العنوان محاولة لتحرير وتدقيق مصطلح «التخلف الاقتصادي»
الكاتب عبدالحميد الغزالي
تاريخ النشر السبت 14-فبراير-2004
مشاهدات 53
نشر في العدد 1588
نشر في الصفحة 37
السبت 14-فبراير-2004
لا يشكُ أحدٌ من المتخصصين في التنمية الاقتصادية في حقيقة أن الاقتصاد العالمي "اقتصاد متخلف"، بمعنى أن معظم دول العالم، التي قاربت مائتيّ دولة تقع في مجموعة الدول المتخلفة، إذ تشير الإحصاءات المتوافرة في بداية الخمسينيات من القرن الماضي إلىٰ أن أكثر من ثلثيّ، سكان العالم كانوا في هذه المجموعة وبعد جهود إنمائية مضنية ومتخبطة ومتواضعة لأكثر من نصف قرن، تشير الإحصاءات الآن إلىٰ أن أكثر من أربعة أخماس سكان العالم يعيشون في هذه المجموعة أي أن الاقتصاد العالمي ازداد وأن مشكلة التخلف زادت حدة خلال الزمن. فما هذه المشكلة؟ تحاول السطور التالية الإجابة عن هذا التساؤل.
بعيدًا عن مشكلات التعريف، وباختصار شديد وتبسيط أشد، يعني الاقتصاديون الإنمائيون بمصطلح التخلف الاقتصادي، الانخفاض النسبي في مستوى النشاط الاقتصادي المجتمع ما، ويعبرون عن هذا الانخفاض بحالة الفقر الاقتصادي النسبي، والتي يرمزون إليها كميًا أو قياسيًا بالانخفاض النسبي في متوسط دخل الفرد الحقيقي - أيّ الدخل النقدي بعد استبعاد أثر الأسعار وهذا الانخفاض يعني أن ما يحصل عليه الفرد في المتوسط من السلع والخدمات قليل في الكمية، وردي في النوع نسبيًا، ويقصد بالنسبية هنا نسبة إلىٰ ما يمكن أن يحققه المجتمع فعلًا لو استخدم ما لديه من موارد إنتاجية استخدامًا أكثر شمولًا وأعلى كفاءة، ونسبة أيضًا إلىٰ ما تحقق عملًا في تجارب أخرى لدول يطلق عليها «الدول المتقدمة اقتصاديًا».
وبالطبع لهذا المعيار النقدي استثناءات واضحة، تتمثل في الدول المنتجة والمصدرة للنفط، حيث تعد هذه الدول - وفقًا لهذا المعيار - في مجموعة الدول المتقدمة اقتصاديًا، وهنا كان لابد من الاستعانة بمعايير أخرى عينية للحكم على هذه التجارب مثل درجة التعقيد الصناعي المساهمة النسبية للصناعات التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي أو متوسط نصيب الفرد من الاستهلاك السنوي للكهرباء في الأغراض الإنتاجية، فوفقًا لهذه المعايير، تعد هذه الدول ضمن مجموعة الدول النامية.
ولقد تبين للاقتصاديين الإنمائيين أن ظاهرة التخلف لا ترجع فقط إلىٰ الخصائص السلبية للعوامل الاقتصادية البحتة من مواردَ طبيعيٍة وبشريٍة وماليٍة وتنظيميٍة وفنيٍة وتسويقيٍة، بل تعود أيضًا وأساسًا إلىٰ عوامل غير اقتصادية من سياسية واجتماعية وثقافية ومعرفية؛ ولذلك منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي، أخذ التشكيك في متوسط دخل الفرد كمعيار التصنيف دول العالم يزداد ومن ثم تم دعمه بمعايير أخرى سياسية واجتماعية وثقافية، كما جاء في تقارير التنمية البشرية الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي منذ عام ۱۹۹۰م وحتى عام (2003م)؛ إذ تم إسقاطه أصلًا واستخدام معايير أخرى سياسية واجتماعية ومعرفية وبيئية كما في تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام ٢٠٠٢م الصادر عن البرنامج والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، وعليه تصدت هذه التقارير ليس لقياس وتصنيف الدول وفقًا للجانب المادي -متوسط دخل الفرد - من حياتهم، وإنما وفقًا لنوعية حياة البشر، ومدى الخيارات الإنسانية المتاحة ومن ثَمَّ يمكن تعريف التخلف الاقتصادي بأنه حالة نوع ردئ من الحياة البشرية، أو محدودية شديدة نسبيًا في الخيارات الإنسانية المتاحة في شتى المجالات- الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية.
وهنا استنادًا إلى أدبيات الفكر الاقتصادي الإسلامي، قدم كاتب هذه السطور، منذ أوائل الثمانينيات من القرن الماضي تعريفين للتخلف الاقتصادي يزعم أن كلا منهما أكثر دقًة وشمولًا للعوامل الرئيسة المحددة للأداء الاقتصادي للمجتمع البشري، يتمثل التعريف الأول في أن التخلف الاقتصادي، لمجتمع ما يعني بالأساس أن الإنسان. في هذا المجتمع يعاني من قهر سياسي واستغلال اقتصادي بغض النظر عن الموارد الإنتاجية المتاحة أو الإمكانات الاقتصادية المتوافرة أي أن الاستبداد السياسي والظلم الاقتصادي يمثلان العوامل الجوهرية أو التربة الخصبة التي نبتت منها الأسباب التفصيلية المسؤولة عن مشكلة التخلف أما التعريف الثاني فهو أكثر تفصيلًا وتحديدًا. ويتمثل في أن «التخلف الاقتصادي»، لمجتمع ما يعني «الإنسان» في هذا المجتمع يعاني من «قهر سياسي» و«استغلال اقتصادي»، بغض النظر عن الموارد الإنتاجية المتاحة أو الإمكانات الاقتصادية المتوافرة، أي أن الاستبداد السياسي والظلم الاقتصادي يمثلان العوامل الجوهرية أو التربة الخصبة التي نبتت منها الأسباب التفصيلية المسؤولة عن مشكلة التخلف.
أما التعريف الثاني فهو أكثر تفصيلًا وتحديدًا ويتمثل في أن «التخلف الاقتصادي» لمجتمٍع ما يعني «تخريب» أو تبديد أو تضييع مقاصد الشريعة الغراء الخمسة الضرورية وهي حفظ البدن والنفس والعقل والمال والنسل.
فالتخلف الاقتصادي يعني بالأساس ويرجع في الوقت نفسه إلى محاربة صحيح الدين، وعدم توفير المتطلبات المعيشية الضرورية للإنسان التي تليق به كإنسان وإفساد التربية والتعليم والإعلام والبحث والتطوير وتبديد المال، وعدم تثميره خلال الزمن وأكله بالباطل وغير ذلك من ضروب «الفساد الاقتصادي»، ومحاربة النسل كما من خلال تحديده أو تنظیمه، وكيفًا من خلال ثقافٍة فاسدة خارج مؤسستيّ الزواج والأسرة وبعيدًا عن الآداب العالية والفطرة السليمة.
فهذه الأشكال الخمسة من هدر الإمكانية وتبديد الطاقة الاقتصادية لا بد أن تفضي إلىٰ التخلف الاقتصادي للمجتمع، مهما أوتىّ هذا المجتمع من موارد إنتاجية أو إمكانات اقتصادية ومن ثم فقد سبق الفكر الإسلامي في هذا المجال الفكر الوضعي «خاصة تقارير التنمية البشرية والإنسانية» بأكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان، ولست في حاجة إلى التشديد على حقيقة شمول، ودقة التعريف الإسلامي مقابلة بالتعريفات الوضعية.
تطبيقًا لهذا التعريف يعد السبب الرئيسي لتخلف أمتنا هو الإعراض عن ذكر الله سبحانه أى البعد عن تطبيق شرعه، فإعمار الأرض فريضة مصداقًا لقول الله: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ (هود: 61). ومن لم يقم بالإعمار كجزء من العيادة اتساقًا مع قوله جل من قائل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56). لا بد وأن ينطبق عليه الناموس الإلهي في قوله جل وعلا: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾ (طه: 123-124). وفي هذا، يقول رسولنا صلوات الله وسلامه عليه: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وسنتي»، والضلالة والشقاء هما عنصرا المعيشة الضنك، والمعيشة الضنك هي الحياة شديدة القسوة، حتى مع اليسر المادي ومن ثم فهي عين التخلف الحضاري بشتى جوانية، وبالذات الجانب الاقتصادي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل