; الأديب الدكتور محمد وليد لـ «المجتمع»: الأدب الإسلامي مشروع يهدف إلى وقف تشرذم الأدب وراء العقائد المنحرفة | مجلة المجتمع

العنوان الأديب الدكتور محمد وليد لـ «المجتمع»: الأدب الإسلامي مشروع يهدف إلى وقف تشرذم الأدب وراء العقائد المنحرفة

الكاتب عطا زين العابدين

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يونيو-1994

مشاهدات 69

نشر في العدد 1104

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 21-يونيو-1994

إن الأدب الذي نحتاجه اليوم هو أدب الأصالة والمقاومة الذي لا يقبل التعايش مع الضعف.

الشاعر المسلم ينطلق في ميادين الإبداع ضمن الأطر التي رسمها الإسلام 

أخذ الأدب الإسلامي يحتل مكانته على الساحة الأدبية مثيرًا ردود فعل متباينة ما بين متحمس له كأحد أشكال الصحوة الإسلامية الحديثة، وبين معارض لا يرى فيه أكثر من نوع من الانغلاق الثقافي معتقدًا أن الدعوة الإسلامية الأدب تثير من الإشكاليات أكثر مما تحل من المشاكل.

وفي حوارنا مع الدكتور محمد وليد أحد شعراء رابطة الأدب الإسلامي العالمية، والذي جمع بين الاهتمامات الطبية العلمية والأدبية، فهو أديب وشاعر كما أنه طبيب وأستاذ جامعي سابق متخصص في أمراض العيون وجراحتها - تناولنا عددًا من قضايا الأدب الإسلامي وهمومه واستمتعنا بالسلاسة والبراعة والإحاطة في إجابات الدكتور الأديب.

المجتمع: تعددت التصورات حول مفهوم الأدب الإسلامي، فما هو مفهومكم في ذلك؟

د. محمد وليد: الأدب الإسلامي هو الكلام الجميل الموحي الذي يحمل مضمونًا إسلاميًا بأسلوب الفنان لا بتقرير العالم أو خطابية السياسي وبهذا المفهوم يمكن أن يشمل الحياة كلها ويعبر عن مختلف همومها من المنطلق الإسلامي. 

وقد نما هذا الأدب وبدا يشتد ويقوى ويخط في الأرض سبل اليقين، وعلى الأديب المسلم أن يرقي به إلى أفاق تتجاوز السائد والنمطي، ليعمل على إنفاذ الغاية التي خلق الله الإنسان من أجلها في الوجود.

المجتمع: لا شك أن الجمال هو أحد المواضيع الكبرى التي يهتم بها الشاعر، فما العلاقة بين الشعر والجمال؟

د. محمد وليد: الشعر من جميل والجمال أصيل في تصميم الكون، وليس الجمال جمال الطبيعة والمرأة فقط وإنما جمال المثل والمعاني والسلوك.

يحيا المسلم في تناغم مع الكون الذي خلقه الله مسخرًا له ويجد في حركته تعبيرًا عن التسبيح لله تنقله إلى عالم مشرق جميل فالطير الذي يفرد يسبح الله ويعبده والزهرة الندية التي تفتح أوراقها لتحتضن أشعة الشمس تسبح الله وتعبده إن إدراك جمال الكون هو أقرب وسيلة لإدراك جمال خالق الكون.

المجتمع: هل تعتقدون أن الالتزام الإسلامي يحد من حرية الشاعر في التعبير عن الجمال؟

د. محمد وليد: الشاعر المسلم أولى الناس بالتعبير الصادق عن الجمال والإسلام يهذب تعبيره ولا يحده.

المجتمع: لقد تنازل الشعر في العصر الحديث عن عرشه لصالح فنون أدبية أخرى مثل القصة والمسرحية فما تقولون في ذلك؟

 د. محمد وليد: الشعر ظاهرة إنسانية والنزوع إليه فطري وفي الحديث الشريف «وإن من البيان لسحر» (الراوي عبد الله بن عمر، المحدث البخاري، المصدر صحيح البخاري، ص5776، الحكم صحيح) وهو ممارسة أصيلة موغلة في القدم ضاربة بجذورها في أعماق الوجدان الإنساني مستمدة تقاليدها من معطيات السنين. 

ولا أرى أن أحد الفنون يمكن أن يتنازل لصالح الآخر، فلكل من شخصيته وطعمه وأساتذته وجمهوره ولكل دوره الذي لا يستطيع الفن الآخر أن يحل محله.

المجتمع: هل الأدب الإسلامي قديم أم حديث؟

د. محمد وليد: إن الأدب الإسلامي عطاء ثقافي وأدبي متصل منذ أربعة عشر قرنًا وهو ضارب بجذوره في أعماق الأرض العربية كنصوص أما كمصطلح فهو جديد كل الجدة.

المجتمع: وما ضرورة هذا المصطلح اليوم وقد عاشت الأمة بدونه على مر القرون.

د. محمد وليد: إن أدبنا لم يدفع دفعًا على مر تاريخه إلى أزمة تشوه وجهه وتسعى لفصله عن جذوره كما هو حادث اليوم.. لقد كان الخروج على مقتضى الإسلام في الماضي بعد تجاوزًا فرديًا أما الآن فقد طغى طوفان التعدي على حمى الله. 

لقد أفرزت حركة التغريب تيارًا مشايعًا من الأنباء كانت تقاليد الغرب غالبة على أدبهم أدباء مرحلة الانتقال؛ ثم استمرت مرحلة التقليد والانتقال فترة طويلة، وكانت أن تصبح في التيار الأساسي.

إن «أدباء مرحلة الانتقال» ليسوا هم الرواد بطبيعة دورهم لأن الرائد هو الذي يستقر بعد طول اغتراب على دعائم من الأصالة.

ومن يطالع الثابت والمتحول، لأدونيس وجدلية الخفاء والتجلي لكمال أبو ديب، «وشعرنا الحديث إلى أين» لغالي شكري، ومشروع رؤية جديدة للطيب التيزيني، «وتكوين العقل العربي»، لعبد الله العربي يدرك خطورة المسؤولية الملقاة على عاتق الأديب المسلم.

إن الأدب الإسلامي مشروع إسلامي، يهدف إلى وقف تشرذم الأدب وراء العقائد الصغيرة والمنحرفة، ويهدف إلى تأكيد الرابطة الأصيلة بين الأدب والعقيدة وهو يوظف معطيات العقيدة الإسلامية لإضاءة الحاضر والنفاذ إلى المستقبل.

 المجتمع: انبثق الأدب الإنساني عن المدرسة الفلسفية الداعية للاهتمام بالإنسان في حياته الدنيوية وإبعاده عن الدين، فهل الأدب الإسلامي أدب إنساني؟

 د. محمد وليد: الأدب الإسلامي أدب إنساني كما هو أدب رباني، ولا تناقض في حس المسلم بين ما هو رباني وما هو إنساني، لأن الإسلام هو الدين الوحيد الذي سوى العلاقة بين الله والإنسان في منظومة بديعة متناسقة من الأفكار والشعائر والعقائد. 

لذا فإن ربط الأدب بالعقيدة الإسلامية لا يشكل خروجًا على طبيعة الأدب قدر ما يصحح العلاقة بين العقيدة والأدب.

المجتمع: ما دور الأديب في الواقع الراهن للأمة الإسلامية اليوم؟

د. محمد وليد: لقد تبلدت الأجواء الفكرية في ظل التدهور الذي نعيش فيه وأقيمت المذابح لكل القيم والمفردات التي تمت إلى الإرادة والتحدي بصلة، فالجهاد يصور على أنه رغبة التسويق الموت والشهادة على أنها موت مجاني أرخص من الانتحار. 

ويخضع البعض لهذا الواقع الأليم، ويحسب أن اللحظة الراهنة هي اللحظة الدائمة فيبني موقفه على التعايش مع هذا الواقع وهذا خطأ كبير. 

إن انحسار القوة الغالبة للإسلام لا يعني ذهاب قيمة فقيم الإسلام قوة ذاتية صامدة فيه حتى في أوقات تخلف المسلمين وضعفهم.

 إن الأدب الذي نحتاجه اليوم هو أدب الأصالة والمقاومة الذي لا يقبل التعايش مع الضعف، ولا يعقد الصلح معه الأدب الذي يعيش واقعه دون أن يخضع له ويتجاوز الوقتي والمحدود ليبني عوالم المستقبل.

المجتمع: يصور الأدب الإسلامي عقيدة الأمة وأصالتها، ويفهم البعض الأصالة على أنها نوع من التعصب يتعارض مع الانفتاح على الثقافة العالمية فما رأيكم في هذا الموضوع؟

د. محمد وليد: إن الأصالة كما يقول شيخنا الرافعي فضيلة إنسانية والتقليد لا يكون طبيعة إلا في الطبقات المنحطة، وصناعة التقليد وصناعة المسخ فرعان من أصل واحد ليست الأصالة مجرد التمسك بالتراث وليس نقيضها الحداثة التي ترفض التراث. 

فالأصالة أن يصدر الشاعر في عمله عن نفسه المعتصمة بالشخصية الإسلامية والمنهج الإسلامي في الفكر والحياة بعيدًا عن الإنسان للسائد والخضوع للنمطية.

وهنا يجب التفريق بين استقلالية الشخصية المسلمة وانعزاليتها، فالتواصل أمر مطلوب لكنه يتجاوز حدوده عندما ينقلب إلى الذوبان في الغير، وإلى رفض تام لكل الموروث الثقافي كما أن الاستقلالية مطلوبة لكنها تتجاوز حدودها الطبيعية عندما تنقلب إلى رفض تام لكل ما انتجته الثقافات الأخرى. 

نحن لا ندعو للانعزال عن الثقافة العالمية، بل ندعو للتواصل معها على أساس الانتقاء.

 المجتمع: هل يكبت الالتزام الإسلامي حرية الإبداع؟

د. محمد وليد: يطالب الإسلام الشاعر أن يكون ملتزمًا.. والعلاقة بين الحرية والالتزام ليست علاقة بين قطبين متنافرين.

 إن الموهبة الحقة كفيلة بخلق الأطر الصحيحة وابتكار الأشكال المناسبة التي تعبر عن أحاسيس المسلم من خلال روح الإسلام، ويجب أن يكون لدى المبدع إسلاميًا كان أو سواء مجموعة من القيم حتى إذا ما وجد معها الاستعداد والإشراف تحت عملية الإبداع، ويكون الإبداع ساميًا إذا كانت القيم سامية، ومنحلًا إذا كانت القيم منحلة. 

لم يمنع الالتزام الوجودي مثلًا أصحابه من الإبداع وكذلك الإسلام لا يمكن أن يمنع أصحابه من الإبداع مع توفر الشروط.

المجتمع: لا شك أن حرية التعبير عملية أساسية في الإبداع الشعري، فكيف يمكن الجمع بين القيود الأخلاقية التي حددها الإسلام وبين حرية التعبير؟

د. محمد وليد: الإسلام دين الحرية لكن الحرية في الإسلام ليست حرية انفلات، وإنما حرية استخلاف لإنفاذ الغاية التي خلق الله الإنسان لأجلها في الوجود.

ويجب أن نفرق هنا بين مفهومي القيد والحد. فالحصان الأصيل ينطلق في ميدان السباق ولا يمكن أن نضع قيدًا في أقدامه لأننا لو فعلنا ذلك لتوقف ولم يسبق، ولكننا نضع حدًا له في الميدان لا يتجاوزه وإلا أهلك نفسه وصاحبه وكذلك الشاعر المسلم ليس له قيد ولا بعد التزامه قيدًا ولكنه ينطلق في ميادين الإبداع انطلاقًا حرًا ضمن القيم التي رسمها الإسلام.

المجتمع: ما رأيكم بالنظرة القائلة بمعاملة النص الأدبي كقيمة جمالية صرفة بغض النظر عن محتواها الأخلاقي؟

د. محمد وليد: في عصر احتضار الأيديولوجيا يدعو البعض للتعامل مع النص الأدبي كفعالية جمالية لغوية تفصلها عن المضمون وعن الاحتكام للمعايير الأخلاقية ومعيارية الخطأ والصواب والواقع أنه لا يمكن فصل النص عن مضمونه الفكري، وقد صرح بذلك أعلام الفكر الغربي وقالوا باستحالة حيادية النص وأثبتوا انحيازه أبدًا، بل إن روائع الفن ارتبطت بما تحمله من مضمون فكري رائع.

إن قيمة الخير وقيمة الحق من أشرف قيم الجمال. 

وفصل العمل الشعري عن القيم الخلقية أمر مرفوض سواء جاء من طرفة بن العبد الجاهلي أو أبو نواس العباسي أو بودلير الفرنسي أو أدونيس المتفرنس يجب أن نقوم الشعراء بمعيار الحق وليس الحق بمعيار الشعراء ومن المستغرب أننا مدعوون لأن تستلهم في أدبنا اليوم كتابًا من الأدب الغربي حياتهم صورة للبؤس، والانهيار السلوكي يتخبطون وراء المجهول والجنون ليتخلصوا مما في نفوسهم من تمزق وقلق. 

إن المياه العذبة تنبجس من الينابيع العذبة وما جاءت يومًا من المستنقعات الآسنة.

المجتمع: هل الشعر العربي شعر إسلامي؟

د. محمد وليد: ما توافق من الشعر العربي مع قيم الإسلام كان شعرًا عربيًا إسلاميًا، وما خالفه كان شعرًا عربيًا غير إسلامي فالشعر العربي إنتاج بشري يشترك في إنتاجه أمرئ القيس الجاهلي، وحسان بن ثابت الصحابي، وأبو العلاء المعري الفيلسوف الشاك، وأبو نواس ذو المجون والشذوذ ومع ذلك فإن نظرة شاملة على الشعر العربي تؤكد أنه الحلقة الأوسع والبعد الاستراتيجي للشعر الإسلامي.

المجتمع: هل اللغة العربية هي لغة الأدب الإسلامي؟

د. محمد وليد: لا شك أن اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم ولغة أهل الإسلام، في كل زمان ومكان، والأدب الإسلامي المكتوب بهذه اللغة بالغ الروعة والجمال، ولكن يجب ألا ننسى أن هناك آدابًا راقية مكتوبة بلغات الشعوب الإسلامية الأخرى مثل الأوردية والفارسية والتركية، وكثير منها أدب إسلامي رفيع فنظامي الفارسي، ومحمد إقبال الباكستاني ومحمد عاكف التركي كتبوا أشعارًا إسلامية خالدة بلغاتهم الأصلية. 

المجتمع: يشكو البعض من تجاهل الأدب الإسلامي والتعتيم عليه وهذا أدى إلى الحد من انتشاره، فما رأيكم بذلك؟

د. محمد وليد: يشكو البعض من تجاهل الأدب الإسلامي والتعتيم عليه ونحن لا يمكننا قبول هذه الشكوى حتى ولو كانت صحيحة، ففي عصر الانفجار الإعلامي وثورة الاتصالات لا مجال للتعتيم إلا على الضعفاء الذين لا يستحقون الحياة فإذا ما ضاقت بالأدب الإسلامي أرض اتسعت له أرض أخرى، وإذا أظلمت عليه كل الأرض أشرقت به أقمار السماء.

إن العصر الحديث عصر انفتاح المجهول وعصر تدافع الثقافات وثورة المعلومات، وهو عصر أصبحت فيه المعاناة الإنسانية كونية.. وهناك هموم كونية عظمى أمام الشاعر المسلم هموم مصادرة الحرية والعدالة.. وهموم الشمولية القمعية وهموم مصادرة إنسانية الإنسان، وذلك يفتح أمام الشاعر المسلم أفاقًا للواقعية الإسلامية لم يكن يعلم بها من قبل والشاعر المسلم أولى من غيره بولوج هذا الباب لأنه هو المستخلف في الأرض وهو الأمين على حريات البشر.

والمهم أن يفيض الأديب المسلم عطاء وأن يفيض الناقد المسلم دراسة نقدًا وأن تتحرك الحيوية في قلوب الجميع حتى يتحرك العالم بهم.

إن شمس الأدب الإسلامي في شروق ولن يستطيع أحد التعتيم عليها عندما تبلغ كبد السماء.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 9

113

الثلاثاء 12-مايو-1970

دعوة الحق: اللَّه أكبر (شعر)

نشر في العدد 11

105

الثلاثاء 26-مايو-1970

في رثاء الشهيد باعبّاد