; الإدارة وخلق التقوى.. في ضوء القرآن والسنة (1) | مجلة المجتمع

العنوان الإدارة وخلق التقوى.. في ضوء القرآن والسنة (1)

الكاتب د. نورالله كورت

تاريخ النشر السبت 22-ديسمبر-2012

مشاهدات 58

نشر في العدد 2032

نشر في الصفحة 46

السبت 22-ديسمبر-2012

د. نور الله کورت[1]  د. سردار دمیرل[2]

  • قدم الإسلام مفهومًا للإدارة يستوعب كافة شؤون الحياة.
  • العمل الإداري مسؤولية عظيمة تتطلب جهدًا كبيرًا من المكلف به وإخلاصًا وإحساسا دائمًا بالتقوى ومراقبة لله تعالى حتى يكتب له النجاح.
  • كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوصي القائد والجيش دائمًا بتقوى الله سبحانه والابتعاد عن المعاصي قائلًا: إن ذنوب الجيش أخوف على المسلمين من عدوهم.

أسست الأمة الإسلامية نظامًا إداريًا ساد به المسلمون الأوائل، وقادوا به العالم خير قيادة فترة طويلة من الزمن، نرجو تكرارها في أقرب وقت ممكن حتى نبرهن للعالم عمليا أن الإدارة الإسلامية هي الإدارة المثلى التي يجب قبولها والعمل بها من طرف كل من يريد النجاح والخير لأمته.

إن الأمة الإسلامية تمر اليوم بتخلف إداري في حياتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية والتعليمية والقضائية والتنفيذية وغيرها وبالتالي تتجلى الحاجة إلى النظام الإداري الإسلامي الأصيل الذي يعلي من أخلاقية التقوى.

يقول ﷺ في الحديث الذي أخرجه البخاري: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعِ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ راع فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِه. قَالَ وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ وَالرَّجُلُ رَاعِ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رعيته» (1).

وانطلاقًا من الحديث، نعتقد أن الإدارة، أو العمل الإداري بأنواعه وأشكاله مسؤولية عظيمة تتطلب جهدًا كبيرًا من المكلف به، وإخلاصًا فريدًا منه، وإحساسًا دائمًا بالتقوى ومراقبة لله تعالى في كل حين ومكان حتى يكتب له النجاح في عمله ومهنته. 

وعلى الإداري أن يتذكر دائمًا أنه إنما عين في منصبه لأهداف إنسانية نبيلة، وبأسس قانونية يحاسب عليها أمام الله تعالى وأمام الناس لا للتسلط على رقاب الضعفاء وإهدار الأموال العامة في سبيل مصالحه الشخصية، وإغناء حاشيته الفاسدة.

ونعتقد كذلك أن أهم عامل لنجاحه في عمله، وقيامه بمهمته على الشكل المطلوب اتصافه بالتقوى وجعلها لباسًا له، كما قال تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ﴾ (الأعراف: ٢٦). 

إن مشكلات الأمة الإسلامية والشعوب المظلومة كانت ولا تزال تكمن فيمن تستروا وراء الشعارات الإسلامية، في تدبيرهم شوؤن المسلمين لتنفيذ نواياهم الخاصة من خلال إداراتهم الفاسدة، ومن هنا يتمنى المسلمون اليوم أن الأحداث التي يمر بها العالم الإسلامي تكون وسيلة لنقل الشعوب والحكومات من مرحلة الشعارات الفارغة والإدارات الفاسدة إلى مرحلة الإحساس والعمل الجاد بالإسلام الصحيح من خلال الإدارة المنبثقة من التقوى والخوف من الله سبحانه.

أما الذين لم يتجردوا عن حب الذات وشهوة المنصب، فلا يمكنهم التقدم بالأمة ورفع شأنها.

ولهذا يوجه الله تعالى نداءه القلوب المؤمنين - قيادة وكوادر - على وجه الاستفهام مصحوبًا بالود والعطف، لعلها تلين لذكر الله سبحانه، لكتاب الله الكريم، لحكم الله عز وجل وتخشع: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (الحديد:16)؛ بلى يا رب أن الأوان لتلين وتخشع هذه القلوب لذكرك، وما نزلته من الحق.. وكل ما نزلته حق.

 كان عمر - رضي الله عنه - يدرك هذه الحقائق، ويدرك أنه لا يمكن لقائد ولا لجيش قست قلوبهم لكثرة الذنوب الغلبة على العدو مهما كانت قوتهم وعددهم، ولهذا كان يوصي القائد والجيش دائما بتقوى الله تعالى والابتعاد عن المعاصي.. يقول الشيخ محمد الغزالي يرحمه الله: عندما أرسل عمر بن الخطاب تعليماته إلى قائده سعد بن أبي وقاص في جبهة فارس قال: «إني أمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسًا من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم» (٢).

فإذا كان عمر يوصي قائده وجيشه بهذه الوصية الكبرى، وفي عصر الصلاح، والتقوى والرشاد والخلافة والقوة الإيمانية، فما أحوجنا إلى تطبيق هذه الوصية في أيامنا هذه أيام الفتنة، والفساد، والحقد والحسد وضعف الإيمان، ووهن العزيمة، وإيثار الذات وأن تحذو حذو عمر في العمل الإداري وما يتفرع منه من أعمال عملًا بهذه الوصية التاريخية.

قدم الإسلام بنظرته الشمولية مفهومًا للإدارة، يستوعب كافة شؤون الحياة، بل قدم نظامًا فريدًا في تدبير الله سبحانه وتعالى للأرض والسماوات وما فيهما؛ ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (الأنبياء:22)، وكان ﷺ مديرًا ومؤسسًا لأفضل دولة إسلامية وإنسانية، فقد أسس الأقاليم والولايات حسب الحاجة، ونظم شؤون حكومته الإدارية والقضائية والتنفيذية من مسجده الذي اتخذه مقرا لحكومته الوليدة، وكان يجلس للناس، ويستقبل الوفود، ويحكم فيما شجر بينهم من المسائل والقضايا، ويعلمهم أمور دينهم، ويعين لهم العمال في الولايات والمدن لتعليمهم أحكام الدين وإقامة الصلاة وغيرها من الأحكام.

وإذا انتقلنا إلى عصر الخلفاء الراشدين نرى أن النظام الإداري في زمن الصديق - رضي الله عنه - كان امتدادًا لحد بعيد لما سار عليه ﷺ، ثم حدثت نقلة نوعية كبيرة في عهد عمر رضي الله عنه.

وفي عصر عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنهما - لم يشهد النظام الإداري كثيرا من التطور والتقدم، بسبب الاختلافات التي حدثت بين المسلمين آنذاك حتى وصل الأمر إلى ما وصل إليه من نتائج سلبية تركت في الأمة جروحًا عميقة لم تلتئم بعد.

مبادئ الإدارة في الإسلام: أهم ما يتجلى فيه معنى الإدارة في الإسلام

  1. التعاون في الوصول إلى حكم الشرع.
  2. محاولة كشف الأخطاء الملازمة للإدارة.
  3. الوصول إلى الحل السليم فيما يجد من الأمور (3).

أما أدوات الإدارة الرئيسة فهي:

  1. التخطيط.
  2. التنظيم.
  3. التوجيه.
  4. الرقابة.

أولًا: التخطيط: هو عملية فكرية تعتمد على المنطق والترتيب والتقدير والمرونة وإيجاد البدائل، ومن شواهده في القرآن قوله تعالى على لسان يوسف عليه السلام: ﴿ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ () ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ () ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ (يوسف:47-49).

وبهذا التوجيه القرآني الذي هدى الله تعالى إليه يوسف عليه السلام، فإن المسلم ملزم بالتخطيط المستقبلي لتفادي النكبات والأزمات التي قد تحيط بالأمة في كل مجال (4). 

ثانيًا: التنظيم: هو بيان وتحديد الهيكل الذي تنتظم فيه علاقات السلطة والمسؤولية، وهو كيان حي متحرك ولابد من إعداده ليتلاءم دائما مع المتغيرات الداخلية والخارجية، وهو ما جاء به الإسلام في قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ (الزخرف:23)، وهذا غاية في التنظيم، فهو تنظيم الكون والحياة بأجمعها (5)، فكلمة «أمة» في الآية الكريمة تعني الدين والطريقة كما هو معروف في كتب التفسير، والدين أو الطريقة التي أنزلها الله سبحانه غاية في التنظيم، وهدف من التنزيل.

ثالثًا: التوجيه: هو القدرة على السير الصحيح مع الموظفين، وهدايتهم وتوجيههم مع إيجاد روح الود والحب والرضا والانتماء للعمل، وقد اعتنى الإسلام بالتوجيه وأولاه رعاية خاصة لشحذ الهمم، يقول تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران:159)، وهذا توجيه أعلى للقائد والحاكم وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أو يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ۚ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (البقرة:237)، وهذا توجيه عام للمحكومين والعامة(6). 

رابعًا: الرقابة: وهي عملية ملاحظة نتائج الأعمال التي سبق تخطيطها ومقارنتها مع الأهداف التي كانت محددة واتخاذ الإجراءات التصحيحية لعلاج الانحرافات، وهي غاية الأمر ومنتهاه فبعد التطبيق الكامل يأتي دور التأكد من أن تنفيذ الأهداف المطلوب تحقيقها في العملية الإدارية يسير سيرًا صحيحًا حسب الخطة والتنظيم والتوجيه، ولعل الإداري المسلم المؤمن هو المدرك حق الإدراك حقيقة الرقابة والعمل على إنفاذها سواء على نفسه أو غيره، ومن شواهد الرقابة في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة:105)، وهذا من أعظم أنواع الرقابة الذاتية، وهنا يتفاضل الناس ليس فقط بمقدار ما يحملونه من «علوم» الإدارة، بل أيضًا بمقدار ما يجيدونه من «فنونها» وأساليب تطبيقه(7).

الهوامش

(1) أبو الحسن البكري القرطبي، شرح صحيح البخاري، تحقيق: ياسر بن إبراهيم، مكتبة الرشد السعودية، الطبعة الثانية، الرياض، ۲۰۰۳، كتاب الوصايا، باب قوله تعالى: (من بعد وصية يوصى بها أو دين، ج ۸، ص ١٥٩. 

(2) خطب الشيخ محمد الغزالي في شؤون الدين والحياة، إعداد قطب عبد الحميد قطب مراجعة د. محمد عباس دار الاعتصام القاهرة، ۱۹۸۸م، الجزء الثاني، ص: ١٦٦ - ١٦٧.

(3، 4) فوزي كمال أدهم الإدارة الإسلامية دراسة مقارنة بين النظم الإسلامية والوضعية الحديثة دار النفائس القاهرة، الطبعة الأولى، ۲۰۰۱م، ص ٥٦ بتصرف. 

(5) فوزي كمال أدهم، مرجع سابق، ص ٥٧ بتصرف.

(6-7) فوزي كمال أدهم، مرجع سابق، ص: ٥٧ بتصرف.

[1] أستاذ مشارك بالجامعة التكنولوجية الماليزية

[2] أستاذ مساعد بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا

الرابط المختصر :