; لماذا تُحارَبُ المساجد في الدول الغربية؟ | مجلة المجتمع

العنوان لماذا تُحارَبُ المساجد في الدول الغربية؟

الكاتب المحرر المحلي

تاريخ النشر الثلاثاء 12-مايو-1987

مشاهدات 66

نشر في العدد 817

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 12-مايو-1987

عاشت الجاليات الإسلامية في أوروبا وأمريكا سنين طويلة ومريرة عانت فيها من الاضطهاد العنصري الصليبي ومن الهجمات الدعائية الشعواء على دينها وقيمها، وكثيرا ما كانت بعض الصحف الغربية المتطرفة تصور أنماطًا من السلوك الإسلامي تصويرًا كاريكاتوريًّا يحمل الكثير من السخرية والاستهزاء، ويوحي بحقد دفين وعنصرية مقيتة، حتى إن أحد المسلمين المهاجرين في فرنسا قال: «كان الواحد منا يخجل من إظهار إسلامه، أما اليوم فنحن فخورون بإسلامنا». نعم صار المسلمون في أوروبا في السنوات الأخيرة يفخرون بدينهم بعد أن اتحدوا ونظموا صفوفهم في جمعيات واتحادات كثيرة للدفاع عن حقوقهم وإثبات وجودهم على الأرض التي يعيشون عليها. وقد شهدت معظم الدول الغربية في السنوات العشر الأخيرة بالخصوص تحركات مكثفة من قبل المسلمين بالتعاون والتنسيق مع إخوانهم من أصحاب الخير والمعروف ومن الغيورين على هذا الدين في البلاد الإسلامية، وقد تركزت هذه التحركات على بناء المساجد والمراكز الإسلامية كخطوة أولى وحتى يكون للمسجد قاعدة ومنطلق لأعمال أخرى أوسع وأشمل لخدمة الإسلام والمسلمين، حيث لم یفت هذه الأقليات الصابرة المصابرة والمتشبثة بدينها في أجواء غريبة عن الإسلام إن لم تكن معادية له أهمية الدور الذي كان يلعبه المسجد قديمًا، والذي يمكن أن يلعبه حديثًا؛ فالمسجد لم يكن قط مكانًا للعبادة فقط مثل الكنيسة، وإنما كان مكانًا للاجتماع والتشاور، ومكانًا للقاءات المختلفة الثقافية والاجتماعية، فيشعر فيه المسلمون بوحدتهم وبقوتهم، وفيه يتدربون على شؤون دنياهم وأخراهم. ولم يفقد المسجد هذا الدور إلا في عصور الانحطاط عندما تخلف المسلمون، ولكن ها هو المسجد يعود من جديد إلى أداء وظيفته في توجيه المجتمع وتربية الفرد وربط العلاقات والأواصر بين المسلم وأخيه المسلم وبين المسلم وربه، ولعل هذا الدور الذي بدت تتضح آثاره في البلاد الغربية وبسرعة هو مصدر من مصادر قلق وانزعاج الجهات المتطرفة والمتعصبة في الغرب.

المآذن ترتفع في المدن الغربية وصوت الحق يجلجل في سمائها

لقد تسارعت حركة بناء المساجد في المدن الأوروبية والأمريكية بصورة لافتة للنظر في السنوات الأخيرة، ففي هولندا ارتفع عدد المساجد إلى ۲۰۰ مسجد ومصلى في حين لم يكن بها سنة ١٩٧٥ سوى مسجدين اثنين، وفي فرنسا بلغ عدد المساجد ٤١٥ مسجدًا، وقد تمكنت الجاليات الإسلامية في كل من بلجيكا وفرنسا وألمانيا من إحراز الاعتراف الرسمي بالدين الإسلامي، وما زالت الجاليات في بعض البلدان الأخرى مثل بريطانيا وهولندا واليونان تناضل من أجل هذا الاعتراف الذي يكفل لها حرية النشاط الديني على كافة المستويات، ويكفل لها بالخصوص جمع الأموال لدعم نشاطاتها. ولم تهدأ حركة بناء المساجد والمراكز الإسلامية، بل هي الآن في أوج نشاطها، وبالأمس القريب كنا سعداء ونحن نشاهد افتتاح مسجد من أكبر المساجد الأوروبية في مدينة غزرب اليوغسلافية. لكن هذه الحركة لم تجد الطريق أمامها سهلًا ممهدًا، وفي أحيان كثيرة كان بناء المسجد يتوقف السنوات الطويلة، بل ويلغى أحيانا أيضًا، وحتى عندما يصبح المسجد جاهزًا يظل عرضة لاعتداءات عنصرية بغيضة، ولكن الله -سبحانه وتعالى- يأبى إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. فقد تغلب إصرار المؤمنين وتمسكهم بدينهم على كل العراقيل وذللها وارتفعت المآذن شامخة في باريس ولندن ومدريد وواشنطن ودالاس وميونخ وفيينا، وسترتفع عما قريب في روما وأثينا «مسجدا روما وأثينا قيد البناء الآن». وجلجل صوت الحق الله أكبر الله أكبر حي على الصلاة حي على الفلاح، فامتلأت أسماع أوروبا وأمريكا من قدسية النغم.

لماذا يعرقل بناء المساجد في الدول الغربية؟

الغرب العلماني الذي يتبجح بالديمقراطية وبحرية المعتقد وحرية إقامة الشعائر الدينية، ينزعج ويمتعض عندما يتعلق تطبيق هذه الشعارات والمبادئ بالأقليات الإسلامية. لقد صارت أوروبا الغربية الآن تعد أكثر من عشرين مليون مسلم: قرابة ٤ ملايين في فرنسا، ومثلهم في بريطانيا، وقرابة مليونين ونصف في ألمانيا، وأكثر من ثلاثمائة ألف في هولندا... إلخ. ومن حق هذه الأقليات أن تمارس دينها بكل حرية مثلما تنص على ذلك دساتير البلدان الغربية. أضف إلى ذلك أن الكنيسة في هذه الدول ذات الغالبية المسيحية تنادي منذ زمن بحوار الأديان وتعايشها ليعيش الجميع في أمن وسلام، فأين ذلك كله من العراقيل المثبطة أمام بناء المساجد في المدن الغربية حيث تقطن أقليات إسلامية؟ وأين ذلك من الاعتداءات الآثمة على بعض المساجد؟ لنأخذ بريطانيا مثلًا: لماذا ظل مسجد لندن حلمًا ولم يتحقق إلا بعد ٣٤ سنة من طرح فكرة بنائه أي سنة ۱۹۷۸، مع أن قطعة الأرض كانت جاهزة منذ سنة ١٩٤٤؟ لا شك أن بعض الأسباب تعود إلى التمويل، ولكن قلة الاعتمادات لم تكن حجر العشرة الوحيد. وبماذا نفسر حملة حوادث العنف على المساجد في بريطانيا سنة ١٩٧٩ و۱۹۸۰، إذ في تلك الفترة تعرضت مساجد هاي ويكمبس وولتماستو وديوزبري ولوتن وفنسبري بارك إلى اعتداءات، وذهب بعض المعتدين إلى حد إلقاء قطع لحم الخنزير داخل هذه المساجد! ويقول أحد الشهود في لوتن: «اندفع عشرة من الشباب إلى مصلى النساء خلال صلاة الجمعة، وفي الوقت نفسه اتجهت عصابات أخرى لمحاصرة المسجد وبدأت بتكسير النوافذ بالحجارة والقنينات، ورغم إعلام الشرطة فإنها أبطأت في الوصول إلى مكان الحادث.

وفي فرنسا ورغم أن باريس كانت أولى العواصم الغربية التي أقيم فيها مسجد جامع «أقيم مسجد باريس سنة ۱۹۲۰»، فإن العديد من المجالس البلدية كانت تعرقل بأسباب واهية بناء المساجد، من ذلك أن مدينة نيس بجنوب فرنسا استخدمت حقها في الشفعة لشراء قطعة أرض كان المسلمون يرغبون في إقامة مسجد عليها، وحجتها هي أنها ستقيم مشروعات جماعية على تلك القطعة من الأرض. وأعلن رئيس بلدية نيس أن اختيار رابطة الإسلاميين للموقع «لم يكن وجيهًا». وفي سنة ١٩٦٨ ارتفعت أصوات في إفري في جنوب باريس مطالبة بإيقاف بناء المركز الإسلامي الذي يشمل مسجدًا. واقترح بعض أعضاء البلدية إلغاء رخصة بناء الجناح الثقافي بحجة التأخر في بدء الأشغال. وفي مقاطعة ليزفلين من ضواحي باريس أقام السكان دعوى قضائية ضد بناء مسجد لأنه «يزعجهم»، وعندما يتخطى المسلمون العقبات الأولى ويبدأ تشييد المسجد لا يتورع بعض المتطرفين من اللجوء إلى أساليب خسيسة لإثناء المسلمين عن بناء منارة من منارات الهدى، وهذا ما وقع مثلًا لمسجد رومان سنة ۱۹۸۲ ومسجد آنسي سنة ۱۹۷۹ بفرنسا؛ حيث تم تدمير المسجدين بعبوات ناسفة. ولا يعدم المناهضون لبناء المساجد التبريرات لتأليب الرأي العام على الجالية الإسلامية، فقد ندد جاستون ديفير عام ١٩٨٤ وهو وزير الداخلية الفرنسي آنذاك بدور المساجد في زيادة التطرف لدى المسلمين في فرنسا، وقال: «إن المتطرفين مرسخون أقدامهم في المساجد بالتدريج، ويصبحون المسؤولين عن هذه المساجد ويقومون بالتبشير والدعاية». مؤكدًا ما في هذا الأمر من خطورة.

وفي ألمانيا يقول ممثل الجماعة الإسلامية في حديث له مع جريدة الأنباء الكويتية: قامت بلدية بون بإنذار مجلس المسجد بإخلاء المبنى «المؤجر» بحجة أن الشركة المالكة تريد ترميمه، وقد عرضنا شراء المبنى بأي ثمن، ولكنهم لم يوافقوا أيضًا على هذا الطلب، وتم إغلاق بيت الله على مسمع ومرأى من كل السفارات الإسلامية. ثم يقول: إن هناك صراعًا بيننا وبين أهالي الحي الذي يوجد فيه المركز الإسلامي بميونيخ؛ حيث يطالب هؤلاء بتقليص نشاط الجماعة الإسلامية.

ولا يختلف الأمر في أمريكا عنه في أوروبا بالنسبة لهذه القضية، ففي مدينة دالاس التي تعد أكثر من خمسة آلاف مسلم باءت عدة محاولات لبناء مسجد حتى الآن بالفشل، وقد رفضت البلدية رخصة بناء مسجد لأن سكان الحي المجاور للموقع عارضوا إقامة مئذنة، واحتجت البلدية بأن الأرض غير كافية لبناء موقف للسيارات. ثم وضعت بعد ذلك شرطًا تعجيزيًّا يتمثل في موافقة كل الجيران دون استثناء، ورغم ذلك ما زال مسلمو دالاس يأملون بإقامة مسجد في يوم من الأيام.

موقف الكنيسة المتذبذب

قد يسرع البعض منا باتهام الكنيسة بأنها وراء العراقيل التي توضع أمام بناء المساجد، والحقيقة أن الكنيسة لا يرضيها أن ترى المآذن ترتفع في سماء المدن الغربية والمساجد تنتشر في أرجاء الغرب المسيحي، ولكنها مع ذلك ليست هي التي تقف مباشرة وراء تلك العراقيل، بل لقد ساعدت أحيانًا على بناء المساجد ووقفت تدعم المسلمين، ولكن مواقفها في الفترة الأخيرة أصبحت متذبذبة، فكيف نفسر ذلك؟

الكنيسة كما هو معروف فقدت نفوذها وسلطتها في الدول الغربية منذ أن وقع فصل الدين عن الدولة، ثم فقدت شعبيتها ومصداقيتها لدى الجمهور، ولا أدل على ذلك من هجر النصارى للكنائس وخراب بعضها، فقد شهدت الكنيسة الأوروبية تراجعًا شديدًا في العقود الثلاثة الأخيرة أمام المد العلماني والمادي. وعلى العكس من ذلك كان الدين الإسلامي هو الدين الوحيد الذي يحرز تقدمًا في الغرب والشرق على مدى العقدين الأخيرين، ومن هنا أرادت الكنيسة أن تستفيد من تقدم الدين الإسلامي الذي رأت فيه دعمًا للروح الدينية عمومًا، وبالتالي سندًا لها في هذه المرحلة، ولذلك ساعدت المسلمين بأن سلمتهم بعض الأديرة القديمة والكنائس المهجورة ليقيموا عليها مساجدهم. ومن الحوادث الدالة على وقوف الكنيسة إلى جانب المسلمين حادثة إعطاء مقر لجمعية الشواذ جنسيًّا المعترف بها في مدينة «زفولة» الهولندية في نفس المبنى الذي يقع فيه مسجد المسلمين! وقد اعتبر ذلك إهانة للمسلمين واستهتارًا بعقيدتهم. وقد انضم رجال الكنيسة إلى المسلمين مطالبين عمدة المدينة بالعدول عن قراره المستهتر، ولكن هذا الموقف الكنسي هو موقف طفيلي يريد أن يغنم من غنم المسلمين؛ والدليل على ذلك أنه لما ازداد المد الإسلامي شعرت الكنيسة الغربية بالخطر ووعت أن خطر المساجد يتهددها هي الأخرى بعد أن صار المسيحيون يقبلون على الإسلام بأعداد متزايدة، ومن هنا تذبذب موقفها وتناقضت شيئًا فشيئًا وأخذت تميل إلى معارضة حركة بناء المساجد والمراكز الإسلامية ذات التأثير الواسع في الأوساط الغربية على اختلاف مستوياتها الثقافية.

إن الذين يعادون المسلمين ويعترضون على بناء المساجد بحجج يحاولون أن يثيروا بها الرأي العام، هم الذين أصبحوا يدركون قوة هذا الدين وقدرته على مسايرة العصر ومواكبة الحياة الجديدة، وهم الذين يحركون أصحاب الأضغان والأحقاد الصليبية التي لم تمت في النفوس مستغلين النزعات العنصرية فيهم من أجل إيقاف من هذا الدين، ولكن أنَّى لهم أن يطفئوا نور الله بأفواههم وبكرههم!

لقد تبين أن الصحوة الإسلامية المتنامية لم تكن مقصورة على البلاد الإسلامية، بل تعدتها شرقًا وغربًا، وفوجئ الغربيون بهذه الظاهرة في بلدانهم ومجتمعاتهم وهم الذين كانوا يعتقدون أن الأقليات الإسلامية لا بد أن يؤول بها الأمر إلى التلاشي والاضمحلال، وأن بهرج المدنية وبريقها وانبهار الجاليات الإسلامية الآتية من بلدان متخلفة بها لا بد أن يذيب تفكيرها الديني فيسهل انصهارهم في بوتقة الحضارة الغربية، وها هو الغرب النصراني يفيق على أن نظريته تلك إنما كانت مبنية على جهله بالقوة الكامنة في التعاليم الإسلامية. ولم يقف الأمر بالنسبة للأقليات الإسلامية عند تكتلها واتحادها ضمن إطار المسجد والمركز الإسلامي، بل تعداه بأن صار المسجد منارةً وقطبًا يهدي إليه ضالة الألباب وتائهة الأفئدة، فكسبت تلك الأقليات الإسلامية وبالدعاة المنطلقين منه مزيدًا من الأنصار الداخلين في دين الله أفواجًا على حساب الكنيسة، حتى صار الدين الإسلامي في أوروبا هو الدين الثاني بعد المسيحية، وتجاوز عدد المسلمين بها العشرين مليون نسمة من أوروبيين أصلًا ومهاجرين متجنسين ومقيمين من طلبة وعمال وغيرهم. ومن الطبيعي أن تشعر بعض الجهات اليمينية الصليبية المتطرفة والمتعصبة بخطر ما تفقده وما يكسبه الإسلام، فراحت تسعى بخطى حثيثة إلى إثارة انتباه الرأي العام إلى ما سمته «خطر الزحف الإسلامي»، حتى إن مجلة بريطانية تدعى THE FLAME تضمنت في عددها رقم ٥٢ لشهر يوليو ۱۹۸٦ مقالًا بعنوان «معركة بريطانيا»، جاء فيه:

«القنال الإنجليزي أوقف هتلر، لكن الإسلام يكتسح بريطانيا كموجة عارمة. وفي الوقت الذي تفقد فيه المسيحية في إنجلترا حدها القاطع، يمتشق الإسلام سيفه ليقوم بالتأثير في ضربات متزايدة».

الرابط المختصر :