العنوان بالرغم من ذلك كله سيولد عصر جديد ينتصر فيه الخير
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 06-أبريل-1999
مشاهدات 63
نشر في العدد 1344
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 06-أبريل-1999
رأي المجتمع
بالرغم من ذلك كله.. سيولد عصر جديد ينتصر فيه الخير
يواجه عالمنا الإسلامي حرب استنزاف مدمرة، تهدف إلى تصفية الحسابات مع أمة ذات حضارة، لمحاولة استئصال وجودها، أو- على الأقل- تحجيم دورها الطليعي، وإلغاء فعلها، وتهميش حركتها، كي لا تشرئب أعناق الطامحين من أبنائها لاحتلال موقع متقدم، في عالم لا يعبأ بالمتخلفين، ممن لا يثيرون مخاوف الغرب، الذي قسم العالم إلى أرباع، تربع على رأس الربع الأول منها، مغرورًا مدججًا بالسلاح والتكنولوجيا، ليترك خراب الأرض لأرباعها الثلاثة، وفيها من لا أثر لهم في حلبات الصراع الحضاري المحتدم، فنصف سكان الأرض في الهند والصين، ومعترك الصراع الملتهب يدور على أرض الربع الأخير التي تمدد عليها عملاق جريح ممزق، تناثر لحمه وأجزاؤه في دويلات عالمنا الإسلامي التي يقبع بعضها في بلعوم الغرب لقمة دسمة سائغة.
وقد اكتشف الغرب الاستعماري أن عنصر التحدي في هذا العالم الإسلامي، لا يكمن في ثرائه، ولا سعة أرضه، أو كثرة خيره، ولا في تعداد نفوسه التي تربو على المليار مسلم، وكأن أعداءنا قد قرأوا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم حينما خاطب أصحابه، قبل أكثر من 14 قرنًا: «كأني بكم وقد تداعت عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على القصاع» قالوا أومن قلة نحن يا رسول الله: قال صلى الله عليه وسلم: «لا ولكنكم غثاء كغثاء السيل».
عنصر التحدي يكمن في ما من شأنه أن يوحد الأمة، ويجمع شملها وشتاتها، وينفخ في جسدها العليل العافية، ويمنحها البركة والقدرة على الحركة، وهو ما يعني أن يكون الإسلام دينًا وحضارة، ومشروع حياة، وبرنامج عمل، ولذلك سعى الغرب جاهدًا لفصله عن الأمة، وغيبه عن وعيها، من خلال قوانين غريبة سنها، أو مشاريع سياسية أنجزها، ومناهج تربوية وثقافية أفشاها، فعاشت الأمة عزلتها عن تاريخها وتراثها وحضارتها، كما قطع ارتباطها بجغرافيتها، من خلال تقطيع أوصالها بحدود مصطنعة، ومرسومة على خارطة تثير الشكوك وتؤجج الفتن والحروب، كلما اقتضت مصلحة الغرب ذلك ثم نسف جسورعلاقتها بالسماء ووحيها المبين، ليجردها من كل أسلحة الدفاع والمقاومة، وليصير منها فريسة في غابة المصالح، تنهشها ذئاب الاستعمار، وتملأ من خيراتها أكراشًا لا تعرف الشبع، ولا تقنع بنهب أو سلب، مهما كثر، وامتد زمانه، ولذلك ظلت الدوائر الغربية تتوجس خيفة من أن ينهض هذا العملاق الممزق، أو يستعيد وعيه، فينتصب في قمقمه ماردا صاعدًا، يتصدى ويتحدى، ويتمدد على مساحات الأرض التي مل أهلها حياة الجدب الروحي، والجفاف المعنوي، والتعفن الأخلاقي، ولذلك أغلق أعداء الأمة- عاجزين- أبواب الحوار الحضاري معها، ورفعوا مقامع القهر لتنزل على رأس من تحدثه نفسه بالتطلع نحو الآفاق، أو يهمس بطموح مشروع.
ومن هنا بدأت حرب جديدة، لا تختلف عن حروب الاستعمار في الهدف، وإن اختلفت في الآليات، مهمتها تكريس الاستعمار، وإبقاء الأمة الإسلامية على ما هي عليه من تخلف وأدواء وتشرذم وخواء تحت شعار «دمروا الإسلام وأبيدوا أهله» لأنه العدو رقم واحد في قائمة الأولويات، بعد أن أدرك دهاقنة السياسة في الغرب أن الإسلام لم يعد- كما أرادوا له- طقوسًا جامدة، وإنما حضارة صاعدة واعدة رائدة، مرشحة لقيادة الركب الإنسان كله، بعد سقوط الأيديولوجيات المادية، وتهافت مقولاتها، وبؤس تجاربها، وخواء النتائج التي ترشحت عنها، لذا بدأت الحرب الجديدة تتخذ أبعادًا واسعة لتشمل الفكرة، والنخبة، والكثرة، فالكل في الفهم الغربي عبوات ناسفة لمصالح الغرب الجشعة، وتأسيسًا على هذا الفهم تشكلت مؤسسات وأحلاف، ومعسكرات، وجيوش، ومعدات لتجهز على الوعي المتنامي في أمة الإسلام، التي دبت في جسدها العافية ثم هي تختزن من أسباب القوة ما يؤهلها لخوض معركة المصير، ومن هنا- وفي ردة فعل هستيرية- أعلن الكفر العالمي حالة الطوارئ القصوى، لمواجهة هذا الرائد الصاعد، وبدأ تصويب الأسلحة العسكرية، والاقتصادية والثقافية، والإعلامية لكل مقاتل الأمة الإسلامية، فكانت أهدافها موزعة كالتالي:
1- الحيلولة دون تجسيد النموذج الأفضل للحياة في ظلال الإسلام.
2- إعلان الحرب الشاملة على فرسان الوعي الإسلامي، وتوجيه الاتهام للتنظيمات الإسلامية بالإرهاب، والتطرف، والعنف، لتبرير قمعها في كل مكان، وبلا هوادة.
3- القضاء على البنى التحتية لبلدان العالم الإسلامي وشعوبه، وحتى تلك التي لا تتبنى حكوماتها الإسلام نظامًا للحكم والسياسة، سواء من خلال الحصار والعقوبات الدولية، أو من خلال الضربات العسكرية، أو تدمير اقتصاداتها، عبر مضاربات مشبوهة، أو هبوط عائداتها النفطية، لتشغلها بديون واستحقاقات تنكفئ فيها الأمة على نفسها وأزماتها، ولا تسمح لها بالتفكير في آفاق أوسع وأرحب بحيث لو تنامى الوعي الإسلامي يومًا لم يجد فرسانه في بلدانهم ما يعينهم على النهوض بمشروع إسلامي شامل للتنمية والتطوير.
4- ملاحقة الجماهير الإسلامية، بلا تمييز بين الملتزم منها بالإسلام فعلًا، وبين من لا يربطه بالإسلام إلا الهوية، وها هي مأساة الإنسان المسلم في إفريقيا وآسيا وأوروبا وسائر قارات العالم، وتلك جماهير المسلمين تعاني من خوف وجوع وتقتيل في أكثر من موضع.
هذه هي فصول المعركة، وتلك آليات الصراع فيها، ولكن المثير في هذه الحروب نتائجها، التي تؤكد تنامي الصحوة الإسلامية، وتجذرها، وتمددها على مساحات الكفر العالمي، حتى في عقر داره، رغم البون الشاسع في الإمكانات، ورغم تفاوت التكافؤ في القدرات، وهو ما يؤكد ولادة عصر جديد، ستنتصر فيه الروح على المادة، والعقيدة على الألم، وتتألق فيه حضارة الخير والقيم، ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (التوبة: 32).