العنوان مواقف ذات عبر « 13 » ليس هكذا تكون التربية
الكاتب د. عمر سليمان الأشقر
تاريخ النشر الثلاثاء 09-أبريل-1974
مشاهدات 137
نشر في العدد 195
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 09-أبريل-1974
أبتاه: انظر، لقد أخذ الطبيب يديَّ، لقد نزعهما، أبتاه : لن أعصيك بعد اليوم، فقل له يعيدهما: فسأكون لك طيعًا، ولأمرك ملبيًا، لماذا تبكي يا أبي؟!
وكيف لا يبكي أبوه بكاء دونه كل بكاء، إنَّ الألم يعصف به، والحزن يمزقه، أنه يرى نتيجة عمله الأحمق ماثلًا أمام عينيه، لقد أفسد على ابنه الشيء الكثير فحرمه من نعمة اليد، كم كان قاسيًا جاهلًا عندما أوثق هذا الولد المسكين الذي لا يملك حولًا ولا طولًا، أوثق كلتا يديه إيثاق المجرمين، لا يرحم بكاءه، ولا يقبل شفاعة أمه فيه، ثم ألقى به سجينًا في حجرة من حجرات المنزل، وبعد وقت ليس بالقصير خفت صوت الغلام وتغيرت نبراته، فلما فتح عليه باب الحجرة وجده متغير اللون مبهور الأنفاس، ووجد يديه لا تكاد أن تتحركان فسارع به إلى المستشفى بعد أن فك رباطه، وصعق لهول النبأ، أن ربط يديه هذه المدة الطويلة أفسد اليدين، ولا سبيل للحفاظ على بقية الجسم إلا ببترهما .
أترثى لمصاب هذا الأب الجاهل، أم تلومه وتوبخه؟!
كثير من الآباء في سبيل تقويم الأبناء يسكلون سبلًا معوجة، تؤدي إلى مصائب وبلايا، نعم قد تؤدي إلى عاهات ظاهرة، وأحيانا إلى عاهات نفسية تلاحق الصغار في يقظتهم، وتفزعهم في منامهم، يقول لك الآباء: إننا نريد الخير في قسوتنا على الأبناء، ونقول لهم قولة ابن مسعود: «وكم من مريد للخير لا يدركه» إنَّ للخير سبلًا تؤدى إليه.
إنَّ العصا تكون طريقًا للتقويم إذا صاحبتها يد حانية، ولسان هاد، وقلب رحيم، العصا أداة تنفع، ولكن إذا وجدت الذي يستخدمها بحكمة ولطف، إننا نريد الضرب غير المبرح، عندما نستنفد كل سبل العلاج.
وكم آلمني يومًا في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم إذ رأيت أبًا في صورة جلاد على مدخل أحد أبواب المسجد النبوي يلسع أبناء له ثلاثة لسعًا يرتفع له عويلهم، فيفتت القلوب، ولقد ذهلت عندما علمت أنَّ هذا الرجل يعلم أبناءه بعض العلم الذي لا يحسنه، ويظن أنَّ العصا ستدخل هذا العلم في قلوبهم، وعقولهم، ولقد كان هذا الأسلوب أسلوب بلاء عانى منه طلبة العلم الشيء الكثير، كما عانى منه الأبناء، وتغيرت النظرة، وبقي قوم يعيشون في العصور الأولى يلطمون الأبناء والتلاميذ لطم غرائب الأبل.
واشتط قوم فأرادوا أن لا يستعمل الضرب حتى عند الحاجة إليه، والحل بين ذلك الضرب لابد منه في التربية، ولكنه ضرب العليم الحاني الرقيق، الذي يعرف ابنه، أو تلميذه بسبب العقوبة، ثم يحنو ويأسو ويعالج آثارها، والسعيد من وعظ بغيره.