; المجتمع التربوي (1680) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1680)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 10-ديسمبر-2005

مشاهدات 69

نشر في العدد 1680

نشر في الصفحة 54

السبت 10-ديسمبر-2005

 صويحبات أم زرع

سمية رمضان *

على مدى سنوات نستمع إلى آهات النساء ومشكلاتهن مع تكرار الكثير من المشكلات، ولكن الشاكيات من المختلفات. وأتصور ذرات التراب وهي تتجمع بامرأة تبتلى ثم تفنى لتخلق أخرى تبتلى ثم تفنى، ويراقب الله سبحانه وتعالى فهو سبحانه يسمع ويرى، وتسجل الملائكة في صفحة ستنشر يومًا ما.. نسأله سبحانه السلامة.

وقد لاحظت أن القرآن الكريم قد قص علينا قصصًا مختلفة لنساء مختلفات في عصور وأزمنة مختلفة، وعدد سبحانه لنا الابتلاءات التي تعرضن لها ورد فعل كل امرأة، فسجلت مشكلات نساء عصرنا وعرضتها على كتاب الله باحثة عن الحل بملاحظة رد فعل نساء ذُكرن في كتاب الله قد تعرضن لفتن متشابهة، ماذا فعلن وماذا كان رد فعلهن وما مصيرهن؟

تذكرت في حقيقة الأمر «أم زرع»، فما زالت صويحباتها بمشكلاتهن يعانين ويبحن بابتلاءاتهن، فتصورت أم زرع في عصرنا وقد عقدت المجلس فالتف حولها صويحبات من حديثات الزمن، ولكن لهن همومهن واسترقت السمع.

حفرة من العذاب

فهذه الأولى التي ابتليت بزوج يصلي في جماعة ويتمنى مرضاة الله، ولكن أفعاله معها بعيدة عن أمنياته، فقد طلقها مرتين على أتفه الأسباب، فتعيش على شفا حفرة من العذاب خوفًا من أن ينطق الثالثة ولديها منه ستة من البنين والبنات تخشى عليهم من الضياع إن نطقها، فتحاول كظم غيظها من تصرفاته التي تتسم بكثير من التخلي عن الأخلاقيات الإسلامية في كثير من الأقوال، فهو كثير «الجعجعة» نافد الصبر، مفتقد الحكمة.

سمعتها وسرح خيالي في السيدة خولة المجادلة التي أعجبني صبرها واندهشت من تفوقها على رجلها في الحكمة والصبر الجميل، فقد صبرت على سوء خلقه والتورط في عبارات لا يدري إلى أين تذهب به لینفس عن غضبه، فنجدها حكيمة تدرك مصلحة البيت ومصلحة الأولاد، فتذهب شاكية ليس لرسول الله ﷺ ولكن شاكية إلى المولى جل وعلا، ثم تعرض بعض التفاصيل عن حياتها فتجدها متزوجة من رجل يكبرها كثيرًا في السن، وكما رأينا أرعن في تصرفاته، ثم تفغر الأفواه عندما نعلم أنه فقير المال، وهي تتصدق عليه مع رسول الله ﷺ، ليستطيع أن يطعم ستين مسكينًا، فتصبح له حلالًا ويعيش الأطفال بين الأبوين بدلًا من الضياع.

فقلت لها: حبيبتي لتكن خولة لك نموذجًا ومثلًا، ولن يضيع الله لك أجرًا ما دمتِ تبتغين وجهه الكريم، وأريد أن أسألك أختاه عندما تقرئين عن خولة وزوج خولة مَن تجعلينه لك قدوة؟ من يمثل تنفيذ وتطبيق الأخلاقيات الإسلامية؟ فلتكوني كخولة في ردود أفعالك لعل الله يجعل لك من الضيق فرجًا.

كذاب ومرتشٍ

أما الثانية: فقد سبقتها دموعها في عرض مشكلتها، فلها عشر سنوات زوجة لرجل لا يتقي الله، فهو يكذب ويرتشي ويشرب الخمر، وليس له هم إلا إنفاق نقوده على النساء. فقلت لها: ولماذا قبلتيه زوجًا لك عندما تقدم لخطبتك؟ قالت: لقد كنت مثله، ليس لي مبدأ ولا هدف لحياتي سوى متع الحياة الزائلة التي تزيد الهموم والأمراض، وقد أكرمني سبحانه بصاحبة وضعت قدمي على طريق النور، فكانت شوكة في حلق زوجي لم يجد لها حلًّا سوى محاولة إذلالي وإبعادي عن طريقي. وما يصبرني على قسوة زوجي وجفوته أولادي، فإن تركتهم له ضلوا وأضلوا، وإن أخذتهم معي إلى أين أذهب بهم؟ ومن يستطيع أن يتحملهم معي سوى والدهم؟! واستعنت بأطباء نفسانيين حتى أستطيع أن أنام من حسرة قلبي وسوء حظي.

قبلت جبينها وقلت لها: لقد سرت على درب المجاهدة الشهيدة، فلعل الله يكرمك بصحبتها في الجنة أو السير على دربها في الدنيا، هل تعرفين آسية امرأة فرعون؟ هل زوجك حبيبتي أسوأ من فرعون؟ بسرعة سرد لها خاطرها أفعال فرعون، فقالت: بالتأكيد لا. قلت لها: فلتعرضي على نفسك ما قصصت لك من قصة آسية، ماذا كانت ردود أفعالها مع هذا الزوج القاسي الكافر المطرود من رحمة الله؟ قالت صاحبة أم زرع: إن قارنت نفسي بها فإني في نعيم. ولكن أختاه، هل بالفعل هذا جهاد في سبيل الله؟ قلت لها: على شرط أن تحاولي مع زوجك بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا يتأتى ذلك إلا بتحركك بآيات القرآن حتى يرى بأم عينيه كيف أن الإسلام جنة وارفة. أكثري من التودد له ولأهله وأغدقي عليه القول الكريم، وانتقي العبارات الجميلة في تحاورك معه. حاولي أختاه أن تكوني له أمة في تلبية طلباته التي فيها رضا الله، وأكثري من زينتك واشتري أنواعًا مختلفة من العطور وتعطري بها وكأنك زهرة متنقلة في منزلك أينما حللت تشرين شذى عطرك، تحلي بالصدق وكظم الغيظ، وعدم تعنيفه ولومه، وفي قيام الليل نادي من بيده قلب زوجك أن يزين له الإيمان ويجعله هوى نفسه، ولكن لا تحدثيه مباشرة عن ترك معاصيه، واجعلي أفعالك وتصرفاتك تحدثه وتخاطبه.

قالت: والله كنت أتمنى أن يرزقني الله بمثل زوج جارتي، رجل فاضل مصل كريم الأخلاق، والله عندما أراه يذهب إلى المسجد لصلاة الفجر أقول: واحسرتاه كم أتمنى مثل هذا الرجل!!

قلت لها مبتسمة: الله أعلم إن صار جارك زوجك ماذا ستكونين أنت؟ فهل جارك هذا أفضل من نوح عليه السلام، أو لوط عليه السلام؟ قالت منزعجة: حاشا لله، فهم الأفضل والأعلى مثلًا. قلت لها: وهل استفادت زوجتاهما بهذه الأفضلية أم أنهما من أصحاب النار الآن!!

الصبر على الإيذاء

فالله أعلم أين الخير لك، ولعل أفعال زوجك كانت دافعة لك إلى الصلاح والإيمان، ولعل الله أن يهديه بك فيكون ذلك خيرًا لك من الدنيا وما فيها، ولعل صبرك على إيذائه يكون من أسباب حب الله لك، فإنه سبحانه يحب الصابرين والصابرات، ولعل ولعل ولعل... فاجعلي لجوءك واستنجادك واستغاثتك بالله، وضعي هدفًا نصب عينيك كيف تكونين سببًا في هداية زوجك، ولعلك باستعانتك الكاملة بالله تستغنين عن حبوبك المهدئة بالأدعية التي علمها لنا رسول الله ﷺ إن استشعرتها وذقت حلاوة رحمة الله فيها. 

إن الله سبحانه قد من على هذه الأخت بهداية زوجها الذي يصلي الآن جماعة في المسجد، وإن تأخرت زوجته في الاستيقاظ لصلاة الفجر يرش على وجهها بحب وحنو رذاذًا من المياه، وقد عافاه الله من شرب الخمر ومن النساء، ونحسبه من الرجال الصالحين المشاركين في عمارة المسجد، وزوجته في حمد وشكر لله ليلًا نهارًا، وتُدعى أم صلاح، فقد طلبت هي أن نذكر اسمها.

إن حل كثير من مشكلاتنا في كتاب الله سبحانه، وقد ذكر لنا قصص الرجال والنساء والفتيان والفتيات لتكون لنا عبرة وعظة ليس فقط بسماعها، ولكن بالتحرك بأفعالهم كقدوة ومثل صالح نتمناه، فكل امرأة صالحة تتمنى أن تكون مثل آسية، ولا تتمنى أبدًا أن تكون مثل امرأة أبي لهب، وكل منهما كانت متزوجة من رجل كافر، فاستطاعت آسيا بفضل الله أن تنجو منه إلى الجنة، ولم تستطع امرأة أبي لهب منه فكاكًا فتسلسل الاثنان في نار جهنم.

(*) أكاديمية متخصصة في القضايا التربوية

 

 أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت

د. جمال الحسيني أبو فرحة (*)

يزعم كثيرون من غير المسلمين أن القرآن الكريم إنما هو من تأليف نبينا عليه أفضل الصلاة والتسليم، ويستدلون على ذلك بما يزعمونه أدلة وبراهين وما هي في الحقيقة سوى أوهام وأباطيل.

 ومن أشهر براهينهم الكاذبة على دعواهم تلك الباطلة قولهم بأن القرآن الكريم إنما جاء مصورًا للبيئة العربية القديمة محصورًا بمعطياتها، ولا يمكنه أن يتعامل مع غيرها من بيئات لم يطلع عليها نبي الإسلام ﷺ. وهو ما لا يمكن قبوله في  كتاب سماوي يعلن ختمه كتب السماء وعموم خطابه لأهل كل زمان ومكان، ويمثلون لذلك بحديث القرآن عن عظمة خلق الإبل في معرض حديثه عن عظمة خلق الكون من سماوات مرفوعة وجبال منصوبة وأرض مسطوحة في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)﴾ (الغاشية:17-20). ويقولون إنما اختار محمد ﷺ «الإبل» على وجه الخصوص لأنها من مفردات البيئة الصحراوية التي عاش فيها.

وقولهم باطل؛ وذلك أن كلمة «إبل» تفسر في كتاب الله تعالى على وجهين:

الوجه الأول: «إبل»: جمع مؤنث لا واحد له من لفظه، مفرده جمل أو بعير، وقد جاء هذا المعنى في كتاب الله في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ (الأنعام: ١٤٤).

الوجه الثاني: «إبل» بمعنى: «السحاب» كما في الآية التي استشهدوا بها.

وإن كان من الممكن تفسير الإبل أيضًا في تلك الآية بمعنى: «الجمل أو البعير»، ولكل تفسير وجهه.

فالتفسير الذي رأى أصحابه أن الإبل هنا تعني السحاب، احتجوا بالسياق اللاحق لهذه اللفظة، يقول تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)﴾ (الغاشية:17-20) فقالوا: إن الآيات هنا تحثنا على النظر فوقنا فنرى عظمة الخلق في السحاب، ثم ما فوقه من سماء، ثم ننظر حولنا لنرى عظمة الخلق في الجبال، ثم ننظر أسفل منا لنرى عظمة الخلق في الأرض، وهكذا لا يكون الخطاب هنا مقصورًا على الأمم التي عرفت الإبل واعتمدت عليها في معيشتها، بل يكون لكل الأمم، فالسحاب تقر بعظمة خلقه كل الأمم.

وأما التفسير الثاني الذي رأى أصحابه أن المراد بـ «الإبل» هنا: «الجمل أو البعير» فاحتجوا أيضًا في فهمهم هذا بالسياق، ولكنه في هذه المرة السياق السابق، يقول تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (11) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (12) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (14) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16) أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17)﴾ (الغاشية:10-17). فقالوا إن الدعوة إلى النظر في خلق «الإبل» هنا إنما جاءت تفسيرًا لقوله تعالى: ﴿سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ فكأنها إجابة عن سؤال: كيف نعتلي هذه السرر؟ والإجابة هي كما نعتلي الإبل، فهي تبرك حتى يتمكن راكبها من ركوبها ثم تعتلي به. كما أضاف أصحاب هذا التفسير أن اختيار الجمل موضوع للتأمل دون غيره من حيوان في هذه الآيات فلأنه أعجب الحيوانات؛ يؤكل لحمه ويشرب لبنه، ويبرك ويركب وتحمل عليه الأحمال الثقيلة، ويسافر عليه المسافات البعيدة، وهي خصائص لعلها لا تجتمع لحيوان آخر.

ومن هنا يتبين لنا أنه حتى على هذا التفسير فإن اختيار كلمة «الإبل» بمعنى الجمل موضوع للتأمل له ما يبرره بعيدًا عن مزاعم هؤلاء ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (غافر:56).

وبقليل من التأمل يتبين لنا كذلك ألا تعارضَ بين المعنيين، وليس هناك ما يمنع أن يكونا مرادين معًا، فكلاهما يشير إليه السياق إشارة قوية، وهو وجه من وجوه الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم ينأى به بعيدًا عن مظنة التأليف البشري ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (النساء:82).

(*) أستاذ بجامعة طبية بالمدينة المنورة.

 

 الرشوة.. وعلاجها

  • الوظائف أمانات والله تعالى سيسأل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيَّع

  • من الوظائف ما أصبح حكرًا على طائفة من الناس يدفعون أكثر أو لهم وساطة من ذوي الجاه.. وهذا توسيد للأمر لغير أهله

د. حمدي شلبي (*)

الرشوة مال يتوصل به صاحبه للسطو على حقوق الآخرين ونيل ما ليس له بحق، وقد عالج الإسلام هذه الرزيلة وحذر من فعلها أيما تحذير، ونستعرض في هذه السطور صورها وطرق علاج الإسلام لها.

قال الفارق رضى الله عنه: لا تولوا اليهود ولا النصارى فإنهم يقبلون الرشا ولا يحل في دين الله الرشا.

وعن ابن مسعود رضى الله عنه قال: من شفع شفاعة ليرد بها حقًّا أو يدفع بها ظلمًا فأهدي له فقبِل، فذلك السحت.

إذا ارتشى الحاكم بطل كل حكم يصدر عنه بعد ذلك

من صور الرشوة

(1) هدايا الرعية إلى الحكام:

أهدي إلى عمر بن عبد العزيز هدية -وهو خليفة- فردها، فقيل له: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية. فقال: كان ذلك له هدية، وهو لنا رشوة (1).

وقال أبو حنيفة: إذا ارتشى الحاكم انعزل في الوقت وإن لم يعزل، وبطل كل حُكم حَكم به بعد ذلك، قال القرطبي تعليقًا على قول أبي حنيفة: «وهذا لا يجوز أن يختلف فيه إن شاء الله لأن أخذ الرشوة منه فسق، والفاسق لا يجوز حكمه والله أعلم». (۲)

(2) ما يُعطى لموظفي الدولة لتضييع حق من حقوق الله:

قال ﷺ: «من استعملناه على عمل ورزقناه رزقًا فما أخذ بعد ذلك فهو غلول» (۳).

وعن أبي حميد الساعدي أن النبي ﷺ استعمل رجلًا من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة، فجاء فقال: هذا لكم وهذا أهدي لي. فقام النبي ﷺ على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: «ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول هذا لكم وهذا أهدي لي إلا جلس في بيت أمه أو أبيه فينظر أيهدى له أم لا! لا يأتي أحد منكم بشيء من ذلك إلا جاء به يوم القيامة إن كان بعيرًا فله رغاء أو بقرة فلها خوار، أو شاة تيعر» ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه ثم قال: «اللهم هل بلغت.. اللهم هل بلغت» (٤).

إن الوظائف أمانات والله تعالى سيسأل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع، ويرفع لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه يقال: هذه غدرة فلان. ويلحق به الرشوة لتجنب دفع الضرائب مثلًا أو أي حق من الحقوق الواجبة عليه للدولة.

(3) الإكرامية «البقشيش»

لو أن هذا المال يدفع برضا نفس لكان حلالًا، ولدخل تحت قوله ﷺ: «ما أتاك من هذا المال من غير سؤال ولا استشراف فخذه» (٥). إلا أن الإلحاح وكلوح الوجه والنظر الشزر لمن لا يدفع أصبح سمة في هؤلاء المتسولين تحت أقنعة الإكرامية أو البقشيش، وعادة لا يجيد العامل العمل المكلف به إلا إذا كان يعلم أنه سيأخذ ما يسمى بالإكرامية أو «البقشيش».

(4) القهوة - الشاي

وكلها أشياء درج الناس على إعطائها لمن لا يستحق لتيسير خروج بضاعة من مصنع أو أي مكان، أو للحصول على جودة أعلى في البضاعة بدون وجه حق لكل منهما فيبوء الدافع بوزر الرشوة، ويبوء الآخذ بوزر أكل أموال الناس بالباطل.

(5) ما يُدفع للحصول على وظيفة:

من الوظائف ما أصبح حكرًا على طائفة من الناس يدفعون أكثر أو لهم وساطة من ذوي الجاه بصرف النظر عن المؤهلات. وبينما يوسد الأمر إلى غير أهله يلقى أصحاب الكفاءات والمواهب الظلم والإهمال، ويعيشون على هامش الحياة يعانون للحصول على لقمة العيش في حين يتسلم من لا يستحق ذروة الجاه والسلطان، وتصبح مصائر الناس معلقة في أيدي من تسللوا من الأبواب الخلفية لهذه المراكز التي تستدعي الكفاءة والقدرة والأمانة، وهم عراة من واحدة من هذه الصفات.

عن أبي هريرة قال: بينما النبي ﷺ في مجلس يحدث القوم جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله ﷺ يحدث فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال. وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه قال: «أين السائل عن الساعة»؟ قال: هأنا يا رسول الله، قال: «فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة». قال: كيف إضاعتها؟ قال: «إذا وسد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة» (٦).
 

علاج الإسلام للرشوة

(أ) النهي عن الكسب الحرام: 

﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:188)، وقال تعالى عن اليهود: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (المائدة:42)، وسمي المال الحرام سجنًا لأنه يسحت الطاعات، أي يستأصلها. وقيل: سمي الحرام سجنًا لأنه يسحت مروءة الإنسان، والقول الأول أولى، لأن بذهاب الدين تذهب المروءة ولا مروءة لمن لا دين له.

قال ابن مسعود وغيره: السحت الرشا. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: رشوة الحاكم من السحت. وعن النبي أنه قال: «كل لحم نبت بالسحت فالنار أولى به»، قالوا: يا رسول الله، وما السحت؟ قال: «الرشوة في الحكم» (۷).

وعن علِي رضى الله عنه أنه قال: السحت الرشوة، وحلوان الكاهن والاستعجال في القضية.

(ب) الدعوة إلى الكسب الحلال

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (البقرة:168)، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (المؤمنون:51). ويقول تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (الأعراف: ١٥٧).

وعن أبي هريرة رضى الله عنه مرة قال: قال رسول الله ﷺ: «أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (المؤمنون:51). وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (البقرة: ١٧٢) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام، فأني يستجاب لذلك!» (8).

(ج) طرد الراشي والمرتشي من رحمة الله:

عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: «لعنة الله على الراشي والمرتشي» (9).

ومن لم تسعه رحمة الله فلن تسعه رحمة من سواه، ومن فقد الله تعالى فقد كل ما عداه.

(د) الدعوة إلى قضاء حوائج الناس:

بقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ (النساء:85).

ومن الإشارات الدالة في الآية، تذييل الآية بقوله سبحانه: ﴿وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ فهو سبحانه الذي يقيت عباده. 

وهو كافلهم ورازقهم، فهم ليسوا بحاجة عقلًا لأن يطلبوا رزقهم من الحرام، بل إنهم مطالبون بأن يسعوا ويجتهدوا، والرزق عطية الله تعالى التي يسوقها لعباده كيف يشاء.

قال ﷺ: «أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور يدخله على مسلم، أو يكشف عنه كربة أو يقضي عنه دينًا، أو يطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إليَّ من أن أعتكف في هذا المسجد -يعني مسجد المدينة- شهرًا. ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه -ولو شاء أن يمضيه أمضاه- ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام» (۱۰).

وعن أبي موسى قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال: «اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما أحب». (۱۱).

(هـ) تأكيد معاني الأخوة بين المسلمين:

قال ﷺ: «المسلمون كرجل واحد إن اشتكى عينه اشتكى كله، وإن اشتکی رأسه اشتکی كله». وله شاهد من حديث سهل بن سعد مرفوعًا بلفظ: «إن المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد يألم المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الجسد لما في الرأس» (۱۲).

(و) تأكيد معاني الأخوة العامة:

مرت جنازة على رسول الله ﷺ فقام لها واقفًا، فقيل له: يا رسول الله إنها جنازة يهودي فقال: «أليست نفسًا» (۱۳).

هذه الأخلاق الرفيعة التي تحترم الآدمية -بصرف النظر عن معتقدها- هل يعقل أن يتدنى صاحبها ليأكل أموال الناس بالباطل ويسطو على ما ليس له؟

متى تجوز الرشوة؟

قال أبو الليث السمرقندي الفقيه: لا بأس بأن يدفع الرجل عن نفسه وماله بالرشوة.

وهذا كما روي عن عبد الله بن مسعود أنه كان بالحبشة فرشا دينارين وقال: «إنما الإثم على القابض دون الدافع» (١٤).

وعن وهب بن منبه أنه سُئل: الرشوة حرام في كل شيء؟ فقال: لا، إنما يكره من الرشوة أن ترشى لتُعطى ما ليس لك أو تدفع حقًّا قد لزمك، فأما أن ترشو لتدفع عن دينك ودمك ومالك فليس بحرام.

ويلحق به ما يفرض فرضًا على الناس في بعض المصالح من المال الذي لو لم يدفعه لا تُقضى مصلحته، فعندئذ يدفع والإثم على من ألجأه إلى أن يصل إلى حقه بهذه الطريقة.

--------------------------------

الهوامش

(۱) د. يوسف القرضاوي - الحلال والحرام ص: 318.

(۲) الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي 6/184 بتصرف.

(۳) سنن البيهقي الكبرى 6/355 حديث (۱۲۷۹۹)

(٤) صحيح سنن أبي داود 2/568 وأخرجه البخاري ومسلم.

(٥) فتح الباري بشرح صحيح البخاري م١٣ / ١٥٣ طبعة ۱۳۷۹ - دار المعرفة بيروت لبنان.

(٦) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب من سئل علمًا وهو مشتغل في حديثه ١ / ٣٣ حديث رقم ٥٩

(۷) صحيح سنن ابن ماجه ۲/ ۳4.

(۸) صحيح الإمام مسلم- كتاب الزكاة- باب قبول الصدقة من كسب طيب وتربيتها 2/703 حديث (١٠١٥).

(9) صحيح سنن ابن ماجه 2/34 حديث 1871.

(10) السلسة الصحيحة 2/574 حديث 906.

(11) صحيح الإمام مسلم، كتاب البر والصلة والآداب- باب استحباب الشفاعة فيما ليس بحرام 4/2026.

(12) السلسة الصحيحة 6/66 حيث رقم 2526.

(13) غاية المرام صــ268 حديث 475، وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

(14) الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي 6/184 يتصرف.

الرابط المختصر :