحقيقي لذلك المشهد الفريد-يومًا ما-إلى بعض بني جلدتنا، فيوقظهم من سباتهم وغفلتهم وغيهم وضلالهم؛ إذ اصطفوا (بقصد أو بغير قصد) مع عدوان المعتدين ومع فكر القاصرين المستسلمين، فراحوا يدفعون بالمبادرات الواحدة تلو الأخرى، متسربلةً بإخراج المعتدي من دائرة الحرج والانكفاء!.
وفي ظل هذه المبادرات، يحاولون إزاحة عمامة البؤس التي التفت حول رأس سلطة فلسطينية فاسدةٍ، مفسدة، متهافتةٍ،ضائعةٍ بين الأرجل متمسكةٍ بأنانياتها وشراكاتها التجارية والسياسية مع عصابات الصهاينة.. ولكن ذلك لن يزيد الغرقى في طين أفقهم الضيق، وأوحال شخصنتهم للقضية كلها إلا غرقًا، إن لم يتداركوا موقفهم، فيعودوا إلى أمتهم التي أجمعت على نبذ صوت التفاوض العبثي والمبادرات الميتة!
إن الذي ضيعناه من أيدينا، وأصبح بيد عدونا، لن تعيده إلا روح:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (الصف:13:10)
. وعندئذٍ.. سيوجد في الأمة مليون«معتصم» !
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل