; إلغاء الطائفية السياسية أولًا | مجلة المجتمع

العنوان إلغاء الطائفية السياسية أولًا

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 07-يوليو-1987

مشاهدات 61

نشر في العدد 824

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 07-يوليو-1987

مفتي صيدا والجنوب الشيخ محمد سليم جلال الدين:

صيدا- «المجتمع» من سعد الناصر:

سماحة الشيخ محمد سليم جلال الدين مفتي صيدا والجنوب رجل ناهز الثمانين لكنه ما زال يتمتع بروح عذبة وشخصية نشيطة محببة لكل من عرفها واقترب منها.. كانت له مواقفه المشرفة أبان الاحتلال الإسرائيلي حيث رفع الصوت عاليًا داعيًا للتحرير، وبعد أن تحررت صيدا لا ينسى أحد موقفه عندما رفض مصافحة «المطران الصليبي» أمام الرئيس الجميل الذي زار صيدا يومها مهنئا بالتحرير حيث قال: «والله لا أضع يدي بيدٍ تعاملت مع اليهود».

زارته «المجتمع» في مكتبه بدائرة إفتاء صيدا محاولة استجلاء رأيه حول ما يدور بالساحة اللبنانية، ولا سيما موضوع الوفاق بين اللبنانيين الذي يحاول المعنيون بالأزمة اللبنانية من خلاله وضع حد لحرب أهلية استمرت اثنتى عشرة سنة.. هل تنجح مساعي الوفاق؟ ما هي العراقيل؟ ما هي أسباب وجذور الأزمة في لبنان؟ هذه الأسئلة وغيرها كانت مدار الحوار مع الشيخ جلال الدين الذي أجابنا بصراحته المعهودة مكررًا بين الفترة والأخرى عبارات الترحيب والإطراء شاكرًا «للمجتمع» ولشعب الكويت التضامن مع جهاد إخوانهم في لبنان وهذا نص الحوار:

  • المجتمع: بعد اثني عشر عامًا على الحرب الأهلية في لبنان.. هناك سؤال حير وما زال يحير كل الذين اطلعوا على ملف الأزمة في لبنان.. ما هو السبب الذي ما زال يدفع الشعب اللبناني إلى دوامة اقتتال مدمر يستمر طيلة هذه السنين ولا يكاد يتوقف ليندلع من جديد؟

المفتي: اثنا عشر عامًا مرت علينا في لبنان مليئة بالحروب والمنازعات، حافلة بالمهاترات والاتهامات زاخرة بالتحالفات والتناقضات ضاربة بعرض الحائط التعاليم السماوية والقيم الإنسانية والأخلاقية والمبادئ الإنسانية.. هذه السنين أراها كافية لأن نتوقف عندها ونستجلي من خلالها حقيقة الداء الذي أصاب هذا الشعب حتى نصف له الدواء..

إن الصراعات على الساحة اللبنانية متعددة ومتنوعة، من هذه الصراعات ما هو متسبب عن رواسب قديمة وإفرازات خلفها الاستعمار على ممر العصور والعهود، ومنها ما هو حديث وليد أطماع دولية ومخططات صهيونية وإمبريالية ومنها ما هو مستورد من الشرق الإسلامي العربي! وجد في الساحة اللبنانية خير مكان لتفاعله وجني الثمار.

  • المجتمع: هناك من يرى أن من أبرز أسباب هذه الحرب العقلية الطائفية التي يفكر من خلالها المسيحيون في لبنان، وخير دليل على ما نقوله في الماضي البعيد أحداث 1860 بين الدروز والمسيحيين، وفي وقتنا الحاضر أحداث الـ 1975 حيث قام الصليبيون الكتائبيون بذبح المواطنين المسلمين على الهوية ما رأيكم؟

المفتي: أعتقد أن اثنى عشر عامًا من الحرب تبين لنا أن صراعاتنا الداخلية لم تكن وليدة حوادث عام 1975 ولا عام 1860 فحسب، إنما هي نتيجة خطأ في فهم الوطنية وحقيقة الانتماء الوطني. وقد كشفت لنا الأحداث عن الوسائل التي تلجأ إليها القوى الطامعة للسيطرة على الشرق في استمالة بعض ذوي النفوس الضعيفة من الذين أفقدهم الحقد صوابهم وأغراهم الطمع حيث تعمل على توظيفهم واستخدامهم سلاحًا فتاكًا تنفذ من خلاله مؤامرات اليهود ومخططاتهم وأسيادهم الأمريكان من خلال إثارة الفتن الطائفية والمذهبية والفئوية والإقليمية.

وعلى الرغم من أن أطماع الدول الاستعمارية ليست حديثة العهد به هي قائمة في التاريخ القديم وإن اختلفت صورها إلا أن الصورة ما تزال تتكرر.

المجتمع: لماذا لم يتم حسم الأزمة عسكريًا لصالح أحد الأطراف المتصارعة؟

المفتي: لا يمكن لأي طرف من الأطراف المتنازعة وقف المنازعات وحل الأزمة بحسم عسكري أو بتدخل أجنبي.

  • المجتمع: كيف تتصورون الحل؟

المفتي: لا حل إلا بالحوار السياسي البناء الذي يمكن بواسطته وضع صيغة للوفاق الوطني يحدد الأسس والقواعد لقيام نظام حكم ديمقراطي صحيح، يكون جميع اللبنانيين متساويين في ظله في الحقوق والواجبات.

  • المجتمع: سماحة المفتي.. كيف ينجح هذا الحل ويقوم النظام الوطني الديمقراطي ما دام الفريق المسيحي يصر على الحفاط على الامتيازات الطائفية كصيغة أساسية في النظام اللبناني؟!

المفتي: بالطبع لا إمكانية لقيام حكم وطني مستقر في ظل الطائفية والمذهبية أو الفئوية المميزة. لا بد من قيام الحكم على أساس الكفاءة وتكافؤ الفرص.

  • المجتمع: البعض يطرح «التقسيم» كحل واقعي للأزمة ما رأيكم؟

المفتي: لن يكون لمشاريع التقسيم ومخططات الفرز السكاني في لبنان مناخ صالح أو موافقة شعبية، كما وأنه لا يصلح طرح مثل هذه المشاريع أساسًا لحل الأزمة.

  • المجتمع: صاحب السماحة كيف يمكن أن يقوم وفاق مع المسيحيين أو مع المارونية السياسية التي تصر على عزل لبنان عن محيطه العربي وتتمسك بالتعامل مع العدو اليهودي المحتل للأرض اللبنانية؟

المفتي: التعامل مع العدو الإسرائيلي يزيد من حدة الصراعات، ويعرقل مشاريع الحل ويعقد الأمور ولا يعود على لبنان إلا بالويل والثبور، كما أن عزل لبنان عن محيطه العربي مرفوض ومدان.

  • المجتمع: ميثاق 1943 قام بين الرئيسين بشارة الخوري «الماروني» ورياض الصلح «المسلم» هذا الميثاق اعترف للبنان باستقلاليته ملاحظًا وجهه العربي الذي يفرضه عليه موقعه ومحيطه، ومع أن هذا الميثاق كان بمثابة البداية لبناء مجتمع وطني موحد يحفظ للجميع كرامتهم وحقوقهم لكنه من جهة أخرى عمل على تكريس الطائفية السياسية، هل يصلح ميثاق 1943 كأساس لصيغة جديدة تجمع اللبنانيين؟

المفتي: صيغة الـ 1943 لا يمكن الإبقاء عليها فقد تجاوزها الزمن، ولا بد من تطويرها وإيجاد صيغة بديلة يجب إلغاء الطائفية السياسية واعتماد المناصفة في المجلس النيابي! واعتماد نظام اللامركزية الإدارية.

  • المجتمع: لبنان اليوم وطن ممزق الأوصال أرضًا وشعبًا ومؤسسات، ما هو السبيل لتوحيد هذا البلد وفق ما يكفل حقوق المسلمين ولا يضيعها؟

المفتي: لبنان أرضٌ لها حدود معترف بها دوليًا، فإذًا هو مملوك لأهله وأصحابه الذين هم شركاء بالمحافظة عليه وصونه من كل اعتداء، وحدة لبنان تكون ابتداء بحمايته من كل اعتداء وتطهيره من كل احتلال يدنس أرضه وبخاصة إذا كان هذا الاحتلال يهوديًا حاقدًا، وأي تقصير في هذه المسؤولية يجعل من لبنان عرضة للأطماع وتدخل الغرباء وموطنًا لدويلات التقسيم ومناطق النفوذ، فالانتماء للوطن لا يكون بالإدعاء والأناشيد ولا بالهوية الرسمية الصادرة عن دائرة الإحصاء والأحوال الشخصية، إنما يحتاج إلى عنصرين أساسين ليكون انتماء صحيحًا وبحق هما:الإيمان والعمل. وهذا الإيمان لا بد أن يترجم على الساحة وتظهر إثارة في التحركات والأعمال. 

إذًا لا بد من تحديد العدو الأساسي لكل اللبنانيين أولًا ألا وهو إسرائيل واعتبار أي تعامل معها أو المراهنة عليه خيانة بحق الوطن. يجب أن تتوحد الطاقات لمحاربة العدو الإسرائيلي وتقوية المقاومة لتطهير الأرض اللبنانية.

  • المجتمع: سماحة المفتي البعض يعتبر أن الوجود الفلسطيني في لبنان يشكل عقبة في طريق الحل من خلال تعدد القرارات في الساحة الفلسطينية وكثرة التنظيمات الفلسطينية المسلحة؟ (!).

المفتي: لا بد من تنظيم العلاقة بين الأخوة اللبنانيين والفلسطينيين بما يضمن للفلسطينيين في لبنان حقوقًا موازية لما تقدمه لهم بقية الدول العربية.. ليست هناك أية عقبة.

  • المجتمع: هل من كلمة أخيرة توجهونها عبر صفحات «المجتمع» ولمن (؟)

المفتي: أوجه هذه الكلمة ختامًا إلى المسؤولين والقادة السياسيين في العالم العربي والإسلامي وإلى كل أصحاب القرار أناشدهم فأقول: إن لبنان في خطر وعلى الجميع العمل على إنقاذه وتحرير أرضه قبل فوات الآوان.

الرابط المختصر :