العنوان الإعلام الإسلامي وفلسفته المميزة
الكاتب عبد القادر طاش التركستاني
تاريخ النشر الثلاثاء 12-يناير-1988
مشاهدات 63
نشر في العدد 851
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 12-يناير-1988
إن أي نظام إعلامي يخضع لمجموعة من الأسس والمنطلقات العقدية والفكرية
والحضارية، ومن خلال هذه الأسس والمنطلقات العامة التي يمكن أن نصطلح على تسميتها
بـالإطار الفلسفي، يتحرك النظام الإعلامي بمختلف نشاطاته ووسائله، ليحقق غايات
معينة وأهدافًا محددة. وفي ضوء هذه الحقيقة يمكننا تصنيف الأطر الفلسفية والفكرية
التي تتحرك فيها النظم الإعلامية في العالم. ففي البلدان الغربية يتحرك الإعلام في
إطار التراث الفلسفي الليبرالي الذي يقوم على تمجيد حرية الفرد في التعبير، كما
يقوم هذا التراث على منع السلطة الحاكمة في الدولة من التدخل في حرية الإعلام،
ويعد الإعلام بمثابة الحارس لمصالح الفرد والمدافع عنها والمراقب لنشاط الحكومة.
ومن هنا نشأ وصف الإعلام في العالم الغربي بأنه «السلطة الرابعة» إلى جانب السلطات
الثلاث المعروفة: التشريعية والقضائية والتنفيذية.
أما في البلدان الشيوعية فإن الإطار الفكري الماركسي له سياساته وضوابطه.
والتراث الماركسي يقوم على كبت حرية الفرد وتمجيد تسلط الجماعة التي يمثلها الحزب
الشيوعي. وبذلك تقوم وسائل الإعلام في المنظور الماركسي بوظيفة مساندة للدولة لا
معارضة لها، كما هو الحال في الإعلام الليبرالي. وبناءً على هاتين النظريتين
الفلسفيتين نجد الفرق بين النظامين في تركيبهما ووظائفهما وحدود مسؤوليتهما وصور
ممارستهما للعمل الإعلامي في المجتمع. وبما أن المجتمع الإسلامي له نظرته وتصوراته
المتميزة للحياة والإنسان والعلاقات بين مختلف جوانب الحياة الواقعية، فلا بد أن
يكون له أيضًا إطار فلسفي يحكم العمل الإعلامي ويحدد طبيعة النظام الإعلامي في
المجتمع، من حيث تركيبه وملكية وسائله ومسؤوليته ووظائفه، وكذلك من حيث موقعه ضمن
النظم الأخرى التي يتفاعل معها سلبًا وإيجابًا كالنظام السياسي والنظام الاقتصادي
والنظام الاجتماعي.
فلسفة الإعلام الإسلامي
إن القول بأن هناك إعلامًا إسلاميًا أمر طبيعي ينسجم مع إيماننا بأن
الإسلام نظام متكامل ومنهج شامل للحياة كلها. وإذا كان لليبراليين الرأسماليين
إطار فلسفي يحكم إعلامهم، فإن للمسلمين أيضًا إطارًا فلسفيًا يحكم إعلامهم.
والمسلمون مطالبون دائمًا بأن يحكّموا مبادئ دينهم وحضارتهم في جميع جوانب حياتهم:
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ
الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام:162-163). كما أن المسلمين مطالبون دائمًا بأن يتميزوا
عن غيرهم، ويبتعدوا عن تقليد من سواهم، فهم أمة متفردة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ
أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ
عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة:143).
استنادًا إلى هذا التصور الأساسي، يمكننا أن نحدد مفهومنا لفلسفة الإعلام
الإسلامي بأنها «إطار فكري عام يحدد طبيعة النشاط الإعلامي من حيث منطلقاته
وغاياته، ويحدد تركيبة النظام الإعلامي في المجتمع المسلم، ويوجه مسيرة الممارسة
الإعلامية وفق تصورات الإسلام الفكرية وتشريعاته الاجتماعية وتوجيهاته الأخلاقية».
ولذلك نرى أن كثيرًا ممن يتناولون قضية الإعلام الإسلامي اليوم يحجمونها
عندما يحصرون القضية في مضمون وسائل الإعلام، وهل يكون دينيًا أم عامًا، أو
يحصرونها في أخلاقيات الممارسة الإعلامية، أو يحصرونها في أدوات الإعلام وأشكاله،
أو يحصرونها في ملكية وسائل الإعلام وهل تكون للدولة أم للأفراد أم للقطاع الخاص.
إن قضية الإعلام الإسلامي -في نظرنا- تشمل كل هذه الأمور، كما تشمل قبل ذلك
كله نظرة الإسلام إلى طبيعة النشاط الإعلامي، ومشروعيته في حياة الإنسان والمجتمع.
إن الإطار الفلسفي الإسلامي العام ينبغي أن يجيب عن هذه التساؤلات جميعًا في
الميادين الثلاثة السابقة: طبيعة النشاط الإعلامي، وتركيبة النظام الإعلامي،
وأخلاقيات الممارسة الإعلامية.
وفي تصورنا أن هذا الإطار الفلسفي العام للإعلام الإسلامي، والذي قد يسميه
البعض بنظرية الإعلام الإسلامي، لم يكتمل وجوده من الناحية النظرية، فضلًا عن
التطبيق العملي، إذ ما زالت كثير من النصوص والاجتهادات الإسلامية في هذا الصدد
مبثوثة في المصادر الأصلية للإسلام من قرآن وسنة، وفي العديد من الكتب التراثية
التي تشتمل على اجتهادات علماء المسلمين وممارساتهم الإعلامية.
ولذلك فإن الحاجة لا تزال ماسة إلى تكثيف الجهود وتنظيمها في سبيل الكشف عن
معالم هذا الإطار الإسلامي في ضوء الاجتهاد العصري الذي يربط بين الماضي والحاضر،
ليقدم في النهاية النظرة العلمية المتكاملة لنظرية الإعلام الإسلامي. وهو عمل ضخم
لا ينبغي التقليل من شأنه أو الاستعجال في نتائجه، إذ يحتاج إلى وضوح في الرؤية
وتخطيط موضوعي له المناخ الملائم لنموه وتطوره، كما تهيأ ذلك المناخ للنظريات
الإعلامية الأخرى كالليبرالية والماركسية.
الإعلام الإسلامي والإعلام الديني
أما فيما يتعلق بالعلاقة بين الإعلام الإسلامي والإعلام الديني فإنها علاقة
جزء بكل، فالإعلام الديني جزء من الإعلام الإسلامي بمفهومه الشمولي الصحيح. إن
الإعلام الإسلامي -كما أسلفنا سابقًا- إطار فكري وأخلاقي عام يحكم العمل الإعلامي
كله بمختلف صوره وأشكاله. وما دام الحديث هنا عن المضمون، فإن الإعلام الديني إذا
كان المقصود به ما يعالج المسائل الدينية البحتة كالفتاوى والتوجيه الديني
المباشر، أو ما يقتصر على تقديم مواد دينية محددة كتلاوة القرآن الكريم ونحوها، إن
الإعلام الديني بهذا المفهوم جانب من جوانب المضمون الإعلامي. وهناك جوانب أخرى
كالإعلام السياسي والإعلام الاقتصادي والإعلام الاجتماعي والإعلام الترفيهي
والإعلام العلمي، وغير ذلك من الجوانب. وحصر الإعلام الإسلامي في مجال الإعلام
الديني فقط لا يتفق مع حقيقة ذلك الإعلام أبدًا، فالإعلام الإسلامي يوجه جميع
جوانب المضمون الإعلامي، وما الإعلام الديني إلا نوع متخصص من أنواع المضمون في
الإعلام الإسلامي.
الاعتراض على مصطلح الإعلام الإسلامي
إن الذين يعترضون على مصطلح الإعلام الإسلامي يخلطون -في نظرنا- بين
مستويين من مستويات هذه القضية، المستوى الأول إطلاق الوصف في نطاق المجتمعات
الإسلامية المعاصرة، والمستوى الثاني إطلاقه في نطاق الدراسات الإعلامية ونظريات
الإعلام المختلفة. ولا شك أن الأصل هو كون الإعلام في المجتمعات الإسلامية إعلامًا
إسلاميًا، كما أن الإعلام في المجتمعات الغربية إعلام ليبرالي وفي المجتمعات
الشيوعية إعلام ماركسي.
ولكن هذا التصور المثالي ليس واقعًا بوصفه الصحيح، إذ إن واقع الإعلام
-نظريًا وتطبيقيًا- في كثير من المجتمعات المسلمة تشوبه شوائب عديدة، فنظريات
الإعلام التي تُدرس في جامعات العالم الإسلامي -إلا من رحم ربي- هي النظريات
الوافدة المشحونة بالفكر الليبرالي أو الماركسي، والنظم الإعلامية قائمة في كثير
من البلدان الإسلامية على أسس غربية أو شرقية. والممارسة العملية في مجال الإعلام
تسيطر عليها المفاهيم والقيم الغربية. وأساتذة الإعلام ممن يعارضون إطلاق وصف
الإعلام الإسلامي هم أول من يعترفون بهذا الواقع وينقدونه. أما في نطاق الدراسات
والنظريات الإعلامية فلا بد من الاعتراف بأن الإعلام ليس علمًا محايدًا كالعلوم
الطبيعية التي لا تختلف من مجتمع إلى آخر، فقواعد الرياضيات ونتائج الاختبارات
الكيميائية والتجارب الفيزيائية لا تخضع للاجتهادات الشخصية، بل تحكمها قوانين
وسنن كونية واحدة. أما الإعلام فهو فرع من العلوم الاجتماعية، يتلون دون شك
بالأفكار والفلسفات التي يعيش في أحضانها وينبع منها. لذلك اختلفت النظريات
الإعلامية أو الفلسفات بحسب اختلاف العقائد والأيديولوجيات التي تحكمها وتوجهها.
ومن ثم فإن وصف الإعلام الذي ينبع من عقيدة الإسلام وفكره وأخلاقياته بـ «الإعلام
الإسلامي» أمر طبيعي لا غبار عليه، كما يوصف الإعلام الذي يصدر من التراث
الليبرالي الرأسمالي بأنه إعلام ليبرالي، وكما يوصف الإعلام الذي يصدر من التراث
الماركسي بأنه إعلام شيوعي، بل إن هذا الوصف ضرورة لازمة تحقيقًا للتميز الذي يدعو
الإسلام أتباعه إليه: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا
لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾
(الحج:78). ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ
صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت:33).
إن القول بأن الإعلام الإسلامي لا داعي له بين المسلمين باعتبار أن حياة
المسلمين كلها إسلامية، وأن هذا الوصف تحصيل حاصل، قول صحيح إذا كانت المجتمعات
المسلمة تحكم بالإسلام وتخضع الإعلام لتوجيهات الإسلام وقيمه ومعاييره وضوابطه.
أما عندما لا يكون الأمر كذلك فإن من الخطأ أن نقبل هذا القول، إذ الإسلام ليس
اسمًا فقط، بل هو التزام عملي وممارسة واقعية.
الإعلام الإسلامي والمجتمع الملتزم
للإعلام جوانب متعددة من أهمها:
1-الإعلام باعتباره حاجة بشرية، فالإنسان بطبيعته يحب أن يَعْلَم ويحب أن
يُعْلِم أيضًا.
2-الإعلام باعتباره نظامًا أو مؤسسة اجتماعية ذات طبيعة معينة ووظائف محددة
وسياسات تحكم حركتها في المجتمع.
3-الإعلام باعتباره ممارسة مهنية ذات أخلاقيات وقيم وضوابط توجه مسيرتها.
ومن خلال تصورنا للإعلام وفق هذه الاعتبارات، يمكننا النظر في هذه القضية
الهامة، وهي «هل يمكن أن يوجد إعلام إسلامي في مجتمع مسلم، ولكنه غير ملتزم تمامًا
بالإسلام؟ أو بمعنى آخر.. هل الإعلام نتاج المجتمع أم أنه مهيأ لقيام المجتمع
المسلم الملتزم؟!».
وفي نظرنا إن قيام نظام إعلامي إسلامي متكامل رهن بقيام مجتمع إسلامي ملتزم
في نظامه السياسي والاقتصادي والاجتماعي، إذ لا يمكن عزل النظام الإعلامي عن بقية
النظم التي تحكم المجتمع، وخصوصًا إذا سلمنا بأن النظام الإعلامي يتأثر كثيرًا
بهذه النظم وفي كثير من الأحيان يكون نتاجًا طبيعيًا لها.
ولكن الإعلام -في جانبيه النظري والتطبيقي- يمكن العمل على أسلمته في
المجتمعات المسلمة التي لا تلتزم بالإسلام في نظام حكمها وأسلوب حياتها، وإن كان
مقدار الأسلمة تختلف نسبته من مجتمع إلى آخر. إن الإنسان المسلم يستطيع في مجتمعه
أن يَعلم ويُعلم وفقًا لتعاليم الإسلام وأخلاقه، كما أن العلماء يمكن أن يعالجوا
القضايا النظرية في الإعلام الإسلامي، وكذلك يمكن للإعلاميين الملتزمين بالنظرة
الإسلامية أن يمارسوا ألوانًا من النشاط الإعلامي التي تحكمها قواعد الإسلام
وضوابطه.
ورغم اقتناعنا بأن
الوضع الطبيعي للإعلام الإسلامي -بنظريته ونظامه وممارساته التطبيقية- لن يكون إلا
في كنف مجتمع إسلامي ملتزم بالإسلام في نظمه المختلفة، إلا أنه لا ينبغي التقليل
من ثمرات الجهد الذي يُبذل في المجالين النظري والعملي سواء على مستوى التنظير والتدريس
أو مستوى الممارسة المهنية؛ إذ إن هذه الثمرات ستصب في النهاية إذا ما أُحسن
التخطيط لها واستوفت حقها من الإخلاص والإتقان، في نهر دافق يسير صوب غاية كبرى هي
تحكيم الإسلام بشموله وتكامله في حياة المسلمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل