العنوان اللواء محمد نجيب من الواجهة إلى الظل
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-سبتمبر-1984
مشاهدات 59
نشر في العدد 682
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 11-سبتمبر-1984
- بموت اللواء محمد نجيب أول رئيس لجمهورية مصر بعد انقلاب ۲۳ يوليو ١٩٥٢ انطوت آخر صفحة من كتاب حياته الوجودية، ولكن آخر صفحة من حياته العملية، كانت قد أغلقت بعنف درامي مشهود ومؤثر في ١٤ نوفمبر ١٩٥٤، ذلك اليوم الذي بقي محفورًا في ذاكرة نجيب حتى ساعة وفاته، حسبما يقول هو صراحةفي مقابلة مع مجلة مصرية في 4/5/83 شهد نهاية مأسوية للصراع الدائر بين اتجاهين بارزين في حركة الضباط الأحرار وكان أبرز ضحاياه نجيب نفسه.
- وعلى هذا يمكن اعتبار ما حدث لنجيب منذ ذلك التاريخ حتى وفاته، وحيدًا منعزلًا بائسًا محطمًا مجهولًا، نموذجًا تكرر وسيتكرر، لما تفعله الانقلابات العسكرية بأصحابها، مصدقًا بذلك مقولة: «الثورة تأكلأبناءها»!
- ومع أن نجيب في كل مقابلاته الصحفية وفي مذكراته التي أصدرها في كتاب «كلمتي للتاريخ» يؤكد على أنه قائد ثورة يوليو، ومذيع بيانها الأول، وأنه هو صاحب التنظيم العسكري الذي قام بالحركة، إلا أن الطرف الآخر ينكر أن يكون له أي دور في ذلك كله، وأنه لم يكن إلا واجهة للحركة؛ لكونه شخصية معروفة ومحبوبة لدى العسكر والشعب. ولأجل هذا لا يمكن الاعتماد موضوعيًّا على مثل هذه التصريحات التي تبدو شخصية جدًّا إلى درجة تجاهل الحقائق واقتراف الروايات الكاذبة لتأييد موقف خاص، أو تشويه صورة الخصم. ولكن استقراء الأحداث المتتابعة التي حصلت منذ الحركة الأولى حتى اليوم، يمكن أن يعطي تصورًا أقرب إلى الحقيقة.
- ورغم كثرة المذكرات والذكريات والتصريحات والمقابلات التي برزت إلى السطح خاصة بعد موت عبد الناصر، إلا أنها بلغت من التناقض والاختلاف حول الحادث الواحد؛ درجة تدفع المرء إلى عدم الأخذ بصحة أي منها!!
- ولكن ماذا عن نجيب؟ في ظننا أن كلامه أقرب إلى الحقيقة؛ لأنه محكوم بعدة عوامل تجعله صادقًا، منها نشأته وتربيته في بيئة صالحة منضبطة. وأخلاقياته التي ترسخت خلال خدمته العسكرية ووطنيته ومشاركته في حرب فلسطين وخروجه منها بثلاث رصاصات في صدره، وشجاعته في الوقوف ضد الفساد ومعارضته في العهد الملكي، وخاصة موقفه في انتخابات نادي الضباط التي كانت الشرارة الأولى لانقلاب يوليو، وشعبيته وروحه المرحة المتفائلة وابتسامته المشهورة وتواضعه.
- ومحطات حياته البارزة هي ولادته في الخرطوم عام ۱۹۰۰م، ودراسته بالمدرسة الحربية بمصر، وخدمته في السودان، ودخوله حرب فلسطين عام ١٩٤٨، وحصوله على ليسانس الحقوق وإجازة الأركان ورئاسته الجمهورية لأول مرة في ١٩٥٣م، ثم إقصائه نهائيًّا في ١٤ نوفمبر ١٩٥٤، وإقامته الجبرية في فيلا زينب الوكيل زوجة مصطفى النحاس الزعيم الوفدي المعروف.
- وإضافة إلى العوامل السابقة، كان لنجيب بعد نظره السياسي، النابع من وعي ثقافي عام، فكان من رأيه العودة إلى الثكنات، وترك الحكم للسياسيين، وعودة الأحزاب بعد تطهيرها، وإجراء انتخابات نيابية، وكان يرى أن مصر لن تستقر إلا بالديمقراطية، وأن تكون للشعب حريته الكاملة في اختيار حاكمه وأسلوب الحكم. ولكنه مع ذلك كان رجلًا طيبًا - وعلى نياته- وفي السياسة لا مكان للطيبة وغفلة الطيبين، فلم يتنبه إلى مكامن الغدر في حركة الضباط الشبان الذين كانوا يحلقون في سمائهم الخاصة، سماء السلطة وبهرجة الحكم، فسقط تحت ضربات ذكية مركزة، وجهها إليه رئيس وزرائه آنذاك جمال عبد الناصر، فأثار ضده العمال بتحريض من عملائه، واتهمه بالتآمر على حياته مع الإخوان المسلمين بعد حادثة المنشية في الإسكندرية، «وهو يقسم بشرفه العسكري- مع تحفظنا على صحة القسم ومدى شرعيته- بأن الحادث كله من تدبير مخابرات عبد الناصر».
ثم كانت خاتمة المطاف بإقالته من مناصبه وحجزه في الإقامة الجبرية، ويقول عن ذلك اليوم البداية كانت حينما أطلق الرصاص على عبد الناصر في الإسكندرية.. وفي صباح ١٤ نوفمبر شعرت أن تغييرًا ما يحدث حولي، كتراخي الحرس في تحيتي. وذهبت لجمال في بيته، وقلت له: أنتم تريدون أن تفهموا الشعب أني وراء حكاية الإسكندرية؟ فنفى ذلك. وتوجهت إلى قصر عابدين، وجاء عبد الحكيم، وخرجت مع حسن إبراهيم وركبنا السيارة إلى المرج «مقر إقامته الجبرية»، ومنذ ذلك الوقت وأنا حبيس هذه الجدران الموحشة».
- فإذا سلمنا بصحة روايته عن قيادة الثورة والتنظيم، فإنه يتحمل مسؤولية ما حدث، أدبيًّا على الأقل، فقد كان عليه وهو رئيس الدولة وصاحب أكبر سلطة فيها- افتراضًا أن يحس بحركة التيارات الخفية، من خلفه ومن تحته، إلا أن حكمة الشيوخ خانته أمام رعونة الشباب الذين ما تركوا مناسبةً ولا فرصةً إلا أساءوا له فيها.. يقول هو في مقابلة: «ذهبت للعزاء في صلاح سالم، وفوجئ جمال سالم «أخوه» بحضوري. فتساءل: هل أنت الرئيس محمد نجيب؟ وهل تأتي لتعزيتي بعد كل الإساءات التي ألحقناها بك..»؟
ولكن مأساته الفردية لم تكن إلا جزءًا من مأساة الوطن والأمة، فقد توالت النكبات والماسي و«النكسات». وصار يعرف ذلك بعد فوات الأوان، يقول في مقابلة مع «مرآة الأمة» نشرت في «٢٨/٤/٨٢»: «تابعت أحداث العالم من خلال الراديو، وتابعت التهريج السياسي الذي أصر عليه عبد الناصر، وتابعت أحداث نكسة ٦٧. فقد كنت متوقعًا مثل هذه «الوكسة» بعد إغلاق مضائق تيران؛ لأنني أعرفه «جعجاع !!» فقط، ولأن عامر كان على رأس الجيش، فلا يمكن أن ينتصر جيش قواده على هذه الشاكلة! دول ينفعوا في «غرزه»!! مش غزوة!!
ويقول في مقابلة أخرى مع صحيفة محلية «۲۲/ ۲/۸۳» ردًّا على صحفي سأله: ألا تعتقد أن إنجازات عبد الناصر يمكن أن تشفع له؟ يقول: لماذا تخدمون الناس؟ لماذا لا تقولون: إن عبد الناصر دمر اقتصاد مصر مرتين: الأولى حينما أرسل الجيش المصري لحرب اليمن، والثانية حينما ورط الجيش في حرب ٦٧. لماذا لا تقولون: إن عبد الناصر كمم أفواه الشعب المصري وزج بكل من قال «لا» في السجون!.. الشيوعيون أوهموا الناس بأن عبد الناصر إذا أراد أن يخطب فإن أمريكا وروسيا تنتظران خطابه، مع أن أي شخص يحكم مصر فإنهما لا بد أن تستمعا إليه جيدًا؛ لأنه حاكم أقوى دولة عربية».
ولكن أخطر ما صرح به في مقابلته السابقة مع «مرآة الأمة» هو حقيقة العلاقات مع الولايات المتحدة ودورها في الحركة، يقول: «لم يكن للمخابرات الأمريكية أي دور في نجاح الحركة «!!!» ولكنني أعترف بأننا رغبنا بعد نجاح الانقلاب «تعبيره» أن نحصل على التأييد الأمريكي.. والمرة الأولى التي رأيت فيها السفير الأمريكي جيفرسون كافري كانت في ٢٦ يوليو ١٩٥٢ عندما كنا نودع الملك فاروق لمغادرة البلاد.. والحقيقة إن جيفرسون قال لي: إحنا خايفين على مصر من التسلل الشيوعي، وعرض على معاونة المخابرات المركزية لهذا الغرض، والارتباط بأحلاف العالم الحر. ورفضت وانقطعت بعد ذلك اجتماعاتي الخاصة مع الأمريكان، ولكنها استمرت سرًّا مع جمال عبد الناصر وعدد من أعضاء المجلس، ولما علمت ذلك عارضت بشدة، ولكن ذلك لم يمنع مداومة هذه الاتصالات السرية.
وعلى فكرة: عبد الناصر كان على صلة وثيقة بكيرمت روزفلت ابن رئيس أمريكا، وكنت دائما أحذره من هذه العلاقة، ولكنه لم يقطعها. وكان كيرمت روزفلت يخطط لعبد الناصر كل شيء!! مرآة الأمة العدد ٥٤١.
فإذا صح كلام نجيب هذا، فماذا فعل لإيقافه؟ الواقع أنه لم يفعل شيئًا سوى النصح والمعارضة القولية حسب رأيه، وهذا يدل دلالة واضحة على أنه لم يكن يملك شيئًا منذ البداية، مما يؤكد صحة دعاوى الضباط الشبان بأنهم أصحاب الثورة، وأن نجيب لم يكن إلا ستارًا لها. ولكن كلامه مع ذلك يلقي ضوءًا كاشفًا فاضحًا على حقيقة لم تعد مستورة، وهي أن المخابرات العالمية، توجد الظروف الملاءمة لتدفع عملاءها إلى الواجهة، بعد أن تمكن لهم في الساحة باستحداث أعمدة الحكم الداعمة.
- وأخيرا.. لقد عاش نجيب ثلاثين سنةً كاملةً في منفاه الداخلي الإجباري وحيدًا مع كلابه وقططه، بعد أن ماتت زوجته الأولى والثانية والثالثة وابنته وولداه، ولم يبق له إلا ولده يوسف السائق في «المقاولون العرب». وزوجته الرابعة. عاش في عزلته هذه قريبًا من الله يقرأ القرآن، ويحفظ اللغات الأجنبية، ويطالع الكتب، ولكنه على الأغلب- كان يراجع في ذهنه شريط ذكرياته عن انقلاب يوليو، ولعله كان يفكر أين كان الخطأ فيما كان، وكيف يمكن إصلاح ما سيكون؟ ولكن تيار الحياة الصاخب يطوي في أحشائه المضطربة من كان خارج الأضواء، بصمت رهيب، دون أن يلتفت إلى ماضيهم، ويبقى بعد ذلك كله العبرة والاستفادة من دروس الحياة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل