; المجتمع التربوي: (العدد: 1119) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي: (العدد: 1119)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 04-أكتوبر-1994

مشاهدات 106

نشر في العدد 1119

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 04-أكتوبر-1994

وقفة تربوية

حوار مع الكعبة (١)

في وسط صحن الحرم المكي ما زالت هذه الكعبة شامخةً منتصبةً، يطوف حولها دون انقطاع آلاف المسلمين صليت قريبًا منها، وجلست أتأملها بعد صلاة الفجر، وأسأل نفسي كم من الأحداث مرت على هذه الكعبة؟ وكم من البشر شاهدت؟ وكم من العصور عاصرت؟ وكم من عظائم الأمور تحقق وسيتحقق حولها؟ وأنا أسال نفسي هذه الأسئلة، فإذا بها وكأنها ترمقني، وأنا أتساءل مع نفسي، وكأنها أحست برغبتي في حوارها، وهي التي أخفت تحت هذه الكسوة السميكة مئات الآلاف من الأحداث والأسرار، فقالت: أيها الغريب، سل ما بدا لك.

فقلت: أيتها الكعبة المشرفة – زادك الله شرفًا وبهاء - أي أيامك كان أسعدها منذ بناك سيدنا إبراهيم عليه السلام وحتى يومك هذا؟

قالت: أسعد أيام حياتي كان عند مجاورة سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم، وصلاته بقربي، وطوافه بي، وتقبيله لحجري الأسود، وطواف الصحابة الكرام حولي.

قلت: وأي الأيام كان أحزن؟

قالت: أحزن أيام حياتي عندما جاء ذلك الكافر القرمطي واقتلع الحجر الأسود من خاصرتي، وأباح الدماء، ولم يرع حرمة لي، فقتل المصلين وهم متعلقون بأستاري.

قلت: مما تستغربين؟

قالت: أستغرب من مسلم يطوف بي سبعًا، ويقبل الحجر الأسود، ويبكي ويعاهد الله على التوبة، فما يلبث أن يعود إلى معاصيه عندما يرجع إلى بلده وتخالط زينة الحياة الدنيا قلبه.

أبو بلال

تربية العارفين

آباء وأبناء

بقلم: محمد الجاهوش

كان حرص السلف الصالح – رضي الله عنهم – شديدًا على تربية أولادهم وتعليمهم آداب الإسلام ومكارم الأخلاق، وصفات المروءة والرجولة، وتبصيرهم بعادات المجتمعات ومفاهيم الناس، وما نشئوا عليه وتوارثوه عن آباءهم.

إذ إنهم متى فقهوا ذلك استطاعوا تمييز الحسن من القبيح، والغث من السمين، وأفادوا من تجارب ذوي العقول الناضجة، والفهوم الثاقبة، وتحلوا بأخلاق أهل الفضل والمروءة، وتجنبوا مثالب السفلة والغوغاء، وأصبحوا من النابهين المؤثرين الذين يقودون أقوامهم، ويوجهون مجتمعاتهم نحو معالي الأمور، وكريم الفعال.

ولقد كان الرعيل الأول يمثلون الطراز الأمثل من وعي الآباء وحرصهم على غرس هذه المبادئ في نفوس أبنائهم.

ومن هذه النماذج ما ذكره ابن عساكر في كتابه تاريخ دمشق الكبير عن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – وهو يحاور ولده الحسن، ليطمئن إلى نباهته ووعيه، وإدراكه لحقائق الحياة، وطبائع الأحياء: 

علي: يا بني، إني سائلك عن أشياء من المروءة. 

الحسن: سل یا أبت، وأرجو أن تقر عينك بولدك.

علي: يا بني، ما السداد؟ 

الحسن: دفع المنكر بالمعروف. 

علي: ما الشرف؟

الحسن: اصطناع العشيرة، وحمل الجريرة.

على: ما المروءة؟

الحسن: العفاف وإصلاح المال، وفقه الرجل في دينه، وإحراز نفسه عن الدنس، وإكرام الضيف.

علي: ما اللوم؟

الحسن: إحراز المرء نفسه، وبذله عرسه.

علي: ما السماحة؟

الحسن: البذل في حالتي العسر واليسر.

علي: ما الشح؟

الحسن: أن يرى المرء ما في يديه شرفًا، وما ينفقه تلفًا.

علي: ما الإخاء؟

الحسن: مواساة الإخوان في الشدة والرخاء.

علي: ما الجبن؟

الحسن: الجرأة على الصديق، والنكول عن العدو.

على: ما الحلم؟

الحسن: كظم الغيظ، وملك النفس.

علي: ما الغني؟

الحسن: رضا النفس بما قسم الله لها وإن قل، وإنما الغنى غنى النفس.

علي: ما الفقر؟

الحسن: شره النفس في كل شيء.

علي: ما المجد؟

الحسن: أن تعطي في الغرم، وأن تعفو عن الجرم.

علي: ما الغفلة؟

الحسن: ترك المسجد، مصاحبة المفسد.

علي: من السيد؟

الحسن: من لا يمسك المال عن حاجة إخوانه، المتسامح، من يشتم فلا يجيب، المعني يأمر عشيرته وقومه، ذلك هو السيد.

دروس وعبر

من ابتغى قرة العين في الأولاد والسعادة بهم، فليحملهم على مثل هذا الأدب الرفيع، وليغرس فيهم ما يشبه هذه الخلال الحميدة، التي تحقق له ولهم شرف الدنيا، وعز الآخرة وليقتد بخيرة الآباء – ممن سلف – حيث كانت تربية أولادهم مقدمة عندهم على كل شيء، لا يشغلهم عنها شاغل، ولا يصرفهم عن العناية بها صارف. 

فما حقق من الربح شيئًا من حرص على تثمير أمواله، وأهمل أولاده. 

وأعظم منه خسارة من صرف أوقاته بين أصدقائه وزملائه، وأهمل بيته ولم يتابع مسيرة أولاده ومتطلبات حياتهم، ومعالجة مشاكلهم، وما يعترضهم من صعاب.

إن مصيبة نسبة كبيرة من النشء – في أيامانا هذه – تكمن في انشغال الآباء وتخلى الأمهات عن الأمومة وانشغالهن بشتى المشاغل، وأدائهن مختلف الأعمال إلا القيام برسالتهن نحو أولادهن، واعتمادهن في ذلك على الخادمات والمربيات، وما أدراك ما يترتب على ذلك من مفاسد وأضرار، بدأت آثارها تظهر جلية لكل مهتم بمثل هذا الأمر.

فهل يحرص الآباء والأمهات جميعًا على تنمية الثروة الحقيقية، التي تجلب المال، وتحمى الأوطان وتصون الأعراض؛ إذا رعيت حق الرعاية، وربيت على مبادئ الخلق والفضيلة؟ 

مشكلات وحلول في حقل الدعوة

المشكلة: الخروج من المؤسسة

التعريف: هو القرار الذي يتخذه فرد أو مجموعة في مؤسسة دعوية للانفصال من تلك المؤسسة وقطع الصلة التنظيمية بها، وقد يكون هذا الانفصال انفصالاً عن الالتزام ببعض تعاليم الإسلام أو جميعها، أو يكون هذا الانفصال هو انفصالاً تنظيميًّا فقط ويبقى ملتزمًا بجميع تعاليم الإسلام، وكلا النوعين قد يتحولان إلى خصوم شرسين للمؤسسة أو يبقون المودة والعلاقة الطيبة معها.

المظاهر:

١- كثرة النقد لقرارات المؤسسة.

 ٢-عدم الحضور للأنشطة.

 ٣- إساءة الظن في الكثير من قرارات المؤسسة.

 ٤- عدم تنفيذ ما يطلب منه.

 ٥- تكوين بعض الجيوب الجانبية بعيدًا عن علم المؤسسة وقيادتها.

٦- القيام بعملية التسبيط بين أفراد المؤسسة.

 ٧- بث روح التمرد أو الخروج من المؤسسة.

 ٨- بث روح الإحباط من المؤسسة.

 ٩- الانشغال والاهتمام بالمظاهر الدنيوية.

 ١٠- صرف طاقة كبيرة خارج المؤسسة.

الأسباب:

١- عدم اهتمام المؤسسة ببعض الملكات والمواهب البارزة لدى بعض الأفراد بسبب بعض الاجتهادات التربوية الخاطئة، كخوفهم من غرس البروز وغيرها من الأمور.

٢- سوء المعاملة من المسئول للفرد.

٣- عدم الاستماع وعدم التقدير لوجهة نظر العضو فيما يتعلق ببعض المسائل أو القرارات التي تتخذها المؤسسة.

٤- تصديق العضو للشبهات المثارة ضد المؤسسة، دون تثبت أو تأكد من صحتها.

٥- عدم توافر صفات الالتزام بالمجموعة لدي الفرد.

٦- العجب بالرأي لدى الفرد.

٧- الاحتكاك ببعض خصوم المؤسسة والتأثر بأطروحاتهم.

٨- الاحتكاك ببعض الضعفاء من أفراد.

٩- عدم التوافق بين المسئول والفرد.

١٠- عدم معرفة الفرد لأصول العمل الجماعي.

١١- الانجذاب للدنيا «شهادة، منصب، تجارة... إلخ».

١٢- عدم وضوح الهدف.

١٣- عدم وضوح المرحلة.

١٤- عدم الشعور بالإنتاجية، وبأنه على الهامش.

١٥- شعور الفرد بعدم الاستفادة من طاقته.

١٦- القناعة بإمكانية خدمة الدعوة من خارج المؤسسة أفضل من داخلها.

العلاج:

١- جلسات مصارعة لمعرفة المتغيرات عليه، وملاحظاته على المؤسسة.

٢- الاستماع لجميع وجهات النظر المخالفة ومناقشتها، وذلك للارتقاء بالمؤسسة.

٣- مراعاة التوافق الفكري والعبادي والدعوي والعمري بين المسئول والفرد.

٤- توظيف الطاقات المختلفة لسد جميع حاجات المؤسسة.

٥- التنمية الفكرية للارتقاء بالفرد لمعرفة الأهداف البعيدة والمرحلية، ومعرفة دوره في المرحلة.

٦- مراعاة توافق المهمة المكلف بها الفرد مع ميوله وطاقاته.

٧- مراعاة التعامل مع الأفراد بما يتناسب مع نضجهم العقلي والفكري.

٨- فتح آفاق جديدة في العمل تستوعب ميول الأفراد وطاقاتهم.

٩- إعطاء شيء من التفويض للأفراد الذين يصلون إلى مناصب قيادية خارج المؤسسة تحتاج إلى اتخاذ القرارات السريعة.

١٠- عدم تقليب العلاقات «الحزبية» على العلاقات الأخوية في المؤسسة الدعوية 

الصوارف التي تشغل بعض الدعاة.. وعلاجها

بقلم: محمد عبد العزيز الشيخ حسين

داء خطير وبلاء كبير، تسلل إلى نفوس بعض دعاة اليوم، فبدأ ينهش في عقولهم، ويشوش عليهم أفكارهم، فيزين لهم الجلوس عن الدعوة إلى هذا الدين، ويحبب إليهم القعود بشتى صوره، فيدعوهم لترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويرغبهم من دعوة الناس إلى الخير ولو بالكلمة الصادقة؛ فضلًا عن بذل الجهد والوقت والمال والنفس والنفيس في سبيل الله، إنه داء السلبية القاتلة.

نوعان من الدعاء:

والدعاة أمام هذا الداء العضال بين مكابر متعام عنه، يحسب أنه على الجادة، وهو في أمر مريح لا يقدم للإسلام شيئًا يذكر غير هيئته الإسلامية فقط، وبين دعاة استسلموا لتلك السلبية ورضوا بها؛ ظنًا منهم أن ذلك تواضع واعتراف بالحق، وهذا خطره أشد فتكًا من الصنف الأول وأنكى، ولندع أصحاب الصنف الأول جانبًا، وتعال معي – أخي الداعية – لنطوف قليلًا مع الصنف الثاني من الدعاة لتعرف حقيقة صوارفهم عن الدعوة وأهلها، ولتمحص تلك الدعاوى الباطلة والصوارف الشاغلة عن العمل لهذا الدين.

الانشغال بالأهل ليس حائلًا:

فمن الدعاة من يرى أن انشغاله بأهل بيته وأقاربه وظروفه الخاصة لا تسمح له بالاتصال بالدعوة والدعاة، فهي تأخذ عليه كثيرًا من الوقت والجهد؛ لذا فهو يتجنب الصالحين حتى لا يحرج معهم، فلا يلتقي معهم في درس عام أو لقاء عابر أو ديوانية عامة إلا وتجده دائمًا يقدم الأعذار صادقًا أحيانًا، وموريًا أحيانًا أخرى، فاعلم أخي –إن كان هذا شأنك – إن الاهتمام بأمر البيت والزوجة والأولاد والأرحام أمر حث عليه الشارع، فقال صلى الله عليه وسلم له: «كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته.. إلخ»، ولكن هل سألت نفسك: ماذا قدمت لأهلك وأنت منشغل بهم؟ هل حببتهم في هذا الدين ونشأتهم على تعاليمه؟ وأوجدت فيهم الغيرة على محارمه؟ فإن لم تفعل فهل وفرت لهم من سبل الخير ما يعينهم على أنفسهم والشيطان من كتاب نافع، أو مجلة إسلامية صادقة، أو شريط هاتف يربطهم بأمتهم وقضاياها؟ فلعل الله يخرج منهم من يقوم بأمر هذا الدين ما لم تتحمله، أم أن ذلك مكلف لك؟ وما أظن ذلك فهذرك في الأمور العامة كثير، وإسرافك في الكماليات يعرفه الصغير والكبير.

ولماذا – وفقك الله – لا تستغل المناسبات العامة واللقاءات الاجتماعية التي تحضرها في التعرف على الناس وتوثق الصلة بهم، وتربطهم بالدعاة والعاملين للإسلام؟ فهم يكفونك المؤتة فتكسب الأجر ويحفظ لك الجميل.

وإن كانت ظروفك تستدعي مكثك الطويل في المنزل أو غيره، فلم لا تعرف هذا الكنز الثمين في القراءة النافعة، والنهم منها، وإعداد البحوث الخاصة بك، والمفيدة للأخرين، كتحقيق بعض المسائل العلمية أو التأليف والكتابة في المجالات المختلفة التي تحتاجها الأمة المسلمة، وأنت خير من يعلم قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن أدم انقطع عمله إلا من ثلاث – وذكر منها – وعلم ينتفع به».

تصريف المال في مرضاة الله:

وإن كان الصارف لك عن الدعوة ظروفك الاقتصادية الصعبة التي اضطرتك للعمل التجاري أو لبراعتك في هذا الجانب، فسلكت بك التجارة في ميادينها الشاسعة وشعبها، فاستنفذت كثيرًا من طاقتك وحماستك، فظننت أنها صرفتك عن دعوتك وأنه ليس بين التجارة والدعوة سبيل.

فأعلم – حفظك الله – أنه نعم المال الصالح الرجل الصالح، وأنه لا انقسام بين الدعوة والتجارة والمال؛ بل إن حاجة كل منهم للآخر لا تخفى على عاقل، فالدعوة قوام الحياة، كما أن المال – في غالب الأحوال – قوام للدعوة.

فماذا عليك لو جعلت من مشاريع الاقتصادية ما تخدم به أمتك، وجعلت من استثماراتك في المجالات النافعة وخاصة المشاريع الثقافية كفتح مكتبة أو تسجيلات إسلامية للشباب، أو مشاريع خاصة بالنساء كتوفير حاجتهم من الملابس المحتشمة وغيرها في أسواق خاصة بهن، أو مشاريع تقدم البديل الصحيح للطفل المسلم من وسائل تعليمية أو ألعاب مسلية، ولا شك أنه ما يتفتق عليه عملك السليم من مشاريع وأفكار أكثر من هذا بكثير، ولتكن مراقبة الله ديدنك، وأداء حقوقه والبعد عن محارمه نصب عينيك، فلا تنس الزكاة فهي حق معلوم، وتجنب الحرام من ربا ورشوة واحتكار، وتذكر دائمًا أنك قدوة وإياك إياك من اللجوء إلى الغش التجاري الذي تعددت صوره في واقعنا، فوجد من يستغل ثقة الناس أحيانًا وسذاجتهم أحيانًا أخرى للتلاعب بالسلع والأسعار ولتحقيق أكبر المكاسب والأرباح، واحذر كل الحذر من الأيمان الكاذبة المنفقة للسلعة، الممحقة للبركة. كما أخبر بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم: «كما أن عليك أن لا تنس أن تبر نفسك وأهلك وخاصة والديك مما أفاء الله عليك من هذه النعمة، فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده.

كما لا يفوتك ألا تنس إخوانك المنكوبين في العالم، فاليتيم ينتظر كفالتك، والأرملة تنتظر إحسانك وصدقتك، واللاجئون والمحرومين ينتظرون إغاثتك، والمجاهدون الصادقين ينتظرون دعمك وتبرعاتك، فإن قمت بذلك كله؛ فاعلم أن ذلك دعوتك.

وإن أردت ألا تقطع صلتك بالدعوة وأهلها فما يضيرك – أخي التاجر – لو فتحت مجلس منزلك ليلة في الأسبوع للصالحين من دعاة البلد وعلمائها، فأكرمتهم، فرفقت قلبك بأقوالهم، وذكرت ربك برؤيتهم، فهل تشعر أن ذلك سيكلفك الكثير أيها التاجر الداعية الصادق الأمين؟

استثمار الأسفار: 

وإن كان الذي يصرفك عن العمل الإسلامي والدعوة كثرة الأسفار والترحال لطبيعة العمل الوظيفي أو التجاري، فاحرص أن تستفيد من سفراتك تلك وتستثمرها على الوجه الأمثل، كأن تلتقى بالدعاة والعاملين للإسلام في تلك الديار، فتأخذ العلم عنهم وتفيدهم بما لديك من العلم، وتنقل تجاربهم الدعوية الناجحة إلى إخوانك في بلدك، فإن ذلك مكسب كبير يضاف إلى رصيدك الدعوي، كما لا يفوتك في جولاتك حول العالم الإسلامي أو غيره زيارة المراكز والهيئات الإسلامية؛ للتعرف عن قرب على أحوال المسلمين والأقليات المستضعفة في العالم، فتوصل إليهم ما تجود به نفسك أو يجود به غيرك من خدمات إغاثية تكفل حاشية، أو تبني مدرسة، أو تعلم جاهلًا، أو تطعم جائعًا، أو تكسو عاريًا، وما أكثر مآسي المسلمين، ورحم الله امرءًا جعله الله مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر.

وإن كان الذي يصرفك عن الدعوة الظروف والمشاكل الاجتماعية الضاغطة من زوجة غير صالحة، أو ولد سوء، أو مرض عضال، أو دين مرهق، أو مصائب تحل من فترة لأخرى تشغل القلب، وتجعلك في حالة نفسية سيئة لا تلتفت معها لإصلاح نفسك وتهذيبها؛ فضلًا عن دعوة الأخرين وتوجيههم وإرشادهم، فأنت يا أخي الحبيب بحاجة ماسة في هذه الفترة إلى زاد الإيمان والتقوى والصبر وكثرة اللجوء إلى المولى سبحانه والاستزادة من الطاعات والنوافل من صلاة وذكر وقراءة قرآن... إلخ، لتخفف عنك وطأة العقبات والمصائب، وتزيح عن عاتقك هموم الحياة وضغوطها، وإياك إياك أخي والانزلاق في حماة الشهوات ومجاراتها للهروب من هذا الواقع المؤلم فتهرب من فتنة لأخرى أشد منها فتصبح كالمستجير من الرمضاء بالنار.

فإن سلمك الله من تلك فأحذر – رحمك الله – من التسرع في اتخاذ القرارات الطائشة أو أن يجرك الغضب إلى ما لا تحمد عقباه في الدنيا والأخرة، فتضر نفسك والآخرين من أهل بيتك: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ (23)﴾ (محمد: ٢٢-٢٣) فإن اجتزت هذه العقبة فعليك أن تصرف ذهنك وجهدك إلى ما فيه خير لنفسك وأهلك وأمتك، وتحافظ به على ما لديك من دين وخلق كمزاولة الأنشطة الخيرية العامة، ولتكن –في هذه الفترة – في دعوتك.. وإن زادت همتك فزد.

تسخير الهواية لطاعة الله:

وإن كان – أخي الفاضل – الشاغل عن الدعوة الانشغال بأمور شخصية كدراسة خاصة أو ممارسة هواية محببة للنفس؛ سواء كانت علمًا من العلوم كالفلك والكهرباء والميكانيكا وغيرها، أو فن من الفنون كالشعر والرسم، أو رياضة كالسباحة أو الصيد.. إلخ، فلا مانع من ذلك كله؛ بل باستطاعتك أن تجعل من تلك الهواية قربة تتقرب بها إلى الله، وتدعو إليه من خلالها إذا أخلصت النية، وتحريت المباح والحلال، فأنت تستطيع أن تكون متخصصًا في هوايتك تلك، تنفع بها نفسك، وقد تفيد بها إخوانك من الدعاء، فتدرسها لهم وتدربهم عليها، وقد تجمع حولك من محبي هذه الهواية، وتجعل منهم أصدقاءك وجلساءك، فتحببهم في الصالحين وتدعوهم إلى الخير، وتعمل على إرشادهم، وقد يتعدى بك الحال فتمدهم بالكتاب النافع، والشريط الإسلامي وما قد يبتكره عقلك من تسخير هذه الهواية لخدمة الدعوة أكثر من هذا بكثير، فما عليك إلا التجربة، والله لا يضيع أجر المحسنين.

وبعد – أخي – وفي نهاية هذه الجولة القصيرة حول المبررات الصارفة عن الدعوة، فهل تبين لك وهميتها، وأنها عوائق بالإمكان إزالتها إن وجدت النية الصادقة، وقليل من الجهد والبذل اليسير، فإن قالت لك نفسك: قل إن مبرراتي وشواغلي عن الدعوة تختلف عن كل ما ذكر آنفًا، فلم يبق إلا أن تستعيذ من الصارف الأكبر وهو الشيطان الرجيم، فذلك من وساوسه ونفثه، أما أنت أيها الداعية الصادق لا مفر لك من الدعوة ولا محيص مهما كان ظرفك أو عملك أو وجهتك، فهل تُرِي من نفسك للشيطان ما يغيظ؟! 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 29

120

الثلاثاء 29-سبتمبر-1970

لعقلك وقلبك ( 29)

نشر في العدد 233

102

الثلاثاء 21-يناير-1975

بسرعة

نشر في العدد 711

99

الثلاثاء 02-أبريل-1985

تذكرة للدعاة