; حركة النهضة.. رؤية نقدية والرد | مجلة المجتمع

العنوان حركة النهضة.. رؤية نقدية والرد

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 16-يونيو-2001

مشاهدات 55

نشر في العدد 1455

نشر في الصفحة 40

السبت 16-يونيو-2001

وضعت بيضها كله في سلة واحدة

اعتدالها الفكري لم يقترن باعتدال الممارسة

د. خالد شوكات (*)

تميزت حركة النهضة التونسية في مجال الحركات الإسلامية في الوطن العربي، بطروحاتها الفكرية المعتدلة التي وجدت ترحيبًا كبيرًا بها عند غير الإسلاميين، كما استحقت تنويه العديد من المفكرين المعاصرين الذين وجدوا فيها نفسًا تجديديًا ومعاصرًا قل نظيره على مستوى العمل الحركي الإسلامي ومن أهم طروحات حركة النهضة التونسية التي استحقت التنويه والإعجاب، خصوصًا لدى غير الإسلاميين، دفاعها عن الديمقراطية كنظرية فكرية سياسية ملائمة لتحقيق التعايش بين الحركات الإسلامية وغيرها من القوى السياسية النشطة في المجتمعات الإسلامية وكتراث إنساني يتفق مع المرجعية العامة التي وضعتها الشريعة الإسلامية لنظام الحكم.

(*) صحفي وكاتب تونسي، رئيس المنتدى التونسي في هولندا.

إلا أن النضج الفكري الذي عرفت به حركة النهضة في الأوساط الثقافية والسياسية العربية، لم يقترن في نظر العديد من المثقفين التونسيين المعروفين بخلفيتهم العروبية والإسلامية بنضج سياسي ورشد على مستوى الممارسة، حيث ارتكبت القيادة السياسية للحركة الإسلامية التونسية أخطاء قاتلة في السنوات الأولى التي تلت تغيير 7 نوفمبر ۱۹۸۷م، أفضت عمليًا إلى القضاء على تنظيمها وإقصائها بشكل شبه كلي عن الحياة السياسية التونسية.

ويمكن القول إن حركة النهضة التونسية قد دفعت أغلى ثمن يمكن لحركة سياسية أن تدفعه حين تخطئ قيادتها في قراءة الواقع السياسي الذي تتحرك فيه من جهة، وفي تقدير قوتها الحقيقية في التأثير على هذا الواقع من جهة أخرى، إذ ليس ثمة أغلى ثمنًا من الإقصاء والتهميش وسجن الأتباع وتهجيرهم والقضاء على أمالهم في المساهمة في صناعة حاضر بلادهم وغدها، وتتجلى أخطاء القيادة السياسية الحركة النهضة التونسية في الفترة الفاصلة بين سنتي ۱۹۸۸و ۱۹۹۲م، كما لاحظ ذلك عدد من المتابعين، فيما يلي:

1. سوء تقديرها لقوتها السياسية، حيث ظن قادة الحركة -وربما وللأسف لا يزالون- أنهم يمثلون القوة السياسية الأولى في تونس، أو بالأحرى القوة السياسية التي لا يمكن هزيمتها، حتى وإن كان الخصم هو الدولة بما تمتلك من موارد وإمكانات.

2. سوء تقديرها لقوة النظام أو الدولة، فقد كان قادة الحركة يتصورون أن حركتهم التي هزمت بورقيبة أو كانت المساهم الرئيس في إضعاف نظامه لن يحدث أحد نفسه بتجاوزها أو مهاجمتها والقضاء عليها.

3. عدم إيمانها بجدوى التنوع والتعدد في مجال العمل الإسلامي، ووضعها بيضها كله في سلة واحدة، مما أفضى إلى أن تكون خسارتها ساعة إعلان النتيجة فادحة وشاملة، وليس خسارة جزئية كما وقع في بلدان عربية أخرى جرت فيها المواجهة بين الحركة الإسلامية والدولة.

4. الازدواجية في الممارسة، ففي حين ما فتى قادة الحركة يؤكدون على طابعها السياسي السلمي، اكتشف عدد كبير من أتباعها لاحقا. أنهم كانوا أعضاء في حركة تملك جناحًا خاصًا، مستعدًا لممارسة العنف وتغيير نظام الحكم بالقوة.

5. الفشل الذريع في تقدير الموقف الصحيح الواجب اتباعه في قضايا عربية متفجرة، كما كان الأمر في موقف الحركة خلال حرب الخليج الثانية، وهو الموقف الذي مالأت فيه قيادة حركة النهضة نظام الدكتاتور العراقي صدام حسين، وضربت من خلاله عرض الحائط بمصالح أطراف عربية عرفت بدعمها الكبير للتيارات العروبية والإسلامية المغاربية.

وقد تعود هذه الأخطاء ربما، إلى عوامل عديدة متشابكة، منها ما يتصل بخصوصيات الشخصية التونسية المتعالية والمحتقرة والمقللة من شأن الآخرين غالبًا، ومنها ما له علاقة بمعتقدات خاطئة صورت للبعض أن مصلحة الإسلام هي مصلحة الحركة، وأن مصلحة الحركة هي مصلحة قيادتها، وتحديدًا مصلحة شيخها الذي وصفه الصحفي التونسي المعروف توفيق بن بريك مؤخرا بأنه «قائد خائن ترك ساحة المعركة ورحل بعيدًا مخلفًا وراءه جيشه وعساكره».

لقد كان بمقدور حركة النهضة لو تواضعت للنصائح التي قدمت إليها من داخلها وخارجها، وأبدت مرونة في التعاطي مع الوقائع السياسية المحلية والدولية في حينها، وأمنت بأن «نصف الوجود خير من العدم»، أن ترسم لنفسها مسارًا مختلفًا عما هو عليه الحال اليوم.

والمؤسف جدًا أن ذات القيادة ما تزال مصرة على ذات النهج المتشدد والمتعالي في التفكير والممارسة، والذي اختلف فقط عندها هو المبرر، حيث كان سابقًا الدفاع عن مكانة الحركة السامية، وأضحى اليوم الدفاع عن نهج الثبات على المبدأ والصبر على الابتلاء.

ردا على خالد شوكات

نعم. هذا كل ما جنته النهضة

سكينة الزواري

كثيرًا ما تكون الابتلاءات والمحن محكًا لاختبار معادن الرجال وغربلة الصفوف من تسربات النهازين الذين يربطون ولاءاتهم السياسية والفكرية بحسابات الربح والخسارة وبميزان القوى المتحرك فتراهم يميلون حيث مالت كفة القوى بسلطان السياسة والمال والجاه الدولي.

هذه ظاهرة معلومة ومشهودة في كثير من الأحزاب السياسية لم يسلم من تسرباتها المحدودة تيار الحركة الإسلامية بما في ذلك الحركة الإسلامية في تونس ويمثل نفر قليل من الأفراد الذين كانوا يقفون على تخوم الحركة الإسلامية التعبير الأكثر فجاجة عن هذه الوصولية السياسية، فقد كان هؤلاء يرقبون مجريات المعركة، وما يمكن أن تتمخض عنه من نتائج ليحددوا في ضوء ذلك نوعية مواقفهم ومواقعهم وولاءاتهم فلما أدركوا أن مقادير المغارم في المرحلة الجديدة أثقل بكثير من المغانم التي كانوا يتلهفون عليها قفزوا من على ظهر السفينة، واستداروا على أعقابهم، فأصبحت بموجب ذلك حركة النهضة- التي كانوا يشيدون باعتدالها، وانفتاحها أيام الرخاء، أصبحت بين عشية وضحاها رمزًا للتشدد والتطرف وسببًا في كل الماسي والرزايا التي حلت بتونس وأهلها، وعوض أن ترتفع أصواتهم لنصرة إخوانهم المسيجين وراء القضبان والمهددين في أبدانهم وأرواحهم بالموت أصبحوا يقدمون شهادات الاستحسان للجلاد وتجريم الحركة التي كانوا ينتسبون أو يطلبون الانتساب إليها، ومن ثم تقديم كل المسوغات السياسية والإعلامية للولوغ في دم الضحية وشنقه، ما نقوله هنا ليس من قبيل المبالغة والتجني، بل هذه هي الحقيقة المرة التي يعلمها شوكات وبعض زملائه قبل غيرهم ممن أداروا مرمى سهامهم باتجاه حركة النهضة، فبدت ألسنتهم تلهج بالتملق الرجال الحكم والثناء على منجزاتهم، في الوقت الذي كانت الأجهزة الأمنية تمرق حجاب النساء في الساحات والطرقات العامة ويمنعن حتى من الولادة في المستشفيات العامة ما لم ينزعن غطاء الرأس، وفي الوقت الذي كانت تحاصر فيه المساجد ويتم تعقب الشباب لمجرد شبهة الصلاة، وذلك في إطار خطة مديرة للاعتداء على الدين وأهله أطلقوا عليها خطة تجفيف المنابع ويهمنا هنا إبداء بعض الملاحظات السريعة على مقالة خالد شوكات:

أولًا: يذكر لشوكات هذه المرة بعض التزحزح عن مواقفه المعلنة سابقًا، ومن مظاهر هذا التطور الاعتراف بالطروحات الفكرية المعتدلة الحركة النهضة، التي نالت بموجبها على حد قوله تنويهًا، واعترافًا من طرف الكثير من المفكرين، خلافًا لما عرف عنه سابقًا من إدانة كاملة وحاسمة لحركة النهضة فكرًا وممارسة وتجربة وقيادة ولعل التطورات التي شهدتها الساحة السياسية التونسية وإعادة طرح الملف الإسلامي مجددًا إلى جانب فشل سياسات الاستئصال التي نهجها نظام الحكم على امتداد العشرية الأخيرة هي التي فرضت على شوكات وبعض رفاقه تعديلًا في المواقف ومراجعة ولو جزئية للخطاب والحسابات السياسية، كان الظن الغالب أن حركة النهضة بسبب قوة الهجمة التي تعرضت إليها في طريقها. للاندثار والتحول إلى عداد المرويات التاريخية لا غير، ومن ثم كان قارب النجاة الوحيد بالنسبة لهؤلاء القوم، رحلة الانتقال إلى الضفة الأخرى، وما اقتضاه ذلك من مجاهرة بالسخط على الحركة، وإثبات الولاء لرأس الدولة بمناسبة وبغير مناسبة، وقد وصل الأمر حد التعلق الزوجة الرئيس وعائلته وأقربائه، والادعاء أنهم لا تفوتهم صلاة في وقتها. أما اليوم وبعد أن اشتد الخناق على نظام الحكم في تونس وكثر ضحاياه، وكذا أعداؤه في الداخل والخارج، وبعد أن أصبح كلًا على أصدقائه ومشايعيه قبل أصدقائه، فقد غدا الدفاع عن خياراته والمجاهرة بالولاء له مكلفًا من الناحية السياسية والمصلحية، وهكذا كما امتطى السيد خالد شوكات موجة الإدانة للحركة الإسلامية التونسية قبل سنوات لا نستغرب أن يمتطي في المراحل القادمة موجة الساخطين والناقمين على نظام الحكم، فقد أصبحت أسهم المعارضة هذه المرة مرتفعة، في حين بدت أسهم السلطة في تراجع مخيف، الأمر الذي يهدد ما تم بناؤه في السنوات الماضية من مكاسب ومغانم.

ثانيًا: لن نذيع سرًا إذا قلنا إن حركة النهضة قد قيمت تجربتها السابقة وأدارت حوارًا موسعًا بين أبنائها خلال السنوات الماضية التي تلت المحنة، وقد نشرت خلاصات جهدها التقييمي سنة ١٩٩٦م، على إثر مؤتمرها السادس، وبمناسبة الذكرى الخامسة عشرة لتأسيسها معترفة بالكثير من قصورها وضعفها في إدارة الصراع، وهي تفتح عقلها وقلبها لكل رأي سديد من أي جهة كانت، وخصوصًا إذا كان الأمر من جهة إخوانها وأشقائها من أبناء الحركة الإسلامية الذين تقاسموا معها بلاء المحنة ومعاناة الهجرة، ولكن مع كل ذلك، فإن الحركة الإسلامية التونسية ومهما كانت أخطاؤها وعثراتها ليس في سجلها ما يدعو إلى التبرؤ أو التبرم من تاريخها ورجالاتها، كما أن ذلك لا يغير من حقيقة المشهد شيئًا وهو كون النظام الحاكم في تونس نظامًا متسلطًا على رقاب الناس، ومتطاولًا على الدين وأهله، وهب أن حركة النهضة ارتكبت أخطاء في تقدير الحسابات السياسية فهل في ذلك ما يبرر الانتقال إلى الخندق الآخر والتمسح بعتباته.

ثالثًا: ليس من المناسب الاختفاء وراء الصحفي الماركسي التروتسكي توفيق بن بريك، بل كان من الأجدر والأشرف قول كلمة الحق إذا كانت في محلها بصورة مباشرة ودون لف ودوران، ولا ندري لماذا التقط شوكات ما قاله الصحافي الماركسي حول الشيخ راشد الغنوشي، ونسي هجومه على دين البلاد وأخلاقها، وتعبيره على الهواء مباشرة عن اشتياقه لشرب «كأس» مع صديقه حمة الهمامي رئيس حزب العمال الشيوعي التونسي، لأنه يحسن مبادلة الكأس وقد سبق أحد الصحافيين الماركسيين زميله بن بريك فكتب مرة مقالًا بعنوان: «ألف موشي «موشي دايان» ولا غنوشي»، نشرته صحف الدولة التي يتولى خالد شوكات الدفاع عنها.

ورفعًا لكل التباس وغموض، فإن حركة النهضة لم تعتبر نفسها في أي يوم من الأيام وصية على الإسلام ولا «الممثل الشرعي والوحيد للإسلام»، خاصة أنه لا توجد في الإسلام كنيسة بابوية -بفضل الله- تحتكر حق النطق باسم الدين، بل تعتبر نفسها مجرد حلقة من حلقات الإحياء الإسلامي في تونس، وهي ترحب بكل جهد دعوي وإصلاحي، وكل ما من شأنه إعادة الاعتبار للإسلام وحماية أرصدته في تونس فمصلحة الإسلام فوق كل اعتبار، ومصلحة أوطان الإسلام وامته فوق كل شيء، ومصلحة الجماعات متقدمة على مصالح الأفراد مهما علا شأنهم وارتفعت مكانتهم.

رابعًا: لم يعرف عن حركة النهضة ميل نحو التشدد والتطرف، بل الاعتدال كان سعتها الثابت منذ أن جاهرت عن نفسها سنة ١٩٨١م، ولطالما انتقدت الحركة الإسلامية التونسية لشدة انفتاحها واعتدالها السياسي وكل مراقب نزيه للشأن الإسلامي، قد توقف عند السمت الاعتدالي والانفتاحي لحركة الاتجاه الإسلامي «النهضة حاليًا». لقد دعت حركة النهضة، وما زالت تدعو إلى المصالحة الوطنية الشاملة التي لا تستثني أحدًا، وأياديها ممدودة لكل جهد إصلاحي، وكل إرادة جادة لرفع المظالم واستعادة الحقوق، وفي مقدمة ذلك سن عفو تشريعي عام يخلي السجون من المعتقلين الذين يبلغ عددهم زهاء الألف، ورفع كل القيود المفروضة على الحياة السياسية والكف عن الاعتداء على الدين ومؤسساته، ويكفي النهضة فخرًا أن خصومها عندما يجتهدون في إحصاء عيوبها، كما فعل شوكات لا يجدون إلا «سوء تقديرها لقوة النظام أو الدولة»، و«الدفاع عن مكانة الحركة السامية»، و«الدفاع عن نهج الثبات على المبدأ والصبر على الابتلاء».

أما عن قول شوكات، إنه ليس ثمة أغلى ثمنًا من الإقصاء والتهميش وسجن الاتباع وتهجيرهم والقضاء على أمالهم، فلا تعلم هل سينفعه تذكيرنا إياه أن ذلك سنة إلهية ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُم ﴾( التوبة: 16) ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 155)، ولقد صبر أبناء النهضة طيلة عشرية كاملة، تعرضوا فيها في زنزانات الدولة التي يدافع عنها شوكات الأقسى ما يمكن أن يتعرض له بشر، واحتسبوا وهم اليوم يستعدون لمغادرتها مرفوعي الرأس شامخي الهمة، المئات منهم قد حفظوا كتاب الله عن ظهر قلب، ومتون الفقه واللغة بما يؤهلهم بعد ما قضوه في مدرسة يوسف -عليه السلام- القيادة الصحوة التي عادت مساجد تونس تضج بها.

 أما الخسران المبين الذي لا أظن خالد شوكات يعلم عنه شيئًا، فهو أن يبيع الإنسان ذمته مقابل متعة زائلة ويغمض عينيه عن انتهاك أعراض المؤمنات من اغتصاب ونزع للحجاب معتبرًا أن الخطأ خطوهن وخطأ الذي أمرهن بلبسه الثمن الغالي حقيقة هو الذي يدفعه من يبيع أخرته بدنيا غيره والعياذ بالله الخسران المبين هو أن يتعالى الإنسان على شعب بكامله هو الشعب التونسي فيصفه بكل النعوت محقرًا «الآخر مقللًا من شأنه».

﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ (الروم: 52)

الرابط المختصر :