; كيف يمكن تصور مستقبل الكويت؟ | مجلة المجتمع

العنوان كيف يمكن تصور مستقبل الكويت؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 24-فبراير-1976

مشاهدات 67

نشر في العدد 288

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 24-فبراير-1976

هذا سؤال ضخم يجاب عنه في دراسات مطولة ومتشعبة وأمينة

• مطولة: لأن مستقبل الكويت يمتد- زمنًا- إلى ما شاء الله أن يمتد. وهذا الطول الزمني لا بد أن يدرج في حساب أي دراسة عن ذلك المستقبل. 

• ومتشعبة تتناول جوانب الحياة المتنوعة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والفكرية والنفسية والصحية، وحجم السكان. ومال الخليج العربي.. إلخ إلخ..

• وأمينة، بمعنى أنها تتجاوز مشاعر القنوط. ومشاعر التفاؤل وتنصب على الحقائق الموضوعية دون أن يتدخل الهوى أو الأمنية الساذجة أو الخرافة أو- ذهنية التهويل والحط من القيمة.

الدراسات- المستقبلية-

وفي السنوات الأخيرة، برزت وتوسعت الدراسات المستقبلية واتخذت من البيئة. والاقتصاد والتقدم التكنلوجي وعلوم الإنسان، مجالًا رحبًا لها. 

• في التقديرات البعيدة، سيحدث- كما تقول تلك الدراسات- تحول قاري حيث تزحف المياه على اليابسة فتغمرها فإذا هي بحار أو خلجان ويصبح- من ثم- المكان الذي غادرته المياه. يابسة… وهكذا 

• وفي التقديرات القريبة. تقسم تلك الدراسات المستقبل إلى مراحل زمنية يجري فوق مسافاتها إحصاء لكل ما يمكن إحصاؤه. وفي ضوء ذلك يقاس التقدم الاقتصادي وتطور الجريمة. والعلاقات السياسية، والحالة النفسية للإنسان وأثر الثورة الصناعية الثانية- التوجيه الآلي الذاتي- عليها. 

ومن الخبراء من يسرف في «الفرضيات» فيبنى نظريات كاملة على توقعات بيننا وبينها مائة عام أو يزيد. وهذا إسراف يفتح أوسع الأبواب للتخمين الخطر. أعقلهم يرمي بصره إلى فترة قريبة- خمس أو ربع قرن- ويعكف على دراسة التوقعات ويخرج باستنتاج قريب من الصواب.

على أن الأمر- من قبل ومن بعد- الله سبحانه:

﴿۞ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (الأنعام:59).

أظهر ما يكون تقدم الدراسات المستقبلية في أمريكا؛ فهل معنى ذلك أن الأمريكان أحاطوا بكل التوقعات التي يمكن أن تربك وتنسخ كل تخطيط. وكل دراسة. وتفرغ أي توقع من محتواه ومعناه.

لا.. طبعًا. 

فهناك- مثلًا- احتمال ظهور «نازي» جديد في أمريكا. قد تكون دوافعه سيطرة اليهود على مقاليد أمور أمريكا. أو التفاوت الطبقي المروع. أو موجة الفساد التي طوت القاعدة والقمة، وقد تكون وسائله قنابل ذرية- خاصة- يهدد أو ينسف بها مراكز القرار والسلطة ومؤسسات السيطرة والتأثير. 

وفي لحظة.. تخيب كل توقعات الدراسات المستقبلية عن الاستقرار والازدهار. 

وكون هذا لم يقع من قبل. فليس معنى ذلك أنه لن يقع في المستقبل. وثمة احتمالات شتى مختلفة في جميع العالم.

المهم.. ونحن نتحدث عن أيام أو سنوات قادمة لا ينبغي أن نعطي «العلم البشري». مكانة أكبر من حدوده وطاقته. ونتحدث عن المستقبل وكأن كل شيء يجري في هذا العالم. لا يخرج عن إرادة البشر وتخطيطهم.

إن هذا الموقف أو الاتجاه يتناقض مع عقيدة التوحيد. والتصور الإسلامي الذي يتيح للإنسان الأخذ بكافة الأسباب المشروعة. وفي نفس الوقت يربط هذه الأسباب بمشيئة الله المطلقة.

 

رؤية من خلال الواقع

مستقبل الكويت 

إما أن يكون امتدادًا للواقع الراهن. تنمو السلبيات والإيجابيات ويبقى كل شيء على ما هو عليه. ولكن في حجم أكبر. وإما أن يكون أسوأ من الواقع في الإنتاج والعلائق. والاهتمامات. والقيم والسلوك. والأهداف. والوضع الاجتماعي والسياسي بوجه عام. 

وليس من أحد- في روحه ذرة من طموح- يقنع أو يرضى بالاحتمالين الأولين- الجمود على الواقع الحالي. أو التطور إلى أسوأ- 

ولكن ما الذي يرجح احتمالًا على احتمال أو يجعل احتمال التطور إلى أفضل أقرب إلى التحقيق والتطبيق؟

•إرادة التغيير. والتصميم الحاسم على التغيير فقد ربط القرآن الكريم التغيير- من جهة مباشرة الأسباب المادية- بالجهد البشري. نية وعزمًا وفعلًا: 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد:11). 

•خطة التغيير.. فلا يكفي مجرد النزوع إلى التغيير. بل لا بد من وضع خطة شاملة للتغيير في مختلف مجالات الحياة.

أفكار للمستقبل

مضى القول: إن تصور المستقبل يحتاج إلى دراسات مكثفة ومفصلة تستوعب الحياة الكويتية كلها.

وتمهيدًا لأي دراسة. تطـــــــرح- بطبيعة الحال- أفكار تحدد التصورات العامة أو الإطار الإجمالي. أو الرؤية الممكنة.

هذه الكلمات مساهمة في طرح أفكار أمام التخطيط للمستقبل.

الوضع الاجتماعي

التركيب الاجتماعي لأي بلد مرتبط بقيمه ومعتقداته.

ومن ثم تشكل هذه القيم والمعتقدات مقياسًا. يقاس به تطوره وتقدمه. 

إننا نتصور أن تكون الروابط الاجتماعية. والخدمات الاجتماعية والعلاقات الإنتاجية. أفضل مما هي عليه الآن، لو وضعت خطة لتحقيق مجموعة إنجازات.. منها:

• تدعيم مكانة الأسرة وتعزيز دورها في المجتمع. بتحسين مستوى العلاقة بين الزوجين في ضوء القاعدة القرآنية: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (الروم:21)

وتحسين مستوى العلاقة بين الأبناء والآباء. وتحسين مستوى التربية والتوجيه فيها.

ولبلوغ هذا المستوى ينبغي- بداهة - إخماد نيران الحرب الأهلية بين المرأة والرجل وهي حرب منقولة إلينا من بيئات أخرى تختلف عنا في التصور والبواعث ونمط العلاقات الاجتماعية- 

وينبغي حماية الأسرة من عوامل الهدم والتفتيت التي تفد إلينا عبر الأفلام والتمثيليات والمسرحيات. والقدوات السيئة. 

• تحقيق خطوات أكبر. وأكثر تقدمًا في مجال تقديم الخدمات الاجتماعية. بأنواعها المختلفة. فالدولة الناجحة إنما هي دولة خدمات. توفرها للناس. وتجعل إمكانات الحصول عليها كإمكان استنشاق الهواء.

خدمات صحية. وتعليمية. وإعلامية إلخ. 

• دفع علاقات الإنتاج في طريق أكثر أمنًا وأكثر إبداعًا. وهذا يقضي بإقامة توازن حقيقي وعادل في علاقات الإنتاج. 

ففي مجال الصناعة أو التجارة. تقدم السلعة بطريقة لا يضام فيها المستهلك.

ولا المنتج المحلي ولا التاجر.

ومع تعقد العلاقات وضعف الضوابط نتصور مستقبلًا- إذا كنا نريد التوجه إلى وضع أفضل- تدخل الدولة- بثبات- كطرف في السوق بين الأطراف الأخرى.

بالنسبة للسلع الضرورية. تستورد الدولة هذه السلع وتطرحها في السوق بنفس الأسعار التي اشترتها بها من مصادرها، وهذا الحل أفضل وأثبت بكثير من الحلول الأخرى المطروحة حاليًا.

ونتصور- بمقياس التوجه إلى الأفضل- تغيير علاقات الإنتاج- إلى أحسن- بين الدولة وموظفيها وعمالها. من جانب وبين موظفي وعمال القطاع الخاص. وأصحاب العمل من جانب آخر. 

في الأجور والخدمات الإضافية. والمعاملة الأدبية. والضمان الاجتماعي. وتوفير حوافز أكبر تدفع الناس ليس إلى زيادة الإنتاج فحسب، وإنما إلى الإبداع في الإنتاج. 

• أن تتحد الجمعيات والنوادي الاجتماعية في الهدف. وفي نفس الوقت تنوع أساليبها وبرامجها في الوصول إلى الهدف المشترك.

ونتصور أن يكون الهدف المشترك- بحكم المعيار المتفق عليه في الانتقال إلى أفضل هو إسناد الإنسان بتوثيق علاقته بالله. إيمانًا وحبًّا، عبادة وعملًا صالحًا. إخلاصًا وسموًّا متواصلًا. 

 • توفير الأمن الخلقي والنفسي للناس. عبر تربية عميقة. لغرس الوداعة والتهذيب في نفوس أناس. فلا يميلون إلى الجريمة ولا يفكرون في اقترافها. وعبر قوانين صارمة تجعل من به ميل إلى الانحراف يفكر مليون مرة في العقاب المرعب. ويعرض على اقتراب ما يؤدي إلى ساحة القصاص.

الوضع الاقتصادي

يعتمد الاقتصاد الكويتي على مورد النفط في الدرجة الأولى. 

وسوف يستمر هذا الاعتماد في المستقبل لثلاثة أسباب.

1- أن عمر النفط الباقي يقدر بأكثر من نصف قرن- وفق التقديرات العلمية للمخزون.. وللإنتاج النفطي. 

٢- أن حاجة العالم لهذه الطاقة ستستمر في المستقبل المرئي. نظرًا- لفقدان البديل المماثل- وفرة وتكلفة- أو لأن هذا البديل يستغرق وقتًا طويلًا حتى يأخذ مكانة النفط.

والكلام الكثير الذي أطلق للتشكيك في- قيمة- هذه الطاقة. يرد معظمه إلى حملة سياسية تريد إسقاط وزن النفط كسلعة إستراتيجية واقتصادية وسياسية

3- أن الكويت ذاته. لم يوفر بعد مصدرًا بديلًا يقوم مقام النفط في تمويل المشروعات الإنتاجية. ومشروعات الخدمات.

وبما أننا نتحدث عن مستقبل أفضل ينبغي أن تتغير النظرة التقليدية لهذا الموضوع. ويتبع تغيير النظرة- طبعًا- خطوات كبيرة- ولكن متدرجة- التخلي عن الاعتماد الكلي على النفط. ويتم هذا التخلي بواسطة إيجاد بدائل ممكنة ومجزية أيضًا.

وبالنسبة للبدائل. لا يوجد أفضل من خطة تصنيع طموحة تكفي السوق المحلي وتغطيه. وفي نفس الوقت تتدفق فوائضها إلى الخارج بكميات تجارية عظيمة. 

وقبل فوات الأوان يمكن الإفادة من عائدات النفط في تصميم هذه الخطة التصنيعية الطموحة.

إن السؤال الدائم الإلحاح هو: 

ماذا سيفعل الكويت بعد نضوب النفط؟ 

• أن يتحول إلى بلد زراعي. وهذا احتمال غير ممكن.

• أن يعود إلى عهد صيد اللآلئ والإبحار المستمر وراء لقمة العيش. وهذا أيضًا احتمال غير ممكن.

• أن يتحول بصفة نهائية إلى وسيط بين المنتج والمستهلك نعني أن يصير سوقًا تجارية. معبرًا وتوزيعًا. 

ومع تقديرنا لأهمية التجارة لا يستطيع أي وطن أن يعتمد عليها وحدها. 

• أن يهاجر الكويتيون إلى الخارج في نزوح وطني جماعي بعد مرحلة نضوب النفط.

وهذا ما لا يقول به عاقل رشيد. 

وباستبعاد هذه الاحتمالات. ينتصب احتمال- التصنيع- كضرورة لا يمكن

تجاهلها. أو تجاوزها. 

وترد تحفظات ثلاثة. على خطة التصنيع الطموحة. تحفظات يتضمن ظاهرها بعض الوجاهة. ولكن عن التعمق تتلاشى هذه الوجاهة البغيضة. 

• يقولون: إن التصنيع الواسع يحتاج إلى- عمالة- هائلة أو إلى أيادي عاملة مكثفة. فكيف يستطيع الكويت بحجم سكانه القليل نسبيًّا أن يوفر هذه العمالة. 

• والرد هو: أن خطة التصنيع التي ننادي بها ليس في تصورنا أن تبدأ من حيث بدأت الحركة الصناعية في أوروبا فهذه البداية تحتاج إلى حشود من العمال لا يستطيع الكويت استيعابها.

في تصورنا أن يبدأ التصنيع من حيث انتهى الآخرون. 

إن التقدم التكنولوجي. وثورة الإلكترونات اختصرت كثيرًا جدًّا أعداد العمال. والأيدي العاملة. 

وبعدد قليل من العمال المهرة تدار مصانع ضخمة جدًّا وتقذف إلى الأسواق بسلع وغيرة كما. جيدة كيفًا.

بيد أن توفير هؤلاء الفنيين المهرة يقضي تغييرًا شاملًا وجذريًّا في مناهج التعليم من أول السلم إلى نهاية القمة. ينبغي التخلص نهائيًّا من التقاليد التي تعتبر العلم- زينة- اجتماعية ومكانة وجاهية.

إن مستقبل الكويت يتطلب مجموعات ممتازة من الفنيين المهرة. لا إلى جيوش من الخريجين غير المنتجين. ونحن نعلم أن الوثبة الصناعية الكبرى في اليابان اندفعت إلى الإنجاز الصناعي الضخم بعد التغيير الجذري الذي حدث في مناهج التعليم اليابانية عام ۱۹۱۷.

أما حجة قلة المواد الخام في الكويت. فإنها حجة ضعيفة لأن اليابان لا تملك مواد خام. ولا تملك نفطًا. وإنما استورد كل ذلك وأضافت إليه الخبرة الفنية. وكان حاصل الجمع. نهضة صناعية ملحوظة. 

• ويقولون: إن التصنيع- بطبيعة علاقاته- ينشئ مشكلات حادة. أبرزها مشكلات العمال والنقابات العمالية.

• والرد هو: أن مكاسب حركة التصنيع أكبر ملايين المرات من أضرار أو سلبيات النقابات العمالية. هذه واحدة

والثانية: أن التنظيم المبكر لعلاقات الإنتاج. يقلل إلى أقصى حد ممكن من مشكلات العمال.

والثالثة: أن التربية الدينية التي ينبغي أن يزود بها الفنيون المهرة في مدارسهم ومعاهدهم. تحميهم- عقيدة ووعيًا- من شباك الاستغلال السياسي. سواء كان يساريًّا أو يمينيًّا.

• ويقولون: إن التصنيع المحلي يحتاج- ولوقت طويل- إلى حماية الدولة بمعنى أن تحميه وتعطيه الأولوية على السلع المستوردة. وفي هذا ما يغضب عددًا من التجار.

• والرد هو: أن القناعة بالتصنيع أقوى من هذه الاعتبارات جميعًا. ثم إن على الدولة أن توفر هذه الحماية للصناعيين المحليين بل عليها أن تغري أصحاب الأموال بتحويل أموالهم من التجارة إلى الصناعة. وتمنحهم على ذلك المكافآت المجزية.

وفي كل بلد حدث هذا. ووفرت الدولة الحماية الكافية للإنتاج المحلي. 

إن تحمل الضرر الخاص في سبيل دفع الضرر العام قاعدة شرعية أصولية تنسحب على موضوعنا هذا.

بقية البحث في العدد القادم

الرابط المختصر :