العنوان المجتمع الأسري (العدد 1822)
الكاتب أسماء سلام
تاريخ النشر السبت 11-أكتوبر-2008
مشاهدات 69
نشر في العدد 1822
نشر في الصفحة 54
السبت 11-أكتوبر-2008
حلول إيمانية للمشكلات الزوجية
الصبر والدعاء والمصارحة وأداء الحقوق بإحسان .. من أهم الحلول
حياة الزوجين سفينة مبحرة في بحر الحياة تزداد الرياح تارة، وتعصف الأمواج بالسفينة تارة أخرى، وبقيادة حكيمة تستمر السفينة في الإبحار، ولولا الرياح والأمواج لما تحرك ماء البحر وأصبح طاهرًا لجريان الماء فيه، ولظل راكدًا لا حياة فيه.
وفي شدة الرياح وعلو الأمواج يزداد التضرع لله سبحانه وتعالى، ورُبَّ ضارة نافعة، فالمشكلات الزوجية تظهر الزوجين أمام بعضهما بعضًا، وفي المشكلات يظهر الصبر والعطاء والرحمة والتواضع وينمو الحب، أي أن لها فوائد لكنها تبقى مشكلات.
واختفاء المشكلات الزوجية ليس مقياسًا للسعادة الزوجية، إنما المقدرة على حل المشكلات هو مفتاح السعادة ومقياسها فلكل داء دواء، وهناك عدة طرق إيمانية لحل المشكلات الزوجية، منها:
1- التعاون على زيادة الإيمان
﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ * أَعۡمَىٰ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرۡتَنِيٓ أَعۡمَىٰ وَقَدۡ كُنتُ بَصِيرٗا * قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتۡكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَاۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمَ تُنسَىٰ﴾ (طه:124-125-126).
الدنيا والآخرة كلاهما من اهتمامات المسلم، فبحياته يبلغ مناه في أخراه، وطيب الحياة في الدنيا وهناؤها في الآخرة مطلب لا يتأتى إلا بالإيمان.
وعادة ما تنتج المشكلات الأسرية عن خلل في الإيمان الأسري وليس الإيمان الفردي، فما ينفع كثرة الصلاة والصيام للفرد العابس في وجه الزوج أو الزوجة غير المكترث بالآخر في جميع الأحوال.
2- الصبر ...
﴿.....وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ * ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ﴾ (البقرة: 155-156).
الصبر أحد مفاتيح الأبواب المغلقة بين الزوجين، فبالصبر يمكن للزوجين أن يبلغا طيب الحياة، وقد بين الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز السبيل إلى طيب الحياة بالاستعانة بالله ثم الصبر ﴿وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ﴾ (البقرة:45).
ولما كان كمال الصفات لم يؤت لبشر إلا رسول الله ﷺ فمن الطبيعي أن يكون في أحد الزوجين بعض الأمور الصغيرة القابلة للتغيير، وقد أوضحت الآية الكريمة الطريقة المثلى في التغيير: أمر ثم صبر:
﴿وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَيۡهَاۖ لَا نَسۡـَٔلُكَ رِزۡقٗاۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكَۗ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلتَّقۡوَىٰ﴾ (طه:132).
ويؤكد معنى الصبر في الأسرة قول الرسول ﷺ: «أيما رجل صبر على سوء خلق امرأته أعطاه الله من الأجر مثل ما أعطى أيوب عليه السلام على بلائه، وأيما امرأة صبرت على سوء خلق زوجها أعطاها الله من الأجر مثل ما أعطى آسية بنت مزاحم امرأة فرعون…»
أداء الحقوق بإحسان
﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ وَأَحۡسِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ (البقرة:195 )
يقول الشيخ د. محمد بن عبد الغفار الشريف: »كل من الزوجين مطالب بإحسان العشرة على معنى أن يسعى كل منهما إلى ما يرضي الآخر، من حسن المخاطبة واحترام الرأي، والتسامح والتعاون على الخير، ودفع الأذى، والبعد عما يجلب الشقاق والنزاع لقوله تعالى: ﴿....وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِن كَرِهۡتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَيَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيۡرٗا كَثِيرٗا﴾ (النساء19:)، وقوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيۡهِنَّ دَرَجَةٞۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾) البقرة(228:
وقيل: المعروف الإحسان، وقيل أيضًا: إن المعروف الخير كله.
وقال المناوي في «فيض القدير» عن معاملة الرجال لنسائهن: «أما الأخيار فيرون اللائق سلوك سبيل العفو والحلم والصبر عليهن وملاينتهن بالتي هي أحسن واستجلاب خواطرهن بالإحسان بقدر الإمكان»(1)
ولا تستطيع أسرة أن تنجح فقط بالحقوق والواجبات، فأين السكن والبر؟ والحقوق المطلوبة في سن الشباب تختلف عن سن الشيخوخة، فبالواجبات والحقوق تستطيع أن تستمر الأسرة، ولكن ليس بالضرورة أن تكون أسرة ناجحة فالعلاقة بين الزوجة والزوج ليست علاقة حق وواجب، بل فضل وعدل وإحسان.
4- العمل الصالح
﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ (النحل:97).
قال ابن كثير -يرحمه الله- في تفسير هذه الآية العظيمة: «هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحا وهو العمل المتابع لكتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ من ذكر أو أنثى من بني آدم وقلبه مؤمن بالله ورسوله وإن هذا العمل المأمور به مشروع من عند الله بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا وأن يجزيه بأحسن ما عمله في الدار الآخرة والحياة الطيبة تشتمل وجوه الراحة من أي جهة كانت.
فلماذا لا يضيء الزوجان شموع العمل الصالح في بيتهما ليعيشا حياة طيبة.
5- الدعاء
﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (الفرقان:74).. عباد الرحمن يكفيهم شرفا وعزا أنهم عباد لله، ويزيدهم فخرًا أنينعتهم الله في كتابه ممتدحا صفاتهم في آخر سورة الفرقان.
وكانت أسرة عباد الرحمن من أهم اهتماماتهم فهم يحبون الحياة الأسرية، بل ويجعلونها نصب أعينهم في دعائهم.
ويقول صاحب «التبيان في تفسير علوم القرآن»« ووصف المؤمنين بأنهم يدعون: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ﴾: ومعناه أن نراهم مطيعين لله، في قول الحسن. و﴿قُرَّةَ أَعۡيُنٖ﴾ يكون من القر، وهو بردها عند السرور، ويكون من استقرارها عنده.
وقوله: ﴿وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾: أي يسألون الله تعالى أن يجعلهم ممن يقتدى بأفعالهم الطاعات كما روي عن ابن عباس والحسن، وعكرمة، ومجاهد، فإن المؤمن الصادق إذا رأى أهله قد شاركوه في الطاعة قرت بهم عينه وسر قلبه وتوقع نفعهم له في الدنيا حيًا وميتًا ولحوقهم به في الأخرى.
6- المصارحة والشفافية بين الزوجين
المعايشة لأيام وليال وسنوات كيف تستمر بلا شفافية ومصارحة بين الزوجين وكيف يخفي الزوج عن زوجته وتخفي هي عنه الكثير؟! ولعل من أهم ملامح الحب التي تظهر على الزوجين المتحابين أن يعرف كلا الزوجين بما يفكر الآخر وكأنه كتاب مفتوح، بل ويلبي له ما يريد دون البوح به وبلوتستمر الشفافية بالزوجين بأن يشعر كلاهما بالآخر عن بعد بالحاسة التي ملئت بالحب.
7- الصداقة والتحاب بين الزوجين
الحياة الزوجية قائمة بزوجين هما شمس الحياة وقمرها فلا تستطيع الكرة الأرضية الاستغناء عن أي منهما، فلم لا يتصاحب الزوجان من أجل تزيين الحياة؟
ويقول د. عبد الله محمد الفوزان عن الصداقة بين الزوجين «الزوجان الناجحان يطوران صداقة حميمة في علاقتهما الزوجية، بحيث يحب كل منهما الآخر ويريحه ويقضي وقت الفراغ معه. وهذه الصداقة يمكنها أن تستمر حتى في ظل ضعف وقصور الجوانب الأخرى كالعلاقة الجنسية مثلًا. فالصداقة والحب هما الأساس في صلاح العلاقة الزوجية المتصدعة».
8- المشاركة في الأحلام والطموحات
ما أجمل النجاح والفرحة به، وما أسعد أسرة هي صانعة نجاح أفرادها!
ففي بعض الأحيان تكون الفردية وعدم مشاركة الزوج أو الزوجة أحد أسباب الخلاف بينهما.. والقرآن الكريم يعلم الزوجين التشاور فيما بينهما، حتى لو كان في فصال الأطفال وهذا الأمر قد لا يهتم به كثير من الأزواج إلا نه ادعي للمشاركة والتعاون.
﴿وَٱلۡوَٰلِدَٰتُ يُرۡضِعۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ حَوۡلَيۡنِ كَامِلَيۡنِۖ لِمَنۡ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَۚ وَعَلَى ٱلۡمَوۡلُودِ لَهُۥ رِزۡقُهُنَّ وَكِسۡوَتُهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ لَا تُكَلَّفُ نَفۡسٌ إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةُۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوۡلُودٞ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦۚ وَعَلَى ٱلۡوَارِثِ مِثۡلُ ذَٰلِكَۗ فَإِنۡ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٖ مِّنۡهُمَا وَتَشَاوُرٖ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَاۗ وَإِنۡ أَرَدتُّمۡ أَن تَسۡتَرۡضِعُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا سَلَّمۡتُم مَّآ ءَاتَيۡتُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ﴾ (البقرة233:).
والرسول العظيم ﷺ يعلم الأزواج حينما شاور زوجته أم سلمة في غزوة الحديبية وأشارت عليه بما فيه نجاة للصحابة دون هلاكهم، وهي أيضًا تعلم الزوجات كيف تكون المشورة من أجل الإصلاح وكيف أنها م تشعل النار لكون الصحابة عصوا الرسول ولو الأمر واحد.
الهامش
1-فيض القدير (1/534).
طيب الحياة في الدنيا وهناؤها في الآخرة لا يتأتى إلا بالإيمان، اختفاء المشكلات الزوجية ليس مقياساً للسعادة وإنما المقدرة على حل المشكلات هو المقياس.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل