العنوان حين تنحاز الأمم المتحدة.. وتساوي بين الجلاد والضحية!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 10-أغسطس-2002
مشاهدات 59
نشر في العدد 1513
نشر في الصفحة 9
السبت 10-أغسطس-2002
يتساءل الكثير من المراقبين بحق. عن أهمية استمرار منظمة الأمم المتحدة بعد أن تحولت. وبشكل خاص في عهد أمينها الحالي كوفي عنان - إلى مؤسسة تابعة لأمريكا، تأتمر بأوامرها، وتلتزم بسياساتها. وهل تلحق المنظمة الحالية بعصبة الأمم التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى، ثم لم تستطع الصمود امام تقلبات السياسات وتوالى الأحداث؟
ومن بين المثالب الكثيرة التي تؤخذ على الأمم المتحدة وإدارتها، فإن موقفها من القضية الفلسطينية وقضايا العرب والمسلمين هو الأسوأ على الإطلاق، كما أن صمتها وتغاضيها عن تجاوزات الكيان الصهيوني هو الأكثر انكشافًا وانفضاحًا.
وقبل أيام، صدر تقرير الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان حول مجزرة جنين التي ارتكبتها قوات الاحتلال الصهيوني في أبريل الماضي، ومحت فيها مخيم جنين للاجئين من على وجه الأرض بعد أن هدمت البيوت على رؤوس ساكنيها من أطفال ونساء وشيوخ وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد طلبت في السابع من مايو الماضي من الأمين العام إعداد ذلك التقرير، بعد حل فريق تقصي الحقائق الذي تشكل بقرار مجلس الأمن رقم ١٤٠٥ في ١٩ أبريل ۲۰۰۲م، وصدر التقرير بعد قرابة ثلاثة شهور.
وعلى الرغم من أن التقرير يتطرق إلى المماطلات والتسويفات التي انتهجها الإسرائيليون في تعاملهم مع الأمم المتحدة، بعد تشكيل فريق تقصي الحقائق وعدم تعاونهم مع المنظمة أو تقديم معلومات لها، وهي أمور تكفي لإثارة الشك في النوايا الإسرائيلية، والرغبة في إخفاء الحقائق إلا أن التقرير. وبدعوى الحياد المزعوم. طفح بالتحيز لإسرائيل، وذلك بمساواته بين الجلاد والضحية، وإلقاء اللوم على الجانب الفلسطيني قبل أن يتحدث - على استحياء - عن التجاوزات الإسرائيلية.
فحين يتحدث التقرير عن القتلى يبدأ بالإسرائيليين وكأنهم ضحايا، وحين يتطرق لما يسميه بالعنف يبدأ بالمقاومة الفلسطينية، ويصور أعمال المقاومة وكأنها السبب الرئيسي في الاجتياح الصهيوني لمدن الضفة الغربية وارتكاب المجازر هناك، ويرى أن الجماعات الفلسطينية التي قامت بهجمات ضد المدنيين - كما يزعم - تعد منتهكة لمبدأ أساسي من مبادئ القانون الدولي هو مبدأ حرمة حياة المدنيين وممتلكاتهم وأعمال الإرهاب التي تودي بالحياة تنتهك الحق في الحياة المنصوص عليه في القانون الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ويضاف إلى ذلك قوله إن القانون الإنساني الدولي يحظر على هذه الجماعات وغيرها من الأفراد المسلحين إقامة قواعد عسكرية في المناطق المدنية الكثيفة السكان.
ولعلها المرة الأولى التي يُقدِم فيها تقرير رسمي صادر عن الأمم المتحدة على توجيه الاتهامات لشعب أرضه محتلة، وتمارس ضده شتى أشكال القتل والتنكيل والتشريد والتهديم والحصار، ثم توصف مقاومته بأنها أعمال إرهابية، وقد كان بودنا أن يذكر الأمين العام للأمم المتحدة الوسائل المشروعة - من وجهة نظره - التي يمكن أن يسلكها الشعب الفلسطيني لاستخلاص حقه إذا كان طريق المقاومة إرهابًا، وطريق المفاوضات لا يفضي إلا إلى إذلال واستسلام كامل.
وينسج تقرير كوفي عنان، على المنوال الأمريكي الصهيوني، فيحمل السلطة الفلسطينية - التي كانت آنذاك محاصرة، ومبانيها مدمرة - مسؤولية وقف أعمال المقاومة الفلسطينية، وكأنها أجير مستخدم لحفظ الأمن الصهيوني، ويطلب من السلطة أن تمنع الجماعات الموجودة داخل إقليمها من شن تلك الهجمات... ومن ثم فإن على السلطة الفلسطينية مسؤولية حماية المدنيين الإسرائيليين من الهجمات التي تصدر من المناطق الخاضعة لسيطرتها الأمنية والغريب أنه في هذه النقطة يتخذ التقرير صيغة الرأي الواحد غير القابل للنقاش، أما حين يتعلق الأمر بمسؤولية الاحتلال الصهيوني تجاه المدنيين الفلسطينيين، فإن التقرير يفتح الباب لتبرير الجرائم الصهيونية بالقول: إنه تقع على عاتق إسرائيل التزامات بالا تزاول اعمال العقاب أو القصاص الجماعي، وأن تمتنع عن مصادرة ممتلكات الأشخاص المحميين أو إلحاق دمار واسع النطاق بها إلا إذا كانت العمليات العسكرية تقتضي - بصورة لا مناص منها - هذا التدمير.
وعلى هذا النسق سار تقرير الأمم المتحدة عام ۲۰۰۲م والذي جاء اسوا من تقريرها عن مجزة قانا التي وقعت في جنوب لبنان عام ١٩٩٦م، حين لجا المدنيون اللبنانيون إلى ملاجئ قوات الأمم المتحدة للحماية من القصف الجوي الإسرائيلي، فلم تغن عنهم شيئًا، ودمر الطيران الصهيوني الملجأ، ورغم ذلك جاء التقرير - آنذاك - منحازًا متخاذلًا مستضعفًا أمام السطوة الأمريكية الصهيونية.
إذا كان هذا حال المنظمة الدولية بعد ٥٨ عامًا من إنشائها... ففيم بقاؤها وفيم بقاء الدول فيها؟ وهل يقبلون أن يكونوا شهودًا على التزوير والتدليس والانحياز السافر والكيل بمكيالين وسفك دماء الأبرياء وتهديم منازلهم اليس من الأولى أن تنسحب الدول المستضعفة في العالم - وهي الكثرة الغالبة - من الأمم المتحدة لتنهار المنظمة أو لتبقى حكرًا على الكبار، فتكون صورة أخرى من حلف شمال الأطلسي، أو مجموعة الثمانية الكبار، أو أي منظمة أخرى مشابهة؟، المهم الا تدعي - على غير الحقيقة - أنها تمثل دول العالم، بينما هي تمثل رأي دولة واحدة هي أمريكا وربيبتها إسرائيل!.