; نحو قانون أفضل (الحلقة الأخيرة) وقفة مع الدستور | مجلة المجتمع

العنوان نحو قانون أفضل (الحلقة الأخيرة) وقفة مع الدستور

الكاتب صادق عبدالله عبدالماجد

تاريخ النشر الثلاثاء 15-مارس-1977

مشاهدات 95

نشر في العدد 341

نشر في الصفحة 13

الثلاثاء 15-مارس-1977

الفقرة الأخيرة بالمذكرة التفسيرية لنص المادة الثانية من الدستور، جاءت تحمل عجبًا لا ينقضي.. فبعد أن أفرغ واضع الدستور هذه المادة من محتواها الإسلامي، وفتح أمامها كل القنوات الساحبة، وانتحل للمشرع كل الأسباب والمعاذير للخروج على مضمونها عند وضعه لكافة القوانين التي تنظم حياة المواطن في الكويت.. بعد كل ذاك العناء المبذول والعطاء الجزيل من واضع الدستور؛ يعود من جديد ليختم كل ذلك بعبارات لم يقم عليها الدليل، ولم يمنحها من كرم الإفاضة في الشرح والتفسير والتأويل، شيئًا مما ذهب إليه من قبل، فإذا به- في عبارة باردة جامدة خالية من الروح - يقول: «كما يلاحظ بهذا الخصوص أن النص الوارد بالدستور- وقد قرر أن «الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع»- إنما يحمل المشرع أمانة الأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية ما وسعه ذلك، ويدعوه إلى هذا النهج دعوة صريحة واضحة، ومن ثم، لا يمنع النص المذكور من الأخذ، عاجلًا أو آجلًا، بالأحكام الشرعية كاملة، وفي كل الأمور، إذا رأى المشرع ذلك»!! 

كيف؟ كيف يستقيم هذا المفهوم عقلًا ومنطقًا؟! ومن أين للمشرع الكويتي أن يجد الطمأنينة عند وضعه للقوانين، وهو يرى الجهد الذي بذله واضع الدستور ابتداء، لإفراغ النص من محتواه الإسلامي الذي تنفرد فيه الشريعة الإسلامية بالسيادة، ليجعلها مناصفة بينها وبين تشريع الهوى، أو التشريع الذي يصادم الإسلام وجهًا لوجه؟! 

وكيف تقرر المذكرة التفسيرية بأن النص «لا يمنع من الأخذ عاجلًا أو آجلًا، بالأحكام الشرعية كاملة وفي كل الأمور»، في الوقت الذي رفض فيه واضع الدستور أن ينص على أن الشريعة الإسلامية هي «المصدر الرئيسي للتشريع» خشية أن تغلق هذه العبارة الباب في وجه كل قانون يخالف حكمًا شرعيًا؟! 

إن التناقض البيّن الذي اكتنف تفسير المادة الثانية هذه، يكشف عن القصد الحقيقي الذي انصرفت إليه نية واضع الدستور؛ من خلال صياغة وألفاظ وعبارات تفسيره المنحاز. ومن ثم وجب على المشرع الكويتي أن يأخذ هذا التفسير بكل الحذر، وأن ينقيه تمامًا من الشوائب الخفية والبينة، حتى يأتي مطابقًا، لدستور تضعه وتقره هيئة تشريعية نابعة من إرادة شعب مسلم يترقب اليوم الذي يكون هو فيه بين كل الشعوب العربية والإسلامية، الرائد الذي لا يكذب أهله، والذي يضع الشريعة الإسلامية حيث أراد لها الله تعالى أن توضع، حتى يكون أول شعب في تاريخنا المعاصر أخذ بشرع الله منهجًا وقانونًا.. 

ولكم عجبت كثيرًا للموقف المنحاز الذي وقفه واضع هذا النص الدستوري. فهو لا يفتأ يفتح المسارب والقنوات لإضعاف المدلول الشرعي في النص. حتى إذا اطمأن إلى ذلك تمامًا، عاد من جديد ليقرر بأن أمام المشرع إن عاجلًا أو آجلًا الفرصة للأخذ بالشريعة الإسلامية كاملة «إذا رأى ذلك»!! 

وهذه العبارة الأخيرة في ذاتها تحمل إيحاءً قويًا بتغليب جانب الاختيار على جانب الإلزام. ولأن واضع النص مقتنع في قرارة نفسه بأن النص قد فقد عنصر القوة الملزمة، وضع هذه العبارة ذرًا للرماد في العيون، وترك الحرية للمشرع إن شاء أخذ بالشريعة الإسلامية كاملة وإن شاء تركها!! ومن أين للمشرع أن يأخذ بها، وكل السياق الوارد في تفسير المادة يتجه صراحة إلى إبعاده عن التطبيق الكامل للشريعة الإسلامية؟؟ 

وقد استجاب المشرع الكويتي بالفعل لكل ما ورد بشأن تفسير هذه المادة في كل القوانين التي ظلت تحكم الكويت منذ «وضع» الدستور!! سواء كان ذلك في القانون المالي والتجاري والمدني، أم في قوانين الجزاء والإدارة والمرافعات.

والآن وبعد أن ثبت لدينا بالدليل، مدى الآثار والنتائج العكسية السيئة التي ترتبت على وضع المادة الثانية من الدستور بهذه الصياغة التي انتهت بها إلى تجريدها من مفهومها الصحيح، وما ترتب على ذلك من إقصاء كل القوانين عن مسارها الطبيعي، المنبثق من عقيدة هذا الشعب المسلم، الذي تصطرع نحوه كثير من القوى الشريرة للحيلولة بينه وبين انتمائه الصحيح لعقيدته الإسلامية، وما ينبثق عنها من منهج رباني كامل للحياة، فإنه يصبح لزامًا أن تكون هذه المادة الثانية هي أول ما يبدأ بتعديله عند تنقيح الدستور لإعطائها مضمونها ومقصدها الحقيقي السليم، حتى تجيء كل القوانين، مبنيًا على مطابقتها أو الجذور بحقيقتها، وحتى يجئ الحكم بصحة أو بطلان أية مادة في كل القوانين، مبنيًا على مطابقتها أو مخالفتها لهذا النص الأساسي الصريح.. وبغير هذا وحده، فإن كل محاولة تبذل لتنقيح الدستور القائم الآن، إنما هي تبديد للطاقات والجهود، وإضاعة للفرص المواتية، وتمكين المزيد من عدم الثقة والاستقرار.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل