; اللغة العربية وقضية التخلف (4 من 4) | مجلة المجتمع

العنوان اللغة العربية وقضية التخلف (4 من 4)

الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر السبت 10-ديسمبر-2005

مشاهدات 74

نشر في العدد 1680

نشر في الصفحة 52

السبت 10-ديسمبر-2005

لقد تساءل الشوباشي: هل العربية مقدسة؟ وأقر أنه لولا القرآن الكريم ما بقيت العربية مستمرة حتى القرن الحادي والعشرين «يقصد القرن الخامس عشر الهجري» يتحدث بها قرابة ثلاثمائة مليون من البشر.

كما يرى أن علاقة اللغة بالدين -يقصد الإسلام- من أخطر القضايا وأكثرها حساسية.

ثم يشير إلى أن بعض الأفكار الجامدة التي تقف بالمرصاد في وجه أي تطور إلى تحنيط اللغة وعزلها عن مجاراة العصر بسبب الربط المباشر بين العربية والدين، ويزعم أصحاب هذه الأفكار -في رأيه- أن العربية ليست فقط اللغة التي نزل بها القرآن، ولكنها لغة الدين ذاته، وبالتالي فهي محاطة بقدسية خاصة ترفعها إلى مرتبة تجعل المساس بها نوعًا من أنواع الكفر، ومن هذا المنطق -كما يقول- ظهرت نظرية تصف اللغة العربية بأنها لغة توقيفية، أي أنها منزلة من السماء، وبالتالي فهي متوقفة بجوهرها عن أي إضافة أو حذف أو تعديل بيد البشر. (ص ۷۱)

ومشكلة الرجل أنه يخلط الأمور ببعضها، ويفهمها على طريقته الخاصة غير العلمية والمنهجية، ولو أنه قدم لنا شاهدًا واحدًا على ما يقول لصدقناه، ولكنه لم يفعل، لم يذكر لنا اسمًا واحدًا من أصحاب الأفكار الجامدة، ولم يحدثنا عن الذين جعلوا العربية تصل إلى درجة القدسية، ولم يكلمنا عن نظرية اللغة «التوقيفية»، مع أنها توقيفية بالفعل دون نظرية، ودون الفهم الذي يدور في رأس الشوباشي الذي يعني توقفها بجوهرها دون إضافة أو حذف أو تعديل بيد البشر.

لا توجد لغة في العالم تتوقف عن التطور بمعنى التفاعل مع الحياة والأخذ والعطاء، والعربية مع أنها لغة «توقيفية» لم تتوقف في القديم أو الحديث عن النمو أو التراجع، شهدت فترات ازدهار عظيمة حين كان أصحابها أقوياء أعزة لا يتماهون مع عدوهم ولا يستسلمون له، وكانت لغة العلم والبحث في أوروبا على مدى العصور الوسطى المظلمة هناك، واستوعبت الحضارات القديمة ومعطياتها، كما شهدت فترات تراجع كبيرة وخاصة في العصرين المملوكي والعثماني حين أصاب أهلها الضعف والوهن، ولولا القرآن الكريم لكانت قد انتهت وحين بدأت النهضة الحديثة عادت إلى فتوتها من جديد، وإن كانت هذه العودة تتذبذب صعودًا وهبوطًا نتيجة للواقع القومي في مجالاته المختلفة.

اللغة العربية مهمة لأنها تحمل دستور الإسلام، وحبها واجب على المسلمين حتى من لا يتكلمون بها، ومقولة «الثعالبي» التي يستنكرها «الشوباشي» ويغض من قدرها هي مقولة صحيحة تجب الإشادة بها (ص ۸۸)، ولا علاقة لها بتدهور مكانة العرب التي وصلت -كما يقول الشوباشي- إلى حد الاضطهاد من قبل الأجناس غير العربية.

وإذا كانت فكرة قدسية اللغة تبدو قضية مفتعلة في غير سياقها، فإن ادعاء أن النصارى العرب لا علاقة لهم باللغة، وأن المسلمين وحدهم هم ملاك العربية والعارفين بأسرارها وآدابها، يبدو أكثر افتعالًا وفجاجة، فلم يصدر قرار أو قانون بحجب النصارى عن تدريس اللغة العربية تكريسًا لفكرة قدسية اللغة العربية التي يدعيها الشوباشي، وقد صدر قرار بتعيين معيدة نصرانية في قسم اللغة العربية بجامعة قناة السويس قبل سنتين تخرجت في القسم نفسه، فمن الذي منع؟ ومن الذي كرس؟ ثم لماذا هذا الفرز الطائفي والناس جميعًا يحرصون على عدم التفريق بين أبناء الوطن؟ هل الغاية من طرح الموضوع بشكله الطائفي إثبات نوع من الولاء لبعض الجهات وإعلان العداء للهوية الإسلامية من خلال اللغة العربية؟

لقد استعرض الشوباشي دور النصارى العرب في خدمة العربية، وهذا أمر مقبول، وإن كان الباحثون في مختلف تخصصات اللغة العربية قد أتوا به في سياقاته المختلفة، ولكن من المعيب أن يدعي أن النصارى كانوا يعانون من التعصب اللغوي على مدى طويل مع حرمان من استخدام اللغة بحجة أنها لغة المسلمين وحدهم؛ مما دفعهم إلى محاكاة بعض المسلمين في نظم القصائد والبديعيات في مدح السيد المسيح وحوارييه. ويبدو أن القصور المعرفي الأدبي لدى الشوباشي أنساه أن النصارى العرب كانوا في طليعة من أسهم في تطوير الأساليب العربية وهذا هو التطوير الحقيقي، وقد ذكرت كتب الأدب دور «أديب إسحاق» وآخرين في هذا المجال. والذي لا يعرفه الشوباشي أن ديوان الشعر العربي الذي كتبه النصارى في مدح محمد ﷺ وليس المسيح -عليه السلام- ديوان ضخم، عقدت له فصلًا طويلًا في كتابي «محمد ﷺ في الشعر العربي الحديث». ترى هل يجيب الشوباشي عن سر انزلاقه في الفرز الطائفي الذي لا مسوغ له؟ 

في المداخلة التلفازية التي أشرت إليها في بداية هذه السطور، رفض الدكتور «نبيل لوقا بباوي» ما ذهب إليه الشوباشي، واتفق مع معظم ما قلته، وحين وصفه المذيع بأنه مسيحي استنكرت ذلك وتحفظت عليه ورفضت الفرز الطائفي، فالمواطنون في مصر مسلمون وغير مسلمين، يعيشون ثقافة واحدة هي الثقافة الإسلامية مع اختلاف انتماءاتهم الدينية، وهم جميعًا مواطنون مصريون قبل كل شيء.

إن أحكام الشوباشي خاطئة في معظمها، ولا تسير على منهج ولا تعتمد على أسس علمية يمليها الهوى والرغبة، ويكفي أن يصدمنا بالقول مثلًا إن ثقافتنا تملي علينا عدم الاقتراب من مناطق نعتبرها محظورة، بل محرمة على التفكير، ويؤسس على ذلك سؤالًا حول هجرة العرب للغة طوعًا مع عشقهم لها وتمسكهم بها. وهذا ادعاء باطل، لأن القرآن الكريم حمل آراء إبليس وفرعون في رب العالمين نفسه، فكيف تكون لدينا مناطق محظورة أو محرمة؟ ثم إن العرب لم يهجروا العربية، بل أُرغموا على هجرها، ولو أنه سلك منهجًا علميًّا حقيقيًّا لعرف ذلك.

وبعد:

فمع أن هذا الكتاب جاء صادمًا وفاجعًا، إلا إنه حرك الحياة الثقافية لتبحث عن الأسباب الحقيقية لمأساة اللغة العربية في عصر يهتم فيه الآخرون بلغاتهم يبعثونها بعد موت طويل جدًّا «العبرية»، أو يعتزون بها بعد هزائم قاسية «اليابانية» أو يستخدمونها لغايات سياسية واقتصادية «الفرنسية».

إن الصواب أن نقول: تطوير أساليب تعليم العربية وليس تطوير العربية إلى العامية، فالعاميات لا تقدم حلًّا عمليًّا، وفي عصر العولمة والهيمنة فإن واجب الكفاح من أجل بعث العربية واستعادة مكانتها وسط الإهمال التعليمي، وغزو اللغات الأجنبية ونمو الدعوات الشعوبية والتدخل في تغيير مناهجنا التعليمية من قبل قوى الشر الدولية، يجعلنا نتحرك تحركًا حقيقيًّا في كافة المجالات من خلال الخبراء والمتخصصين.

إن لغتنا الجميلة تستحق العمل والجهد لتكون شابة دائمًا، حية باستمرار.

الرابط المختصر :