العنوان صفحات من دفتر الذكريات (62): دفاعًا عن الاتجاه الإسلامي في تونس 1981 م
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أغسطس-1995
مشاهدات 59
نشر في العدد 1164
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 29-أغسطس-1995
بورقيبة سمح لجميع التيارات بما فيها الشيوعيون بإنشاء أحزاب، بينما نكل بالتيار الإسلامي واعتقل زعماءه
محمد مزالي نجح في إطلاق سراح المعتقلين الإسلاميين.. لكن حاشية السوء استطاعت أن تؤثر على بورقيبه فندم على قرار الإفراج
رغم سيطرة بورقيبة وحزبه كان الاتجاه الإسلامي ينمو في صفوف الطلاب والشباب بزعامة راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو، وكانوا هم وحدهم الذين تجرءوا على نقد الزعيم الأوحد، ومعارضته، ورفعوا الشعارات الإسلامية لمقاومة طغيانه استبداده في نشرات وكتيبات محدودة، وانتشرت من خلايا الاتجاه الإسلامي، في جميع أنحاء تونس خلال السبعينيات، وأصدروا أول مجلة لهم باسم«المعرفة» في عام ۱۹۷۲م، وفي عام ۱۹۷۷م بدأ تحرك الشباب الإسلامي بمعارضته سياسة بورقيبة وحزبه في التباهي بإفطار رمضان، وفي عام ۱۹۷۹م أصبح شباب التيار الإسلامي أكبر قوة في صفوف الطلاب، وقادوا إضرابات طلابية تطالب بالإصلاح.
لقد أثار ذلك بورقيبة وحكومته التي اعتقلت زعيم الحركة في شهر ديسمبر ۱۹۷۹م، ثم أفرج عنه بعد عام لتهدئة الطلاب، لكن الإضرابات الطلابية زادت في عام ١٩٨١م، وبدأوا يعارضون ما يعلنه بورقيبة من إباحة شرب النبيذ للمسلمين والإفطار في رمضان، وعُقد في ذلك العام أول مؤتمر تاسيسي لحركة الاتجاه الإسلامي».
في هذا الوقت كان بورقيبة يعد نفسه ليكون ملكًا دستوريًّا، فأعلن مبدأ تعدد الأحزاب، وتقدمت عدة طلبات لإنشاء أحزاب منها: طلب باسم الاتجاه الإسلامي، فرفضت حكومة بورقيبة التصريح بهذا الحزب، في حين سمحت لجميع التيارات الأخرى بما فيها الشيوعيون بإنشاء أحزاب، وبدأ يعلن مبدأً جديدًا هو إقصاء التيار الإسلامي عن ميادين العمل السياسي بحجة أنه تيار ديني، فزاد سخط الشباب وبدأوا يحتجون على ذلك، وعلى مظاهر الإسفاف والمجون التي تروج لها الحكومة التونسية بحجة تنشيط السياحة حتى أن بورقيبة قال في إحدى خطبه: «إنه لن يستقر له قرار حتى يرى كل شاب تونسي يسير في الطريق وهو يخاصر فتاة فرنسية بل تونسية واستغل الصهيونيون ذلك، فأنشئوا ناديًا للمجون على الشاطئ وسموه نادي البحر المتوسط، وما زال حتى اليوم وكرا لنشاط مخابراتهم، ومركزًا لجواسيسهم باسم السياحة وتحت ستارها.
كان رئيس الحكومة في عام ١٩٨١م هو السيد محمد مزالي، ولكي يهدئ من ثائرة الشباب والطلاب أعلن قرارًا يستجيب فيه لأحد مطالبهم بمنع فتح القهاوي خلال نهار رمضان، لكن بورقيبة ثار على ذلك وأمره بإلغاء هذا القرار، ففعل ذلك فورًا، وأصدر قرارًا يدين فيه الاتجاه الإسلامي المحظور، وزادت وسائل القمع لا على أعضاء الحركة وحدهم، بل على كل التونسيين الإسلاميين والمسلمين رعايا السيد بورقيبة، وخيم البؤس على الشعب التونسي، وزاد سخطه، وبقي باب الأمل الوحيد له هو نمو الاتجاه الإسلامي وتزايد نشاطه.
الزيارة الرابعة
في هذا الوقت أتيحت لي فرصة الذهاب إلى تونس لحضور ندوة ثقافية دعت إليها منظمة العلوم والثقافة والتربية التابعة لجامعة الدول العربية، وكانت هذه هي الزيارة الرابعة لي في تونس، ولم أكن أعرف محمد مزالي رئيس الحكومة.. وقد دعانا إلى حفل عشاء في قصر الباي» في قرطاج، فانتهزت الفرصة وتقدمت له على غير سابق معرفة، وطلبت منه موعدًا لمقابلته مع بعض «إخواني فحدده لي في اليوم التالي، وذهبت إليه ومعي صديقي الأستاذ الدكتور إسحاق فرحان الأستاذ بجامعة الأردن في ذلك الوقت.. وفوجئ عندما قلت له إننا من «الإخوان المسلمون، وإنني كنت هنا آخر مرة في عام ١٩٦٦م، عندما كانت الحكومة العسكرية في مصر تحاكم سيد قطب وزملاءه، وقد وقفت معنا تونس رئيسًا وحكومةً وحزبًا وصحافةً وبرلمانًا، وشهرت بأسلوب المحاكمات والأحكام الذي اتبعه عبد الناصر لاضطهاد الإخوان المسلمون، والآن نقرأ في الصحف أنكم تصفون المعتقلين من أعضاء الاتجاه الإسلامي بأنهم «إخوانجية»، فهل تبيحون لأنفسكم ما تنكرونه على غيركم؟
قص علينا السيد محمد مزالي تاريخ جماعة الاتجاه الإسلامي في تونس؛ ليبين لنا أنهم خارجون على الدولة، وأنهم يهاجمون الرئيس بورقيبة شخصيًّا في نشراتهم وخطبهم، وهذا يثيره ويستفزه كثيرًا، وأنهم أعادوا تنظيم جماعتهم رغم أنها محظورة؛ لأنه لم يعترف لهم بصفة حزب من الجهات المختصة، وأن الرئيس لذلك غاضب عليهم، وأنه شخصيًّا لا يمكن أن يتحدى بورقيبة، ولا أن يتخذ أي إجراء في شأنهم إلا بموافقته، فقلت له:«إني طلبت مقابلة بورقيبة، وسوف أحدثه في هذا الأمر، ولكني أخطابك الآن؛ لأنك بحكم الدستور سوف تكون الرئيس بعده، وأنت تعرف أن هناك مراكز قوى داخل الحزب الحاكم- بل وفي الحكومة ذاتها- تعمل ضدك الآن، وفيما بعد، وأعتقد أنك بعد اعتزال بورقيبة أو وفاته سوف تحتاج إلى سند شعبي ولن تجده إلا في الجمهور الذي يؤيد الاتجاه الإسلامي الآن، فأرجو ألا تسير في خطة تحول بينك وبينه في المستقبل، وقد نصحني بمقابلة وزير الداخلية في ذلك الوقت، وكلمه هاتفيًّا فحدد لي موعدًا، وقابلته واستمع إليَّ وكان اسمه السيد جيجة، ولم أشعر بأن لقائي معه قد أدى إلى أية نتيجة؛ لأنه كان مشغولًا بشيء آخر، فقد تبين فيما بعد أنه كان يدبر مؤامرة ضد مزالي، أدى فشلها إلى هروبه من تونس بعد أن غضب عليه بورقيبة؛ مما أدى إلى الحكم عليه غيابيًّا.
لقد قابلت بورقيبة فعلًا في ذلك الوقت وذكرته بمواقفه معنا عام ١٩٦٦م، وأننا لذلك نخشى أن تكون سياسة حكومته إزاء الإخوانجية مناقضة لموقفه السابق، قال: إن هؤلاء ليسوا مثلكم إنهم رجعيون يدعون إلى الحكم بالقرآن الذي مضى عليه أكثر من ألف عام وهم يهاجمونني شخصيًّا، لذلك يجب أن يؤدبوا.
قلت له:«إننا نعرف أنه تعاون مع كثير ممن عارضوه في الماضي، وأن السجن ليس هو الوسيلة للتأديب، وإننا نأمل أن يفتح لهم الطريق لتصحيح ما يأخذه عليهم من أخطاء. وتوقفت عند هذا الحد، ولم أحصل منه على نتيجة سوى أنه سمح لي أن أناقش الموضوع معه بكل صراحة، وكان هذا مكسبًا استفدت منه فيما بعد. تصادف ان جاء مزالي في زيارة للسعودية، والتقيت به في جدة، في قصر الضيافة، وذكرته بالموضوع فأبدى استعدادا للحديث، وحرص على أن يقدمني للوفد المرافق له باعتباري من الإخوان المسلمون، حتى ينقل ذلك إلى بورقيبة؛ لأنه يعرف أن منهم من جاء ليتجسس عليه، وعندما خلوت به لكي أودعه وسار معي خطوات وطلب مني أن أزوره في تونس، وذهبت له فعلًا بعد ذلك هناك، ومعي صديقي الدكتور أحمد فريد مصطفى الذي كان عميدًا لكلية الهندسة بجامعة الرياض في ذلك الوقت، وجلسنا معه في منزله وتحدثنا معه طويلًا، وظهر عليه استعداد ليسمع دفاعنا عن المعتقلين من أعضاء الاتجاه الإسلامي، وقلت له: إذا كان هناك انحرافات، فإنني أرجو أن يسمح لي بزيارتهم في السجن لإقناعهم بتصحيحها، فوعد ببحث ذلك مع الرئيس بورقيبة، وكان مطمئنًا لأن بورقيبة يعرفني شخصيًّا .
الانقلاب على بورقيبة
أبلغني بعد ذلك بأن الرئيس غاضب عليهم؛ لأنهم يهاجمونه شخصيًّا، وهذا لا لزوم له، ورفض التصريح لك بزيارتهم، ولا يمكن أن يوافق على أي اقتراح بشأنهم إلا إذا بدرت منهم بادرة تنسيه ذلك، فاقترحت عليه أن يفرج أحد قادتهم وهو الشيخ عبد الفتاح مورو المحامي- الذي كان يحظى بسمعة طيبة بين المحامين، وقد احتجت نقابة المحامين على اعتقاله مرارًا، وهو مريض وزوجته أيضا مريضة، وهذا يبرر خروجه لأسباب صحية، وأنا مستعد لإقناعه بالقيام بهذه المبادرة، وفعلًا أفرج عن الشيخ عبد الفتاح مورو، وأرسل برقية شكر لبورقيبة وتهنئة بمناسبة عيد ميلاده، وأخبرني السيد محمد مزالي بأنه قدمها بنفسه لبورقيبة، وأنه سر بها كثيرًا، وأن ذلك سوف يسهل مساعيه للإفراج عن بقية المعتقلين، وفعلًا نجح مزالي في الحصول على موافقة بورقيبة، وصدر القرار بالإفراج عن جميع المعتقلين من الاتجاه الإسلامي؛ لكن حاشية السوء استطاعت أن تؤثر على بورقيبة، فندم على قرار الإفراج، وبدأ يفكر في إلغاء القرار، ويتحدث عن نيته في إنشاء محكمة تحكم على زعمائهم بالإعدام كما فعل عبد الناصر مع قادة الإخوان مرتين، وكان ينوي توريط رئيس وزرائه زين العابدين بن علي في ذلك، وزين له بعض مستشاريه أنه بذلك سوف يتخلص من الإسلاميين، ومن بن علي نفسه، ويظهر أن بن علي قد أبلغ بذلك من جهة ما، فسارع بتدبير الانقلاب ضد رئيسه بورقيبة مؤجلًا موضوع التخلص من الإسلاميين إلى أن يستقر له الوضع، ويتأكد من تأييد بعض الدول الأجنبية، بل والعربية كذلك، وهذا هو ما تم له بعد ذلك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل