; المجتمع التربوي (العدد 1339) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (العدد 1339)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 23-فبراير-1999

مشاهدات 53

نشر في العدد 1339

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 23-فبراير-1999

وقفة تربوية

الدعوة في عروقهم

     يقص علينا القرآن الكريم نماذج فذة من الدعاة الذين لا ينسون هذه الدعوة، وهم في أحلك الظروف، وخاصة من الأنبياء، فقد سجن يوسف -عليه السلام- فلم ينسه السجن وما فيه من الظروف دعوته، فأخذ يدعو السجناء الذين سجنوا معه.

     ويذكر القرآن قصة السحرة الذين آمنوا مع موسى -عليه السلام- وكيف أنهم ثبتوا أمام تهديد فرعون، بل ودعوه بعد تهديدهم بأبشع أنواع القتل والتعذيب: ﴿قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ۗ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَىٰ﴾ (طه:٧٢-٧٥)

    وتروي لنا السيرة الطاهرة ألوانًا من المواقف لسيد البشر -صلى الله عليه وسلم-، وهو يواصل دعوته في جميع الظروف، ومن أجمل صور الإصرار على الدعوة ما كان بعد طرده وملاحقته من قبل السفهاء والأطفال في دروب الطائف بعد أن دعاهم للإسلام، ذهب يتكئ على حائط إحدى المزارع وهو مرهق من التعب، وقدماه الشريفتان تشخبان دمًا، ثم يأتيه عبد لأحد الكفار يعطيه بعض الطعام، فيستغل الموقف ويدعوه للإسلام، فيسلم، وهكذا ربي الصحابة الكرام على حب الدعوة والاستمرار فيها في الظروف جميعًا، وإن تراجمهم تروي لنا كيف أن قلوبهم كانت معلقة بالدعوة حتى آخر لحظات حياتهم.

     فمما جاء في ترجمة الصحابي الجليل أبي الدرداء أنه (لما مرض قيل له: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي، قيل له: ما تشتهي؟ قال: الجنة، فلما وقع في الموت قال: ألا رجل يعمل لمصرعي هذا؟ ألا رجل يعمل لمثل ساعتي هذه؟) (سلوة الأحزان ۲۰).                                                  

أبو خلاد

بر المربين خلق العابدين (۳)

    عزة طالب العلم في التواضع للمربي وإلقاء السمع له

    التربية عقد بين المربي والمتربي، أبرز سماته التبكير للعلم، الاستئذان والتواضع للمعلم.

          لا مجال لعزة مصطنعة من المتربي إذا ما أراد أن يتلقى العلم والتربية، فالحساسية السلبية المتجاوزة للحدود تحرم المتربي من خير كثير، وربما استغلها إبليس في تنفيره عن الحق وأهله، ومن لم يتواضع للمربي المعلم، ويأتي له متذللًا ليستفيد من علمه وخلقه، بل ويريد هو من المربي أن يتذلل له ويخضع، فلن يبقى كثيرًا في رحاب العلم والدعوة.

         وليتعلم الدعاة المتربون من أخلاق موسى -عليه السلام- الذي لم تمنعه مرتبة الرسالة من التواضع للعلماء والخضوع لشروطهم عندما طلب من الخضر اتباعه، وهو يقول بكل تواضع للخضر: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ ( الكهف: ٦٦).

         فهي وإن بدت في ظاهرها ذلًا وخضوعًا، ولكنها في حقيقتها عز ورفعة، يقول ابن جماعة «ويعلم أن ذله لشيخه عز وخضوعه له فخر، وتواضعه له رفعة» (1)، وقد عوتب الإمام الشافعي على تواضعه لشيوخه ومربيه فرد عليهم بقوله: أهين لهم نفسي فهم يكرمونها ولن تكرم النفس التي لا تهينها (۲).

          يقول ابن جماعة «وأخذ ابن عباس -رضي الله عنه- مع جلالته ومرتبته بركاب زيد بن ثابت الأنصاري، وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا، وقال الغزالي: لا ينال العلم إلا بالتواضع وإلقاء السمع» (۳).

         ومن عجائب ما روي عن الإمام أحمد في تواضعه لمن يأخذ منه علمًا، وإن كان حديثًا ممن هو أعلم منه ما يرويه ابن مفلح في آدابه عن خلف الذي يقول: «جاءني أحمد بن حنبل يسمع حديث أبي عوانة، فاجتهدت أن أرفعه فأبى، وقال: لا أجلس إلا بين يديك، أمرنا أن نتواضع لمن نتعلم منه (٤).

         ومما يؤكد أن التواضع للعلماء والمربين يزيد في المنزلة بين الناس ما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- بقوله: «لما قبض رسول الله ﷺ قلت لرجل من الأنصار: هلم فلنسأل أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإنهم اليوم كثير، قال: واعجبًا لك يا ابن عباس، أترى الناس يفتقرون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من فيهم؟ قال: فترك ذلك، وأقبلت أنا أسأل أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الحديث، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فأتي بابه وهو قائل فأتوسد ردائي على بابه، تسفي الريح علي من التراب، فيخرج فيقول يا ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما جاء بك؟ ألا أرسلت إليَ فأتيك؟ فأقول أنا أحق أن آتيك، فأسأله عن الحديث قال: فعاش ذلك الرجل الأنصاري حتى رآني، وقد اجتمع الناس حولي فيقول: هذا الفتى كان أعقل مني» (٥).

         نعم هذا هو العاقل الذي يتحمل مظاهر الذل في موازين أهل الدنيا، تجار الجدل والكلام الضائع ليرتقي سلم العز والمجد في محاضن التربية، يقول عمر بن عثمان الجنزي:

    تواضع إذا ما طلبت العلوم *** تكن أكثر الناس علمًا ونفعًا

    وكل مكان أشد انخفاضًا *** يرى أكثر الأرض ماء ومرعى (٦).

            وجزاءً لهذا التواضع للعلم والعلماء والمربين يكافئ الله -تعالى- هؤلاء بما أخبر عنه نبيه -صلى الله عليه وسلم-: «إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يطلب» (۷).

         إنه تكريم من الملائكة، ومنزلة ما بعدها منزلة لمن أهان نفسه في سبيل إرضاء الله -تعالى- وتحصيل ما ينفعه من العلم والأخلاق ليزيد في عبوديته لخالقه سبحانه وتعالى.

          التربية عقد بين المربي والمتربي، عقد تم بين طرفين، الأول قبل بتربية الطرف الثاني، والثاني قبل بتربية الطرف الأول، والتي بمثابة الضمان لنجاح العملية التربوية للطرف الثاني، ومن أبرز هذه الشروط الاستئذان، ومن أهم فوائد الاستئذان:

    ١- المحافظة على وقت المربي؛ حيث إن المتربي عندما يذهب من غير استئذان، فإن ذلك يربك وقت المربي، وبرنامجه الذي صححه لتربية عدد من المتربين.

    ۲- تجنب فوات بعض الأمور النافعة للمتربي، حيث يصبح أحيانًا من الصعب إعادة بعض الدروس والفوائد التربوية لارتباط ذلك ببعض المتربين الآخرين ولضيق وقت المربي المشغول بأمور أخرى من الدعوة.

    ٣- الاستئذان صورة من صور الضبط والجدية والالتزام، وعدمه لا ينم عن ذلك.

         ولأهمية أمر الاستئذان ذكره الله -تعالى- في كتابه الكريم كأحد أهم صفات المؤمنين يقول -تعالى-: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النور:٦٢)

         يقول سيد قطب معلقًا على هذه الآية: والأمر الجامع الأمر الهام الذي يقتضي اشتراك الجماعة فيه، لرأي أو حرب أو عمل من الأعمال العامة، فلا يذهب المؤمنون حتى يستأذنوا إمامهم، كي لا يصبح الأمر فوضى بلا وقار ولا نظام، وهؤلاء الذين يؤمنون هذا الإيمان، ويلتزمون هذا الأدب لا يستأذنون إلا وهم مضطرون، فلهم من إيمانهم ومن أدبهم عاصم ألا يتخلوا عن الأمر الجامع الذي يشغل بال الجماعة، ويستدعي تجمعها له (۸).

    المبالغة بالتبكير:

         صفة التبكير للجلسات التربوية من أهم ما يجب أن يتصف به الدعاة المتربون، يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «اللهم بارك لأمتي في بكورها» (۹)، قال نافع: سألت ابن عمر -رضي الله عنهما- عن قول النبي -صلى الله عليه وسلم- «اللهم بارك لأمتي في بكورها، فقال في طلب العلم والصف الأول» (۱۰).

          لقد كان فحول العلماء ممن تربوا على أيدي جهابذة العلماء يبالغون في التبكير إلى مجالس العلم حتى أن جعفر بن درستويه يروي لنا قصته مع أصحابه بالتبكير فيقول: «كنا نأخذ المجلس في مجلس علي بن المديني وقت العصر اليوم لمجلس غد، فنقعد طول الليل مخافة ألا نلحق في الغد موضعًا نسمع فيه» (۱۱).

          مما يدل على استشعارهم أهمية ما يتلقونه من دروس العلم والتربية، وإلا لما بالغوا بمثل هذا التبكير، فلا ينبغي لمن قبلوا التربية في محاضن الدعوة الإسلامية أن يتخلفوا أو يتأخروا عن دروس العلم التي يتلقون فيها العلم والتربية.

          يروي لنا أحد أتباع الشيخ «عبد الصمد بن الفضل» صورة من الصور التربوية التي تتجلى فيها دقة المربي في تربية أتباعه، فيقول: «كنا نسمع الحديث من عبد الصمد بن الفضل ببلخ (۱۲)، وكان الباب مغلقًا دوننا، فجاء إنسان فقرع الباب، وأعنف في القرع والدق، فقال عبد الصمد لواحد منا قم فانظر إن كان من أصحاب الرأي فافتح له الباب وإن كان من أصحاب الحديث فلا تفتح له، فقال له بعضهم أليس صاحب الحديث أولى أن يفتح له الباب؟ فقال: لا، أصحاب الرأي أولى؛ لأن هذا عمل أصحاب الحديث، فلم يبكر، وليس هو عمل أصحاب الرأي، فيعذرون» (۱۳).

          فالذين هم خارج صف الدعاة إلى الله، والذين لم يلزموا أنفسهم بالتربية في محاضن الدعوة لا نستطيع إلزامهم بتبكير أو بخلق من أخلاق التربية، أما الذين ألزموا أنفسهم وقبلوا دخول هذا الأمر، فلا يليق بهم التأخر، خاصة إذا لم يكن هناك طارئ، كما أن ذلك لا يناسب الأمانة التي يتدربون على حملها في مثل هذه الجلسات التربوية.

    الزم غرسك:

         تلك نصيحة غالية وجهها الصديق -رضي الله عنه- للفاروق عندما كتبت معاهدة الحديبية، ورأى الفاروق فيها بعض الشروط المجحفة في حق الإسلام والمسلمين، فذهب يستشير أبا بكر، فعلمه الصديق مبدأ من أهم المبادئ التي تقوم عليها الجماعة المسلمة، وأي مؤسسة ناجحة، ألا وهو الطاعة للقائد، ولكنها طاعة مبصرة، وليست عمياء، وطاعة نابعة من المحبة والثقة بقدرات القائد وإخلاصه، حرصًا على ارتقاء المؤسسة إلى أعلى مراتب النجاح والإنجاز، وليست طاعة يرى فيها المتربي الخطأ الواضح، أو ما يظنه خطأ فيسكت بل ينصح، ويستفهم ضمن إطار الأدب وأخلاق المتربي مع مربيه فلا يعلن النصيحة أمام الآخرين، كما لا يلجأ إلى غيبة أو نجوى بعيدًا عن علم القيادة والمربين، فتوغر الصدور، ويساء الظن، وتتعثر المؤسسة في تحقيق أهدافها.

           ولئن كانت حادثة الحديبية لم يظهر فيها اعتراض ذو أثر كبير بسبب وجود الرسول ﷺ بينهم، فإن حوادث الردة بعد موت الرسول -صلى الله عليه وسلم- كانت ردة الفعل فيها أكبر بين الصحابة -رضي الله عنهم- ولم يعترض الفاروق وحده على حروب المرتدين، بل شاركه كثير من الصحابة ذلك الرأي، فكانت تربية الصديق المربي هذه المرة في تأصيل الطاعة غير قاصرة على الفاروق، بل كانت للصحابة جميعًا عندما قال: «والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقاتلتهم عليه، لأقاتلن من فرق بين الزكاة والصلاة».

         لقد تعلم الصديق والصحابة الكرام -رضي الله عنهم جميعًا- أهمية الطاعة للمربي من خلال تربية الرسول الله -صلى الله عليه وسلم- على آيات القرآن الكريم، والتي يذكر فيه الله -تعالى- الكثير من صور الطاعة للمربي، ومن أبرزها طاعة جنود طالوت لأوامره بعدم الشرب من الماء، فكانت الفئة الطائعة هي التي صمدت أمام الأعداء عند النزال، حيث يقول تعالى:

    ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: ٢٤٩).

         ثم تعلم الصحابة الكرام درسًا عمليًا قاسيًا في معركة أحد، نتج عن عدم طاعة الرماة لأميرهم، فقد وقع ضحايا من أبرز الصحابة –رضي الله عنهم– في وقت كانوا في أمس الحاجة إلى الفرد في تلك الجماعة الناشئة، ولعل الموقف ومعه موقف الحديبية، وغيرهما كانا وراء انقياد الصحابة للصديق وطاعتهم له في معارك الردة، ولم تكن هناك حركة عصيان عام، أو حركة احتجاج تطير بالخليفة بالرغم من حرج الموقف، ومنطقية عدم المصادمة مع القبائل المرتدة حسب الميزان البشري للواقع آنذاك، ولكنه النور الرباني الذي قذفه الله -تعالى- في قلب الصديق، فكان ينظر من خلاله، وكانت الصورة الرائعة للطاعة الجماعية للقائد، وكان النصر المؤزر للمسلمين، وكان النجاح المتوالي في جميع معارك المسلمين ومؤسساتهم الحديثة لتوافر عنصر الطاعة الرئيس في عملية البناء والنجاح، كما أنه من أبرز علامات الحب والثقة والبر لمن نتلقى على أيديهم العلم والتربية.

    الهوامش:

    ٣,٢,١- تذكرة السامع ص ٨٨.

    ٥،٤- الآداب الشرعية ٢/٢٦.

    ٦- أدب الإملاء والاستملاء ١٤٤.

    ٧- رواه الطيالسي بإسناد صحيح.

    ٨- في ظلال القرآن ٤/ ٢٥٣٥.

    ٩- أدب الإملاء- العلمية ١١١.

    ١٠- رواه الإمام أحمد وصححه الألباني (ص ج ص ۱۳۰۰).

    ۱۱– أدب الإملاء والاستملاء ص ۱۱۲.

    ۱۲– مدينة تقع في أفغانستان.

    ۱۳- أدب الإملاء ص ١٦٢.

     ===============================

    ميدان فرسان الدعوة

    بقلم: محمد يوسف الشطي

          ينبغي أن تعلم أيها الداعية أن القلب هو مركز العمل، ومصدر الطاقة، وملتقى الطموحات المتوثبة والدعوة تريد نفوسًا حية، قوية متينة، ومشاعر غيورة ملتهبة متأججة، وأرواحًا طموحة متطلعة، تتخيل مثلًا عليا، وأهدافًا سامية لتسمو نحوها، وتتطلع إليها ثم تصل إليها، ثم تركز عليها حتى تصبح عقيدة، ولا تقبل جدلًا، ولا تتحمل شكًا ولا ريبًا. (۱).

          إن الذي يحرك الداعية جذوة الحق، وشعلة الإيمان المتقد، وحب الأجر واستشعار حلاوته، ومرافقة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الجنة، وما أحلى وأصدق قول الإمام البنا في وصف نموذج فارس الدعوة الذي نريد:

    «أستطيع أن أتصور المجاهد شخصًا قد أعد عدته وأخذ أهبته، وملك عليه الفكر فيما هو فيه نواحي نفسه وجوانب قلبه، فهو دائم التفكير، عظيم الاهتمام على قدم الاستعداد أبدًا، إن دعي أجاب، أو نودي لبى غدوه ورواحه وحديثه وكلامه، وجده ولعبه، لا يتعدى الميدان الذي أعد نفسه له، ولا يتناول سوى المهمة التي وقف عليها حياته وإرادته، يجاهد في سبيلها، تقرأ في قسمات وجهه، وترى في بريق عينيه، وتسمع من فلتات لسانه- ما يدلك على ما يضطرم في قلبه من جوى لاصق وألم دفين، وما تفيض به نفسه من عزمة صادقة، وهمة عالية، وغاية بعيدة، أما المجاهد أو «الداعية» الذي ينام ملء جفنيه، ويأكل ملء ماضغيه، ويضحك ملء شدقيه، ويقضي وقته لاهيًا لاعبًا عابثًا ماجنًا، فهيهات أن يكون من الفائزين أو يكتب في عداد المجاهدين».(۲)

           نعم هيهات أن يكون من فرسان الدعوة الذين لم يبيعوا أنفسهم من أجل تبليغ رسالة السماء الخالدة، ولم يبذلوا أوقاتهم وأموالهم وحياتهم لإعزاز سلطان الإسلام، أيها الفارس: نريد ضميرًا يهتز لقيم الدين ينطلق كالمدفع لإجابة نداء الحق، ويلتزم بتعاليم القرآن، ويرتبط قلبه بثمار الجنة قبل ثمار الدنيا، فقد ثبت في الصحيح عن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه– قال: أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نتصدق فوافق ذلك مالًا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر، قال: فجئت بنصف مالي، قال: فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما أبقيت لأهلك قلت مثله، وأتى أبوبكر -رضي الله عنه- بكل ما عنده، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- له ما أبقيت لأهلك، فقال: أبقيت لهم الله ورسوله، فقلت: لا أسابقك إلى شيء أبدًا.(۳)

         يا فارس الحق شمر عن ساعديك، وتعرف منطلقات الحق التي تسمو بالإنسان نحو العزة والرفعة، والقوة والمنعة، فما أشد احتياج الدعوة إلى أن تنزل عن بعض وقتك وراحتك، وبعض مالك وبعض مطالب نفسك لخير الإسلام وأبناء المسلمين فإن كنت قائدًا ففي مطالب القيادة تنفق، وإن كنت تابعًا ففي مساعدة الداعين والعاملين تفعل، وفي كل خير: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ﴾ (سورة النساء: ٩٥).

         هل فرحت يومًا لنصر أصحاب دعوة السماء أو خير تحقق على يد مصلح، أو واجب قام به أحد إخوانك؟ هل شعرت بلذة العمل وأنت في خضم أمواج الدعوة المتلاطمة أو سعادة لرجل أنفق وقته في سبيل الله ونصرة الحق؟ أتعلم ما سر الراحة التي يشعر بها الدعاة في دعوتهم؟، هو استشعار حلاوة الأجر، وذوق حلاوة الإيمان التي طغت على مرارة الطريق ومتطلبات الدعوة، نعم هي جزء منه لا يهنأ له عيش بدونها، ولا يقر له قرار إلا في جوانحها؛ لأنها مقصد آماله وطموحاته ومزيلة آلآمه ومصائبه، هي شغله الشاغل، وهمه الأهم، هي مصيره الذي وهب نفسه وحياته لها.

          ولقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتحرق حزنًا وألمًا على ما كان يلقى من إعراض المشركين وصدهم عن دعوته، حتى عاتبه ربه في ذلك ونهاه أن تستبد به مشاعر الحزن والأسف عليهم فقال له: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (سورة الكهف:٦)، أي فلعلك قاتل نفسك حزنًا وأسفًا عليهم إن لم يؤمنوا بهذا القرآن، وما يستحق هؤلاء أن تحزن عليهم وتأسف.

         وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يطيل الحوار مع المشركين رغبة في إيمانهم، بل لقد كان يقطع المفاوز والقفار، ويتسلق الجبال، وينزل الوديان طمعًا في رجل أو بضعة رجال كما كان من سفره -صلى الله عليه وسلم- إلى الطائف وعرض نفسه على ثقيف. (٤)

         فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يمتلئ شفقة على قومه، وكان أمله في الله كبيرًا في هداية قومه، وأنت كذلك يا فارس الدعوة لا تيأس من رحمة الله، ولا تقنط من دعوة الآخرين ولا تتأفف، فرب الكلمة التي تكتب بها نجاتك يوم القيامة لم تنطق بها بعد، فأنت صاحب بضاعة كبيرة وقيمة فلا تفرط فيها، وتنشغل عنها بمتاع الحياة قال -تعالى-: ﴿فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (سورة الشورى: ٣٦).

    الهوامش:

    1– دعوتنا في طور جديد حسن البنا ۲۳۳ بتصرف.

    ٢– رسائل العاملين: ١/ ٣٧٩.

    ٣- رواه أبو داود والترمذي - حديث رقم (٣٦٧٥) وقال حديث حسن صحيح.

    ٤– رسائل العاملين ١/٣٨١، ٣٨٢.

    داعية العامة:

           بذرة الخير متأصلة في نفوس المسلمين مهما حاولت رياح الشر أن تعصف بتلك النفوس الطيبة، ومن خلال العمل الدعوي، يلحظ الداعية سؤال كثير من العامة عن قضايا الإسلام وأحكامه وتوجيهاته، ورغبتهم في معرفة الحق والوصول إليه، بل إن بعضهم ليسأل عن أدق السنن ليعيها ويطبقها.

         ومن هنا كان لا بد من وجود داعية العامة الذاتي الحركة، المنضبط التصرف، الواعي لحقيقة الدين وتوجيهاته ليدل الناس على طريق الحق وليرشدهم إليه، ومنشأ ذلك ما أمر به النبي -صلى الله عليه وسلم- له من أن تبقى طائفة من الفقهاء من صحابته، لتعلم الناس أمور دينها، وتجيبهم عن تساؤلاتهم في فترة انشغاله بالمعارك والحروب: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾  (سورة التوبة:١٢٢).

    ومن الآية الكريمة نلحظ الآتي: 

    1– أن معنى الآية: «أن من كل جماعة كثيرة جماعة قليلة تقوم بطلب العلم الشرعي والفقه في الدين، وتجشم المشاق في تحصيله، وليجعلوا مرمى همتهم في الفقه إنذار قومهم، وإرشادهم إذا رجعوا إليهم» (الأساس في التفسير سعيد حوى: ٤/٢3٧٢).

    ٢- أن الفقه المطلوب لا بد من أن يخالطه فهم لواقع الناس: يقول الأستاذ سيد قطب -رحمه الله-: «فالذي يستقيم عندنا في تفسير الآية: أن المؤمنين لا ينفرون كافة، ولكن تنفر من كل فرقة منهم طائفة -على التناوب بين من ينفرون ويبقون- لتتفقه هذه الطائفة في الدين بالنفير والخروج إلى الجهاد والحركة بهذه العقيدة، وتنذر الباقين من قومها إذا رجعت إليهم بما رأته وما فقهته من هذا الدين في أثناء الجهاد والحركة، وهذا الوجه الذي ذهبنا إليه، له أصل من تأويل ابن عباس -رضي الله عنهما-، وابن جرير، وهو أن الدين منهج حركي، لا يفقهه إلا من تحرك به، فالذين يخرجون للجهاد به هم أولى الناس بفقهه، بما يتكشف لهم من أسراره ومعانيه، وبما يتجلى لهم من تطبيقاته ومعانيه، أما الذين يقعدون فهم الذين يحتاجون أن يتلقوا ممن تحركوا؛ لأنهم لم يشاهدوا ما شاهد الذين خرجوا، ولا فقهوا فقههم، ولا وصلوا من أسرارهم هذا الدين إلى ما وصل إليه المتحركون» (الظلال:٣/ ١٧٣٦).

    ٣- لابد من وجود هذا الصنف (دعاة العامة) في حياة الناس لدلالتهم على الطريق السوي.

          مما سبق نرى أن فرقة الفقهاء لا بد من أن تعي وتتعلم الأمور الشرعية، لأجل الوصول إلى هدفهم، ومن ذلك الجهاد لإعلاء كلمة الله، إذ من غير وعي وفقه لهدف الدعوة، فإنه لا سبيل للنجاح، وبهذا الفقه يتم إرشاد الناس (العامة) للمنهج الأقوم، ومن خلال الآية السابقة نستلهم هذا المعنى، إذ «إن الفقه في دين الله والجهاد متلازمان، إذ لا يمكن أن يقوم جهاد حقيقي بلا فقه» الأساس: ٤/ ٢٣٧٢).                                      

    علي بن حمزة العمري

     العداوة وأثرها في المجتمع

         العداوة منفرة ومذمومة عند النفوس الواعية الشريفة، بل هي مهلكة وموبقة وغالبًا ما يكون وجودها مع النفوس الضعيفة التي ترى الحياة من جانب واحد وهو جانب المصلحة الفردية، أي ما يفيد ذاك المرء في حياته بغض النظر عن حقوق الآخرين ومصالحهم التي تشتبك بمصالحه مثل هذا الشخص تراه يتحكم في كل موضوع برأيه الفردي دون مشورة، وإن عقد الشورى فإنه يحققها للحسابات الشخصية والحزبية أو القومية، دون رؤية فاحصة لمشكلات المجتمع بصفة عامة، ودون حرص على أن يقدم يد الخير إلى أخيه.

         فالعداوة تترك أثرًا سلبيًا في الفرد والمجتمع فإذا اتسم بها الفرد فإنه يكون حقودًا أشد ما يكون الحقد، فلا يسلم من حقده حتى بنو دينه وجنسه وذوو رحمه، فإن ضرب يضرب بلا رحمة، ويفحش فحشًا كيفما شاء، ويلعن لعنًا كيفما يريد، ويطعن طعنًا كلما وجد الفرصة؛ لأنه دائمًا يفكر أن ينتقم من غيره بما يرضي نفسه الضعيفة، وليس هذا شأن رجل آمن بالله وبرسله ويكتبه، لأنه يعرف قدر نفسه وقدر أخيه وقدر مجتمعه، فهو إن عادى أو عودي فلا يجاوز الاعتدال، ولا يتعدى الحدود التي يعرفها العقل والشرف. 

          العداوة رأس النفاق، والنفاق مرض من الأمراض المهلكة؛ لأنه يسبب الخسارة المادية والمعنوية للفرد والمجتمع، ونفاق العداوة ينشأ من كون صاحبها قد يلجأ إلى إظهار مودة زائفة لمن يعاديه حتى يتحين فرصة، فينقض عليه بلا رحمة ليقضي عليه، وهذه أخطر أشكال العداوة، وقد جاء ذم العداوة في الإسلام؛ لأن ثمرتها تحطم الفرد والمجتمع، فالإسلام يريد الأمن والعدالة لنا جميعًا.

         وبالإسلام يتحقق الأمن الحق؛ لأن الله -تعالى- لا يأمر بالفساد، وجاء ذم العداوة في قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «سباب المؤمن فسق وقتاله كفر».

          وإذا نظرنا إلى هذا الحديث وأمثاله نظرة واعية فاحصة، نجد الإيذاء والاستهزاء حرامًا؛ لأن الإسلام يهتم اهتمامًا بالغًا بإيجاد الرحمة والألفة، ويؤكد تزكية نفس المسلم تجاه أخيه المسلم، فالرحمة مطلوبة في هذا الدين؛ بها تتوطد العلاقات والصلات، ويتوحد الأفراد في عبادة رب العالمين، وبها يتواصل المرء مع قريبه وصديقه وجاره، وبها تتحقق ألفة واسعة بين الأمة الإسلامية.

         من يعادي الناس لا يكسب من عداوته شيئًا في دنياه ولا في آخرته، ففي الدنيا لا يكسب سوى كراهيته بين الناس وفساد ما بينه وبينهم، وفي الآخرة يعاقبه الله بفعله المنكر، وقد وصف الإمام علي -رضي الله عنه- الدنيا فقال: «ما أصف من دار: أولها عناء، وآخرها فناء، في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب»، وأيضًا قال: «الدنيا تغر، وتضر، وتمر»، وفي الحقيقة هو تعريف الدنيا التي هي دار العداوة والظلم، وأما الدنيا التي هي مزرعة الخير والعلم والعمل الصالح، والفضيلة، والعدل والتعاون والتقوى المطلوب شرعًا منها وصف آخر. 

         إن لكل داء دواء، ولكل مرض علاج، ولكل مشكلة حل، إذا نحن عملنا لذلك بطريقة حسنة وأسلوب رفيق، وربما يعالج الإنسان الأمور الصعبة برفق وحسن خلق، وتمسك بحبل الله المتين، وأيضًا يمكن أن يعالجها بشدة وعنف وغلظة، وهو بذلك يتعب نفسه، ويزعج غيره فيما لا حق له، فالنجاح الصحيح والفوز المتين هو نجاح الرفق والرحمة، لا نجاح الشدة والعداوة.

    ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ﴾ (سورة آل عمران: ١٥٩).

          وبذلك يريد الإسلام الرفق والرحمة في مسيرة الحياة، أما الانتقام فلا يدعو إليه دين الحق، وإذا حدث فإنه لا يكون حسب العاطفة الفردية والإحساس الشخصي: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ﴾ (النحل: ١٢٦)، كما أن هناك مجالًا للعفو والرفق والمحبة: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ( الأعراف: ١٩٩).   

    محمد أمين محمد أمان

    كن ولا تكن: كن ورعًا.

         نقل عن الإمام النووي أنه مكث في الشام وعاش فيها ومات، ولم يذق ثمارها، وعندما روجع في هذا قال: «إن هناك بساتين موقوفة قد ضاعت، وأخشى أن آكل مال الوقف، ولا عجب أن نرى له تلك المؤلفات الكثيرة، فكم فتح الورع من أبواب؟

          وهذا (الظاهر بيبرس) يريد فتوى فحواها: أن يجمع المال لشراء السلاح، فأفتاه علماء الشام إلا الإمام النووي، فعاتب الظاهر بيبرس النووي على هذا قائلًا: أنا أريد أن أصد أعداء الله، وأحمي حوزة الإسلام وبيضته، وأنت لا تعطيني فتوى أن أجمع المال من أجل شراء السلاح؟ فقال له النووي: «لقد جئتنا عبدًا مملوكًا لا تملك من الدنيا شيئًا، وأنا أرى لك اليوم الغلمان والجواري والقصور والضياع، فهذه ليست أموالك، فإن بعت هذا جميعًا ثم احتجت بعد ذلك لشراء السلاح، فأنا أفتيك أن تجمع من أموال المسلمين، قال: أخرج من الشام، فخرج من الشام إلى (نوى) وجاء علماء الشام إلى الظاهر بيبرس وقالوا: لا غنى لنا عن (محيي الدين النووي) قال: أرجعوه، وذهبوا إلى (نوى) في (حوران) وقالوا له: ارجع فقد سمح لك الظاهر أن ترجع إلى الشام، قال: «والله لن أدخلها والظاهر فيها»، أي قوة في القلب؟ وأي عز هذا الذي يورثه الورع؟ مواقف لا تصمد أمامها العقول لا القلوب، ما الذي جعل هذه الأفئدة ترتقي هذه القمم؟ إنه والله الورع وبر الله بقسم (النووي) ولم يمض سوى شهر حتى مات الظاهر وعاد النووي إلى الشام، عاد صاحب القلب العظيم، وصاحب الصدر المنشرح، وصاحب النفس التي تربت على الحلال على الورع.

         هذه بعض النماذج للورعين من أمة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- عاشوا يرددون قول الله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (سورة المؤمنون: ٦٠-٦١)، ويكررون قول نبيهم محمد -عليه الصلاة والسلام-: «لن يبلغ العبد درجة التقوى حتى يدع ما لا بأس به مخافة أن يكون به البأس».

         والآن هل أدركت معنى الورع؟ نعم، هو تنزه العبد واستعلاؤه عن المشتبه فيه، فضلًا عن البين من الحرام؛ خشية الله -عز وجل- وتعظيمًا له.

    عدنان القاضي

    الرابط المختصر :

    موضوعات متعلقة

    مشاهدة الكل

    نشر في العدد 1124

    65

    الثلاثاء 08-نوفمبر-1994

    المجتمع التربوي (1124)

    نشر في العدد 1119

    107

    الثلاثاء 04-أكتوبر-1994

    المجتمع التربوي: (العدد: 1119)

    نشر في العدد 1127

    70

    الثلاثاء 29-نوفمبر-1994

    المجتمع التربوي (1127)