; رؤية نهضة مصرأم الدنيا.. بناء رؤية أمنية جديدة لنهضة مصر.. مفاهيم وأدوات الرؤية الأمنية (1) | مجلة المجتمع

العنوان رؤية نهضة مصرأم الدنيا.. بناء رؤية أمنية جديدة لنهضة مصر.. مفاهيم وأدوات الرؤية الأمنية (1)

الكاتب ا. محمد سالم الراشد

تاريخ النشر السبت 06-أغسطس-2011

مشاهدات 72

نشر في العدد 1964

نشر في الصفحة 8

السبت 06-أغسطس-2011

‎تباعاً نتابع رؤيتنا في بناء رؤية نهضة مصر »أم الدنيا »، إذ ناقشنا في الأعداد السابقة أربعة أولويات هامة لتتصدر مشهد الحراك المدني لبناء رؤية نهضة مصر، وفي هذا العدد نتناول أولوية خامسة ومهمة وهي »بناء رؤية أمنية جديدة لنهضة مصر». 

فارقتان في الحياة الأمنية لمصر ما بعد الاستقلال؛ وهما أن الصورة الذهنية عند المصريين عن المؤسستين الرئيستين المسؤولتين عن أمن مصر الداخلي والخارجي متناقضتان، فجهاز الشرطة والأمن العام وتوابعه جهاز شرير، وجهاز المؤسسة العسكرية»الجيش» جهاز طيب ويفخر به في إذ أنه في السياق التاريخي فقد أمم جهاز الشرطة لصالح السلطة السياسية، واستبد هذا الجهاز وبشكل مستهتر، فانتهك كل الحرمات ضد الشعب المصري منذ ما يقارب تسعة عقود، وهي عمر استقلال الأمة المصرية، فلقد تم تجنيد هذه المؤسسة الأمنية في مشروع» ثورة يوليو» الصالح ديكتاتورية الفرد والسلطة الناصرية، واستمر في أداء مهامه المحرمة في عهد السادات، وبلغت ذروة الاستهتار بقيم وحياة المصريين في عهد مبارك، إذ كان لا صوت يعلو فوق صوت التوريث لجمال.

‎لقد كان جواز مرور الحياة اليومي هو الاستسلام لنزوة الأمن والشرطة؛ فلا كرامة المواطن، ولا عزة المصري، لا فرق أن يكون مسلما أو نصرانيا، أو حزبيا أو مستقلا، أو رسميا أو شعبيا، لقد كشفت ثورة ٢٥ يناير المجيدة عن عورات هذا النظام؛حيث استخدم كل الأدوات المحرمة وسحق المصريين واستباح دماءهم الطاهرة في ساحات الكرامة والثورة، واستخدم كل وسائل القمع والتعذيب والإذلال، واستند بشكل كبير على حشود من البلطجية؛لقهر المعتصمين والثوار، وفي نهاية المطاف كشف عن ممارسات بئيسة وإجرامية لهذا الجهاز الذي لطخ سمعة المنتسبين إليه، فلم يعد الشعب المصري يحترم الانتساب إليه، وقد بني هذا الجهاز الأمني؛ ليصبح الأداة والسلطة لمواجهة الشعب.

أما المؤسسة الأمنية الأخرى "الجيش" فالصورة الذهنية تختلف بشكل كبير في أذهان المصريين، إذ إن الجيش هو فخر للمصريين، ومحل الإعتزاز والعزة، فمنذ أن كان هذا الجيش نصيرًا للشعب المصري في مقاومة الإنجليز في حروب القنال والاستقلال، وثورته ضد الطغيان وديكتاتورية الملك، ومن بعد حروب ١٩٥٦م، و ١٩٦٧م، وحرب الاستنزاف، ثم النصر المبين في إعادة سيناء في حرب ١٩٧٣م. أما آخر هذه المواقف هو موقف الجيشمن ثورة ٢٥ يناير المجيدة، إذ ظل الجيش محايدًا ثم حاميًا للثورة، ثم منحازًا لصالحها، وهو لم يلطخ يده في دماء المصريين، بل وأدى التحية شامخة »لشهداء الثورة السلمية»، مما عزز مكانته في قلوب المصريين. 

إننا في الحقيقة أمام حالتين في الحراك السياسي والاجتماعي والوطني:  

الأولى: حركة المؤسسة الأمنية الداخلية »الشرطة والأمن العام وتوابعها»، وهي حركة تواجه انتقادًا واسعًا من الشعب المصري بكل فئاته، وإذ إن المواطن المصري واحتكاكه اليومي وأمنه مرتبط ارتباطا حيويًا ومباشرًا بطبيعة هذا الجهاز، وتواجده المباشر في الشارع، والمؤسسة الحكومية والتعامل القانوني وغيره، وإذا كان من الثابت أن هذا الجهاز فاسد ومفسد، فكيف للشعب المصري أن يعيش أمنه اليومي، ويمضي نهاره ويلتحف مساءه وهو لا يهنا باستقرار نفسي وأمني، ومن جانب آخر، فإن» الجيش المصري» الذي يقود حاليًا الحياة السياسية لينقلها تدريجيًا للمدنيين بعد فترة وجيزة تقدر بستة أشهر قادمة، لا يستطيع بامكاناته أن يسد فراغ هذا الجهاز الأمني، إن ذلك يضع مسألة» الأمن الداخلي والوطني والقومي»في أولويات ومهمات السلطة السياسية القادمة، بل وأن يكون من أهم التوافقات الوطنية للمصريين لبناء نهضة مصر الجديدة.

 ثلاثية الأمن المجتمعي

وحتى نستطيع تأطير رؤية أمنية واقعية لمصر النهضة، فإنه من المهم أن نقدم بمقدمة مختصرة عن» ثلاثية الأمن المجتمعي»، وهي ثلاثية متلازمة تتمثل في» الأمن من الخوف- والأمن الغذائي- وتأمين الحقوق». 

فالأمن من الخوف هو الاستقرار النفسي بتوفير الحماية للنفس والمال والعرض والدين.

 والأمن الغذائي بتوفر المصادر الرئيسة للغذاء التي تطعم الجائع، وتكسي العاري وتوفر المسكن النظيف.

والأمن الحقوقي هوالعدل والإنصاف، وإبطال الظلم، ووضع الحقوق موضعها. ومتى اختلت واحدة منهن.. اختل الأمن المجتمعي، وانتشر الفساد واختل ميزان العدالة، وطغى الفقر، وبعده المرض، والجهل وأخيرا الكفر. 

والأمن من الخوف أداته السلطة المسؤولة، والأمن الغذائي أداته العمل وتوفير الموارد، والأمن الحقوقي أداته القضاء العادل. قال الله تعالى متحدثًا سبحانه بنعمته على قريش:﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (الأحزاب: 59)، وانتهت الآية لتؤكد على أهمية العبودية لله شكرًا على نعمة الأمن من الخوف، وتأمين الطعام خشية الجوع والفقر. 

فهذا البيت الحرام جعله الله آمنًا للناس: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أن طَهَرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرَّكَعِ السُّجُودِ﴾ (البقرة: 125)،﴿ وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الهُدَى مَعَكَ نتخطف من أرضنا أو لَمْ يُمكن لَهُمْ حَرَمًا آمَنَا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رَزْقًا مِّن لَدُنَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (القصص: 57)، وهو استجابة لنداء أبينا إبراهيم- عليه السلام - :و﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة:126) .لذلك فإنه سبحانه وتعالى ضرب مثلاً لمن يخل بتلك المعادلة في قوله تعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾(النحل:112)مما يعزز أن أي مجتمع يعتمد على إقامة العبودية والعدل، وتوفير الأمن الحياتي للناس، والاهتمام بالاقتصاد المعيشي بما يحقق استقرارا للحياة البشرية التي تؤدي إلى تنمية المجتمع وتحريك نهضته.

مفاهيم وأدوات الرؤية الأمنية لمصر النهضة الجديدة

بعد تلك المقدمة التاريخية والشرعية، فإن الرؤية الأمنية التي نحاول البحث في مضامينها وخطوطها الرئيسة؛ لنستدرك أننا لا نناقش بشكل مباشر الشكل المؤسسي والهيكلي، أو حتى الإستراتيجي لجهازي الشرطة والجيش في مصر، وإنما نوسع آفاق النظر في مفهوم الرؤية الأمنية؛ لتستوعب الجوانب الأمنية في شمولها العام،«الأمن النفسي والحياتي والغذائي والاجتماعي والاقتصادي وغيره»؛ لتشكل منظومة متناسقة ومتكاملة، تحمل بعضها بعضًا لصياغة رؤية أمنية مستقبلية قادرة على تحرير الامكانات، وتستوعب التحديات، وتستفيد من فرص التغيير لتوفير الأمن الوطني والغذائي والعدل الاجتماعي. 

وسنتناول في هذا العدد وما يلي من أعداد الرؤية الأمنية الجديدة فيما يلي:

أولًا: «إنتاج المفاهيم الجديدة». ثانيًا:«محددات الرؤية الأمنية». ثالثًا: «إتجاهات الرؤية الأمنية المستقبلية». رابعاً:«الضمانات اللازمة لتحقيق هذه الرؤية».

أولا : إنتاج المفاهيم الجديدة للرؤية الأمنية:

 ۱- تحرير مفهوم السلطة في الجهاز الأمني:

من الجدير بالذكر أن أي سلطة يتبعها فساد وتغول على الحقوق ما لم تضبط أو تحدد.. ومفهوم السلطة هو أحد المفاهيم الرئيسة التي تبنى عليها المناهج الأمنية، وتعزز بالممارسة، وتلزم بواسطة الأوامر الإدارية والقانون الداخلي للمؤسسة الأمنية، وللأسف فإنها مع استمرار الممارسة، وتفرد السلطة السياسية بالسلطة الأمنية تندمج السلطتان؛ لتصبحا التفرد الديكتاتوري بالجهاز الأمني، من قبل السلطة السياسية، وقد يحدث العكس؛ فإن الجهاز الأمني قد يسيطر على الجهاز السياسي؛ ليصبح أداة تنفيذ مصالحه الخاصة. وهو عادة ما حدث في أكثر من دولة شيوعية واشتراكية، وحتى في عهد بعض الرؤساء الأمريكيين عندما سيطرت سلطة جهاز (F.B.I) عن طريق رئيسه «هوفر» ليسيطر على السياسة الأمريكية. 

والمفهوم الجديد الذي يجب تعزيزه هو أنه حيثما تكن السلطة تكن المسؤولية، إن هيبة السلطة في الحقيقة تعزز من خلال تمكن المسؤولية عند الواجب، لذا فإن في مقابل صلاحيات السلطة ومكانتها، يجب أن تعدد أدوات المساءلة والرقابة وتطوير الضمير الحي في مواقع النبض الحياتي للجهاز الأمني.

٢ - إنتاج مفهوم جديد للولاء:

تسيطر فكرة «الولاء» للمؤسسة؛ فتكون نشيدًا دائما ويوميًا في مساحات العمل الأمني، وفي شغوف العاطفة المسيس للمؤسسة، وفي تجويفات العقل الشرطي، إذ إن معايير الحكم الانتمائي ونتائج القبول الرضائي، وروح الفريق الواحد عند المؤسسة والمؤمنين بها أيًا كانت تعتبر«الولاء» ثم«الولاء».. ثم«الولاء» أساسًا للكينونة الشرطية والأمنية، وهي المادة التي يأكل ويشرب عليها القادة الكبار والصغار، في المؤسسة الأمنية، ويتطور الولاء ما بين فترة الانتساب والاختبار والممارسة، ثم التمكن ليصبح بعد ذلك«ولاء» خاصًا أبعد ما يكون«الوطن» و«الأمة» و«النظام العام» و«القانون» غايته، بل في غياب المؤسسة الرقابية الحقيقية، أو حال التمكن الديكتاتوري يتحول«الولاء»؛ ليصبح السوط الذي يتعذب به جنود وضباط المؤسسة الأمنية لإثبات حقيقتهم وكينونتهم. 

وهذا ما جعل المؤسسة الأمنية تكبر على حساب المجتمع، وتهيمن عليه وتسيطر على أدوات الأمن، والاستقرار فيه المصلحة رجال محددة رتبهم ومصالحهم وأهواءهم. 

ولذا فإن الآلاف من الجنود والضباط الذين حرموا من حقوقهم الأمنية والترقيات والأقدمية والمعاشية بسبب مفهوم بائس»للولاء».لذا فإن إعادة إنتاج مفهوم الولاء ليصبح مفهومًا خاصًا»للوطن والأمة والشعب والقانون»، لا للمؤسسة والقائد الأكبر وسيادة اللواء، أو الرئيس الأعلى». 

۳ -تحديث الانضباط:

إن أي مؤسسة أمنية تعتبر الانضباط أحد معاييرها الأساسية في السيطرة على أجهزة وضباط وأفراد المؤسسة، والانضباط في المفهوم البائس السائد هو«الحركة ضمن المخطط الفردي للرتبة الأعلى»، وهو مفهوم متخلف وفاسد؛ إذ إنه يعطل عقل رجال وقادة المؤسسة الأمنية؛ ليصبحوا«نسخًا» عضلية، وماكينات تعبوية لأوامر الزعيم وما يفكر به لا ما يفكرون به،«فالتكتيكات والإستراتيجيات وحلول المشكلات ومواجهة التحديات واقتناص الفرص وحل الأزمات..» هي خطوط مرسومة في إطار صندوق لا يخرج عنه قائد ولا فرد. لذا؛ فإن مجمل الهزائم والانتكاسات، بل والجرائم الأمنية هي نتيجة هذا الفهم الخاطئ للانضباط. إن مفهوم وعملية الانضباط تحتاج إلى تحديث نحو الابداع، وتحريك العقل في مسار الأمر التكتيكي والإستراتيجي أو القرار الأمني أو الإداري، بما يخلق كفاءات وعقول قادرة على استيعاب المواقف وتحريرها نحو الحل الأمثل، لا الحل الأوحد.

 لذا، فإن الانضباط المحدث ليطلق الطاقات الفكرية والعملية للقادة والجنود في الميدان ويعزز الحركة النقدية في إطار المعلوماتية الأمنية، بما يشكل حصناً حصيناً للاستقرار وتعزيز النتائج في الواقع وما«ثغرة الدفرسوار» في حرب ۱۹۷۳م إلا مثالاً حياً للانضباط الخاطئ دفعت فيه مصر أثماناً باهظة من العقود البائسة التي كبلت مصر باتفاقية كامب ديفيد البغيضة.

الرابط المختصر :