العنوان فتاوى مجتمع العدد 1857
الكاتب د. مسعود صبري
تاريخ النشر السبت 20-يونيو-2009
مشاهدات 53
نشر في العدد 1857
نشر في الصفحة 48
السبت 20-يونيو-2009
رؤية فقهية..
سلطة الدولة في هدم المساجد
- جمهور العلماء يحرم قيام الدولة بهدم المساجد حتى لو أسيء استخدامها من الجماعات المتطرفة.
- لا يجوز هدمها إلا لمصلحة عامة ولا يجوز إغلاقها إلا مؤقتا.
تنادت أصوات في عدد من الدول العربية بجواز قيام الحكومات بهدم بعض المساجد، وقوبل هذا الأمر بالإنكار الشديد من قبل عدد من الفقهاء المعاصرين، باعتبار أن المساجد خط أحمر لا يجوز تعديه ولو من سلطة الدولة بينما رأت بعض الأصوات أن الأمر ليس بهذا الشكل الذي يصوره الفريق الذي يتبنى التحريم، وأن الأمر خاضع للمصالح المعتبرة، والمفاسد التي يجب دفعها ، والموازنة بين الأمور.
ولعل مناقشة جواز هدم المساجد من قبل الدولة لمصلحة ما ليس بالأمر الهين، وخاصة أن هناك أقوالاً في بعض المذاهب تجعل هدم المساجد من وسائل ردّة المسلم عن الإسلام، كما ذكر صاحب كتاب "البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار".
جمهور الفقهاء المعاصرين
واختلاف الفقهاء في السماح المساجد ليس اختلافاً للدولة بهدم كبيراً، فالأصوات التي تجيز هدم الدولة للمساجد قليلة نادرة، بينما يرى جمهور الفقهاء المعاصرين حرمة هدم المساجد من قبل الدولة لتعطيلها، وبهذا قال الدكتور صبري عبد الرؤوف أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، والدكتور محمد كمال إمام أستاذ ورئيس قسم الشريعة بجامعة الإسكندرية، والدكتور عبد الحي الفرماوي، الأستاذ بجامعة الأزهر، والدكتور عبد الحي عزب الأستاذ بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، والشيخ محمد الجزار أمين لجنة الفتوى بالجامع الأزهر سابقاً.
أدلة المجيزين
واستند من قال بالجواز - وهم من المؤسسة الأزهرية - أنه إن تبين للدولة أن جماعة من الناس تسيء استعمال المسجد، فيجوز لها هدمه، لأن هذا يتعلق بأمن المجتمع، والدولة مسؤولة عنه، ولا يجوز استعمال المساجد لتهديد أمن المجتمع، وأن المسألة خاضعة للمصالح والمفاسد.
وأنه إذا خرج المسجد عن المقصد الذي أقيم له يكون الأمر مجرد مبنى لا يساوي إلا ما وضع فيه من مواد بناء، وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) ﴾ [التوبة: 107، 108]
أدلة المحرمين: ولكن جمهور الفقهاء المعاصرين الذين يرون حرمة هدم المساجد، وأنه لا يحق للدولة أن تهدم المساجد لسوء استعمالها حتى لو كان من قبل بعض الجماعات المتطرفة، فقد استندوا إلى عدة أمور، أهمها :
أن أحداً من الفقهاء لم يقل بجواز هدم المساجد لتحقيق الأمن، فالأمن يمكن أن يتحقق بدون هدم المساجد، وذلك أن المساجد تأخذ أحكام الوقف، ولا يجوز تغيير الوقف إلا بشروط عشرة ذكرها الفقهاء، وأنه قد نص على أنه لا يجوز تغيير شرط الواقف، لأن شرطه كشرط الشارع.
أن القول بجواز هدم المساجد خشية بعض الأنشطة، يعني أنه يجوز هدم الجامعات والكليات والبيوت والجمعيات التي تتساوى مع بعض المساجد التي يراد هدمها، وفي ذلك فتح لباب الشر، بل الأولى معالجة الخطأ دون تعد على بيوت الله تعالى.
أن المساجد لا تنحصر وظيفتها على أداء الصلاة فحسب، فالأرض كلها تجوز الصلاة عليها، وأن المسجد في الإسلام له وظائف اجتماعية وعلمية وسياسية.
أن الإقدام على هدم بيوت الله هو هدم ركن من أركان الإسلام، وجريمة في حق الإسلام وكبيرة من الكبائر، كما أن هدمه يؤدي إلى فتنة كبيرة في الأمة.
كما أن الأصل في دور العبادة أن تكون مفتوحة للشعائر وجميع الناس يعرضون فيها أفكارهم ومشكلاتهم وقضاياهم؛ حيث إن المسجد في الإسلام هو دار العبادة والمحكمة وهو المشفى النفسي، وهو مكان حل المشكلات وقضاء المصالح وعقد المناسبات؛ ولذلك ينبغي ألا يحجر على هذه المساجد بأي حال من الأحوال.
مصلحة عامة
وأوضح الفقهاء المحرمون أنه لا يجوز هدم المسجد إلا إذا وجدت مصلحة عامة كاعتراض طريق مثلاً، ولا يمكن تحويله إلى جهة أخرى دون المرور بأرض المسجد أو دور العبادة.
وأن غلق المسجد يجوز لأسباب أن يكون آيلاً للسقوط من أجل إعادة بنائه، أو في حالة عدم استطاعة الدولة منع استخدامه كفندق للنوم ونحو ذلك، وأن الإغلاق يجب أن يكون مؤقتاً.
ولعل مسألة هدم المسجد تجعلنا نفكر فيها من زاوية سلطة الدولة فيما يتعلق بدور العبادة، وهو أمر غاية في الخطورة، وذلك أن دور الدولة هو تهيئة بيوت الله تعالى لتقوم بوظائفها المتعددة، وأن تاريخ السلطة في الدولة الإسلامية بالنسبة للمساجد اقتصر على هذا الدور، وأن الإنفاق على المساجد لم يكن من الدولة، وإنما كان من الأوقاف ولما أصبحت للمساجد وزارة أُسيء استعمال هذا الحق في بعض الدول، وأن اختيار المجتمع للأئمة الراسخين في العلم ليقوموا بدور الدعوة إلى الله حفظ للمسجد والمجتمع أمنه، وأنه حين يكون المسجد غير خاضع لجهة إلا من خلال الخدمة فحسب، فإنه سيكون عاملاً من عوامل القضاء على الاضطراب الاجتماعي وتحقيق الأمن المنشود في المجتمع من خلال مناظرة الحجة بالحجة والدليل بالدليل لا من خلال هدم المساجد، مما يترتب عليه ضرر على دين الناس ودنياهم معاً، وأنه ليس من الحكمة أن يتسارع بعض المفتين ليجيزوا للدولة هدم المساجد بحجج واهية ظانين أنهم يحسنون صنعاً، بل الأولى أن يبين الفقهاء للسلطة الواجب عليهم تجاه بيوت الله، مع معالجة ما قد يطرأ من مشكلات في بعضها بالحسنى، واستعمال الحق القانوني في محاسبة من يخالفون الشرع لا الأهواء.
- الإجابة للدكتور عجيل النشمي من موقعه- www.dr_nashmi.com
التشهير بالمجرمين
حينما يرتكب بعض الأشخاص جرائم مفزعة كالخطف والاغتصاب، هل يجوز أن يشهر بهم، وتنشر صورهم في وسائل الإعلام من أجل أن يتعظ بهم غيرهم؟
- التشهير والإعلان عن جريمة معينة وإظهار مرتكبها في وسائل الإعلام جائز من حيث الأصل إذا كانت الجريمة من الجرائم الاجتماعية التي تقلق راحة الناس، ويضطرب الأمن بوجودها، فإذا ثبتت الجريمة على شخص بعينه أو أحد متلبساً فيجوز التشهير والإعلان عنه وعن جريمته بقصد الردع للغير، وتطمين الناس بالقبض على المجرمين، وهذا في حد ذاته يعتبر عقوبة في الفقه الإسلامي، قد يكون عقوبة تبعية، أو عقوبة أصلية في حد ذاته، وهذا الإعلان والتشهير أصل في العقوبات الثابتة خاصة في الحدود كالقتل والزنى والسرقة وما إلى ذلك، ففي جريمة الزنى إذا ثبتت يقول الله تبارك تعالى ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2] والقصد من حضور جماعة من الناس يعاينون تنفيذ العقوبة هو الاتعاظ لمن حضر من العامة ولكي ينقل من حضره لغيره فينزجر الجميع ويقلع من تحدثه نفسه باقتراف هذه الجريمة وقد سئل الإمام مالك - يرحمه الله - عن المجلود في الخمر والفرية أترى أن يطاف بهم وبشراب الخمر؟ قال: إذا كان فاسقاً مدمناً فأرى أن يطاف بهم ويعلن أمرهم ويفضحون (التبصرة 2/177).
وجريمة الخطف والاغتصاب من أفظع الجرائم، وهي من جرائم الإفساد في الأرض، ويستحق فاعلها أقسى العقوبات مشمولاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) ﴾ [المائدة: 33، 34]، ولو أننا نفذنا العقوبات المذكورة في الآية الكريمة لأخذ المجرم عقوبته وارتدع غيره وأمن المجتمع من شرور المجرمين.
- من فتاوى المجامع والمؤسسات المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث
التحكيم في المنازعات
اطلع المجلس على الدراسات المقدمة إليه من قبل أصحاب الفضيلة أعضاء المجلس حول التحكيم الشرعي في بلاد الغرب، وبعد المناقشة والمداولة قرر ما يلي:
١- يدعو المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث المسلمين في أوروبا إلى اللجوء إلى التحكيم وفقاً للشريعة الإسلامية في كلّ ما لا يتعارض مع القوانين السارية في البلاد الأوروبية، ولاسيما في أحوالهم الشخصية ومعاملاتهم المالية وذلك من أجل الإسراع في حسم منازعاتهم والتخفيف عن المحاكم الرسمية.
۲- يمكن أن يتم التحكيم عن طريق الاشتراط في العقد أو عن طريق وضع اتفاق تحكيمى عند حصول الخلاف، ومن الأفضل توثيق العقد الأصلي أو الاتفاق التحكيمي لدى كاتب العدل أو أية جهة رسمية أخرى.
٣- يمكن أن يختار الأطراف محكّماً واحداً، رجلاً كان أو امرأة، أو هيئة تحكيمية من عدة أفراد ويجب أن يكون عددهم وتراً حتّى يمكنهم اتخاذ القرار بالأغلبية ويشترط في المحكّمين أن يكون من بينهم من لديه إلمام بالأحكام الشرعية والقوانين السارية وأن يكونوا معروفين بالنزاهة والاستقامة.
٤- يكون قرار التحكيم ملزماً لجميع الأطراف بناءً على تعهدهم، وعليهم
تنفيذه.
5- قرر المجلس إعداد لائحة تفصيلية توضّح إجراءات التحكيم الشرعية بما يتوافق مع القوانين الأوروبية وترجمتها إلى مختلف اللغات لمساعدة المسلمين على سلوك هذا الطريق، وكذلك إعداد نموذج لصك التحكيم على أن يتم إنجاز ذلك في الدورة القادمة.
٦- يوصي المجلس الكليات الشرعية والمراكز الإسلامية أن تقيم دورات تأهيل للمحكّمين، بالتعاون مع أقسام الدراسات القانونية في الجامعات الأوروبية .
(قرار ٩/١ في الفترة ٣-٧ جمادى الأولى ١٤٢٣هـ الموافق ١٣-١٧ يوليو ۲۰۰۲م).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل