; جوارحك أيها الإنسان.. ما لها.. وما عليها.. (۲).. سيد الجوارح وأميرها | مجلة المجتمع

العنوان جوارحك أيها الإنسان.. ما لها.. وما عليها.. (۲).. سيد الجوارح وأميرها

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 23-سبتمبر-2006

مشاهدات 62

نشر في العدد 1720

نشر في الصفحة 56

السبت 23-سبتمبر-2006

هل سمعت عن إنسان يعيش بلا قلب ويحيا بلا وجدان؟! إن من يتناجى بهذا الكلام بالتأكيد سوف نتهمه في عقله ونطعن في نجواه لكننا حين نتحدث عن القلب قد نقصد به ذلك العضو الصغير في صدر الإنسان وتلك العضلة الغالية التي تنبض وتدق بانتظام، مشيرين بذلك إلى أهميته في بقائنا على قيد الحياة، حيث يمد جميع البدن بالدم اللازم لقوام تلك الحياة.

والدليل على ذلك انزعاج بعضنا حين يصيبه خلل أو ضيق في أي شريان وإذا كانت حياة الجسد عادة تتعلق وتتبع صحة ذلك القلب، فلا شك أيضًا أن حياة الروح وصلاح الجوارح تتبع صلاح القلب وتقواه حين نقصد به معنى آخر وهو العقل والوجدان والإدراك، أو مركز الشعور في الإنسان الذي به يختار طريقه من إيمان أو كفر، ورشاد أو غي، لذا فستقصر حديثنا الآن عن القلب المقصود به تلك الجارحة التي يحاسبنا الله تعالى عليها والتي قال عنها: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء: 88-89)، فهو المخاطب والمعاقب

والمعاتب والمطالب يقول أبو هريرة مري القلب ملك والأعضاء جنوده، فإذا طاب الملك طابت جنوده، وإذا خبث القلب خبثت جنوده والقلب مستقر الإيمان لذا فإن تصديقه وأعماله وحركاته من خوف ورجاء ومحبة وتوكل وإنابة وخشية هي أعظم أركان الإيمان عند أهل السنة والجماعة، وإذا فقد القلب ذلك فقد معه الإيمان، ومن أجل هذا كان المنافقون في النار حيث تخلفت قلوبهم عن شهادة الحق وامتنعت عن التصديق، وخدعوا أنفسهم قبل خديعة الناس.

من أي القلوب قلبك؟

وقد ذكر الله تعالى أنواعًا من القلوب في القرآن الكريم، كما ذكرت في السنة المباركة، والقلب محل الإيمان والخشوع والتسليم والإذعان، وهو مقر غراس الأعمال الصالحة ومستقر النية الصادقة وأرضها الخصبة التي تحيا بالإخلاص فتأتي بالخير الوفير والثمار المباركة. وهو أطيب ما في جسدك أيها الإنسان وعنوان صلاحك وعلامة خشيتك وتقواك، وإذا صلح صلحت بصلاحه بقية الأعضاء.. «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» متفق عليه. لذا فقد كان من دعاء رسول الله ﷺ: «اللهم اجعل في قلبي نورًا» متفق عليه. وبين لنا السبب الذي من أجله سمي القلب قلبًا فقال: «إنه ليس أدمي إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام، ومن شاء أزاغ» (الترمذي). ولهذا كان كثيرًا ما يدعو: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» (الترمذي). 

وفي القرآن الكريم آيات كثيرة ذكرت أنواعًا من القلوب، ومن هذه الأنواع القلب السليم الخالي من الشرك المطمئن بالإيمان المنيب التائب إلى الله الوجل عند ذكره التقي الذي يعظم شعائره الحي باستجابته لأوامره، كما ذكر أنواعًا أخرى من القلوب الظالمة، كالقلب المريض بالشك والنفاق، والأعمى الذي ضل الطريق، والآثم الذي يكتم الحق، والمتكبر على عباد الله الغليظ الذي نزعت منه الرحمة، القاسي الذي لا يخشع لذكر مولاه الغافل عن دوره ورسالته في هذه الحياة.

ادع الله أن يرزقك قلبًا سليمًا

وهو القلب الذي سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومن كل شبهة تعارض خيره، فسلم من عبودية ما سواه، وسلم من تحكيم غير رسوله، فخلصت عبوديته لله تعالى إرادة، ومحبة، وتوكلًا، وإنابة، وإخباتًا، وخشية، ورجاء، وخلص عمله لله، فإن أحب أحب في الله، وإن أبغض أبغض في الله، وإن أعطى أعطى لله وإن منع منع لله، ولا يكفيه هذا حتى يسلم من الانقياد والتحكيم لكل ما عدا رسوله ﷺ، فيعقد قلبه معه عقدًا محكمًا على الائتمام والاقتداء به وحده دون كل أحد في الأقوال والأعمال، فلا يتقدم بين يديه بعقيدة ولا قول ولا عمل، قال تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الحجرات: 1).

هل يمرض القلب أو يهرم ويشيب؟

إن قلبك أيها المسلم جوهرة نفيسة ولؤلؤة غالية لا بد له من العناية والرعاية، فهو يحتاج دومًا لذكر الله كي يحيا ويطمئن ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28)، وهو قلعة عظيمة يحاول الشيطان جاهدًا دون ملل أو كلل أن يخترق جدرانها ويقوض بنيانها، وله مداخل كثيرة تساعده على الوصول إلى مآربه ومطامعه، بالمكر والخداع تارة وبالحيلة والدهاء تارة أخرى، حتى إذا ما دخل ضعف القلب ومرض وقد يصيبه الهرم ويظهر به الشيب فيتغير حاله ويصبح لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا ليصل بذلك إلى أعلى المراتب من الفساد وأخطر أنواع الأمراض، ومن العجيب أنك تعينه على ذلك في لحظات البعد والغفلة والنسيان والقسوة فتسبب الموت والهلاك، وتلك هي المصيبة الكبرى والفجيعة التي نستعيذ بالله تعالى منها. لذا فقد قال رسول الله ﷺ: «إذا أراد الله بعبده خيرًا جعل له واعظًا من قلبه» (الديلمي).

من أسباب مرض القلب

إن من أسباب مرض القلب الجهل بالحلال والحرام، وظهور الفتن، وكثرة الشهوات والمعاصي، والوقوع في الشبهات كما أن من أسبابه الرئيسة الغفلة عن ذكر لله، واتباع الهوى، والرفقة السيئة التي تبعدك عن طريق الله، وأكل الحرام الذي تجعل بينك وبينه حجابًا، وإطلاق البصر فيما حرم الله، وهو سهم حاد من سهام إبليس يصيد به تلك القلوب الضعيفة كذلك الغيبة والنميمة وأكل لحوم الناس مع الانشغال بالدنيا وجعلها الهم، والقصد، والغاية، والهدف. 

إن صاحب هذه الأمراض الخطيرة قد فتح بنفسه الباب وسهل الطريق الدخول الشيطان إلى قلبه، حيث نام حراس مداخله وغفل جنوده عن مهمتهم في حفظه فأوجدوا ثغرات لاختراقها، بل أضاف إلى ذلك تعرضه المباشر لبكتيريا المرض وفيروساته القاتلة من خلال الغضب والشهوة، والحسد، والحرص والطمع، وفضول الطعام والنوم والنظر والكلام والمخالطة، وعن طريق التعصب للمذاهب والأهواء وانشغاله بذلك عن إصلاح نفسه، وكذلك العجلة وعدم التثبت في الأمور.. «والعجلة من الشيطان والتأني من الله تعالى» (الترمذي). أما حب المال من الدراهم والدنانير وسائر أصناف الأموال من العروض والدواب والعقار، والبخل خوف الفقر، فذلك من وعود ودعوات الشيطان للصد عن سبيل الله، لذا فقد قال سفيان: «ليس للشيطان سلاح مثل خوف الفقر، فإذا قبل ذلك منه أخذ في الباطل ومنع من الحق وتكلم بالهوى وظن بربه ظن السوء».

من أمراض القلوب

إذن فأسباب مرض القلب كثيرة تبعًا لكثرة المداخل، وإذا ما دخل الشيطان قلبًا اعتل ومرض فخالطه الشك والنفاق والريبة وملأه الغل والحقد والرياء والكبر لذلك حين قيل: يا رسول الله، من خير الناس؟ قال: «كل مؤمن مخموم القلب فقيل: وما مخموم القلب؟ فقال: هو التقي النقي الذي لا غش فيه ولا بغي ولا غدر ولا غل ولا حسد» (ابن ماجه)

ولهذا كان نظر الله تعالى إلى القلوب لا إلى الأجسام، كما قال رسول الله ﷺ: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (مسلم). وكان «قلب المؤمن أجرد فيه سراج يزهر وقلب الكافر أسود منكوس» (الطبراني).

العلاج الناجع والدواء الشافي

كلنا يطلب دواء الجسد إذا مرض والأولى والأهم طلب الشفاء للقلوب العليلة لتسلم، وأساس صحتها وسلامتها في إيمانها بالله عز وجل وزيادة ذلك الإيمان باستمرار الذي محله تلك القلوب، ورمضان فرصة لها العمل الطيب ومحطة منمحطات الاستشفاء والتقوية، فأين تجد الراحة والعلاج الفعال لقلبك؟ إنك بلا شكستجده في:

  • كمال محبة الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ (البقرة: ١٦٥). ويتحقق الحب بالإيمان الصادق بالله عز وجل وتنقية القلب من الشرك وما يؤدي إليه، ثم التقرب إليه بالنوافل بعد الفرائض وقراءة القرآن وتدبره ودوام ذكره سبحانه على كل حال، وإيثار محابه على هوى النفس ومحابها، كما يكون بمطالعة القلب الأسماء الله وصفاته ومشاهدتها ومعرفتها وانكساره بين يدي الله عز وجل.
  • الإخلاص: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام: 162-163).
  • حسن المتابعة: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ( الأحزاب: ٣٦).
  • ذكر الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28).. ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (الإسراء: 82)، وقال أنس بن مالك: «إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله خنس، وإن نسي التقم قلبه». والخطم: مقدم الأنف والفم.
  • المراقبة والمحاسبة: يقول ابن القيم وهلاك النفس من إهمال محاسبتها، ومن موافقتها واتباع هواها، ولذلك ورد في الأثر: «الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني» (الترمذي). 

فعلى الإنسان المحافظة على سلامة قلبه من العلل والأمراض قبل فوات الأوان، والأخذ بأسباب صحته وحياته، والوقاية خير من العلاج كما يقولون، كما أن على كل مريض اتباع الإرشادات الخاصة بالعلاج وتنفيذها بدقة حتى يأتي الشفاء عاجلًا بإذن الله وينعم بعدها بقلب خاشع وجل، أواه منيب مطمئن بذكر الله يتذوق حلاوة العبادة في شهر رمضان ويصوم فيه عن الوساوس والخواطر والأخلاق السيئة التي تمرضه، ويتمتع بصحة إيمانية طوال العمر، فيكون بحق سيد الجوارح وأميرها المطاع.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل