; السنة النبوية ثقافة الداعية «الفقه» | مجلة المجتمع

العنوان السنة النبوية ثقافة الداعية «الفقه»

الكاتب د. يوسف القرضاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-مايو-1977

مشاهدات 61

نشر في العدد 350

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 17-مايو-1977

ولا بد للداعية من قدر مناسب من الثقافة الفقهية، بحيث يعرف أهم الأحكام الشرعية في العبادات والمعاملات والآداب، وما لم يعرفه أو يستحضره يكون قادرًا على مراجعة حكمه في مصادره ومظانه الموثقة، وذلك مهم للداعية من عدة نواح: 

أولًا: ليستطيع أن يجيب السائلين عن الحلال والحرام وشئون العبادة والأسرة ونحوها مما يكثر الناس السؤال عنه، ويلجأون عادة إلى الدعاة يلتمسون منهم الفتوى في ذلك: فمن لم يكن متضلعًا من الفقه سكت أو تهرب، وفي ذلك إضعاف لموقفه وتأثيره، أو أفتى بغير علم، وهذه هي الطامة، كما في حديث الصحيحين عن ابن عمر مرفوعًا: أن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا.

ثانيًا: ليمكنه تصحيح ما يقابله من أخطاء، وتقويم ما يواجهه من انحرافات في ضوء الأحكام الشرعية، فإذا رأى بعض البدع الفاشية أو المنكرات السائدة، أو الأخطاء الدينية الشائعة، واجهها بعلم وفقه لا بمجرد غضب وعاطفة، ومعنى هذا: أنه لا ينكر أمرًا مجتهدًا فيه بين الأئمة، إذ لا إنكار في المسائل الاجتهادية إلا في حدود معينة، وكذلك ينبغي ألا ينكر المنكر إذا ترتب عليه منكر أكبر منه، وقد حكى ابن القيم عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه مر على قوم من التتار جلسوا يشربون الخمر، فأنكر عليهم بعض أصحابه، فقال: دعهم وما هم فيه؛ فإن الله إنما حرم الخمر؛ لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء تصدهم الخمر عن سفك الدماء، ونهب الأموال، كما ينبغي أن يقدم الأهم على المهم، والكلي على الجزئي، والفرض على النافلة.

ثالثًا: ليعمل على تطعيم عظاته ودروسه بالأحكام المهمة التي يحتاج إليها الناس في وقتها، فإذا تحدث مثلًا عن الزكاة أو الصيام أو الحج وغيرها، لم يقتصر حديثه على محض الترغيب والترهيب، بل يحرص على إعطاء سامعه أو قارئه خلاصة الأحكام الأساسية لكل منها بأسلوب سهل قريب مقبول، وبذلك يستنير الناس، ويتعرفون على أحكام دينهم بيسر وسهولة؛ فالداعية الناجح هو الذي يعظ الناس ويفقههم، بحيث لا يطغى وعظه على فقهه، ولا فقهه على وعظه، ونوصي الداعية بعدة أمور:-

١- أن يحرص على ربط الأحكام بأدلتها من الكتاب والسنة، وما أرشد إليه من اعتبارات أخرى، فالإجماع والقياس والاستصلاح والاستحسان وغيرها من أدلة ما لا نص فيه، ويعرفون الفقه بأنه معرفة الأحكام الشرعية المأخوذة من أدلتها التفصيلية، فلا فقه بلا دليل، على أن الدليل يكسو الحكم أو الفتوى نورًا وجمالًا، ويمكنه هنا الانتفاع بكتب فقه الحديث، مثل: «الأحكام» لابن دقيق العبد، و«نيل الأوطار» للشوكاني، و«سبل السلام» للصنعاني، و«الروضة الندية» للصديق حسن خان، وكتب ابن تميمة، وابن القيم، وغيرها.

٢- وإذا كان الداعية ملتزمًا بمذهب من المذاهب الفقهية المتبوعة، فلا يمنعه هذا من التعرف على أدلة مذهبه ليطمئن قلبه، ولا مانع من ترك المذهب في بعض المسائل التي يشعر بضعف أدلتها إلى مذهب يری أنه أسد بالدليل من مذهبه، وقد روي عن الأئمة المتبوعين جميعًا قولهم: إذا صح الحديث فهو مذهبي.

ولا يجوز للداعية أن يدع السنة الصحيحة الصريحة بحجة تقيده بمذهبه كما رأينا بعض خطباء الجمعة على المنابر يأمرون الداخل إلى المسجد بالجلوس إذا أراد صلاة ركعتين تحية للمسجد، هذا مع ما جاء في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه.

عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- قاعد على المنبر، فقعد سليك قبل أن يصلى، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: أركعت ركعتين؟ قال: لا، قال: قم فاركعهما.  الحديث ٤١٨ من مختصر صحيح مسلم للمنذري.

٣- ويحسن بالداعية أن يتعرف على المذاهب الأخرى، وبخاصة التي يتبعها بعض من يدعوهم، فإن كان مالكيًّا وهو في بيئة حنبلية، أو كان حنبليًّا أو شافعيًّا وهو في بيئة حنفية، أو العكس، فينبغي له أن یلم بأهم ما يتميز به مذهب البلد عن مذهبه؛ حتى لا ينكر على الناس ما لا يجوز أن ينكر.

فالشافعي المحصور في مذهبه، إذا حل في بيئة مالكية، قد يستغرب من أهلها أنهم لا يتطهرون من بول وروث ما يؤكل لحمه، أو يرسلون أيديهم في الصلاة أو نحو ذلك، فلا يتكلم في ذلك إلا وهو عالم بمذهب القوم ومأخذه من الاستدلال.

ومثل ذلك في الحنفي الذي يحل بلد الشافعي: فيجد الناس يرفعون أيديهم عند الركوع، وعند الاعتدال منه، أو يجدهم يقرأون الفاتحة خلف الإمام، ويرفعون أصواتهم بالتأمين، ولا يسلمون إلا بعد أن يفرغ الإمام من تسليمتيه... إلخ، فقد يبادر إلى إنكار ما عليه القوم، وهو لا يعلم أن هذا هو مذهبهم الذي يتعبدون على أساسه.

وأنصح الداعية أن يقرأ كتابًا في الفقه المقارن مثل «بداية المجتهد ونهاية المقتصد» لابن رشد.

4- ينبغي على الداعية أن يقتدي بالقرآن والسنة في تعليل الأحكام، وبيان حكمها وثمراتها في الأنفس والحياة، وربطها بالفلسفة العامة للإسلام؛ حتى تقع من النفس موقع القبول.

وقد وجدنا القرآن الكريم يذكر الحكم والمنافع من وراء العبادات ذاتها، مع أن الأصل فيها التعبد والامتثال لأمر الله -تعالى-، كقوله في الصلاة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ (سورة العنكبوت: 45)، وفي الزكاة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ (سورة التوبة: 103)، وفي الصيام: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (سورة البقرة: 183)، وفي الحج: ﴿لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ (سورة الحج: 28)، فإذا كان هذا في الأمور التعبدية، فكيف بغيرها من المعاملات وشؤون الحياة؟ 

فهذا مطلوب في كل حين، ولكن طلبه في عصرنا ألزم، والحاجة إليه أوكد؛ لأن كثيرًا من الناس لم يعد يغلب عليهم التسليم، وإنما يغلب عليهم البحث والتساؤل لمعرفة الأسرار والعلل، ورحم الله امرءًا عرف زمانه، وخاطب أهله بما يعرفون.

علم أصول الفقه 

ولا بد للداعية أن يلم بعلل أصول الفقه؛ حتى يعرف الأدلة المتفق عليها بين فقهاء الأمة وهي الكتاب والسنة، والتي اتفق عليها جمهورهم وهي:

الإجماع والقياس، والتي اختلفوا فيها بعد ذلك بين مثبت وناف، ومضيق وموسع ومتوسط، وهي أدلة ما لا نص فيه من الاستحسان والاستصلاح والاستصحاب، وشرع من قبلنا، وقول الصحابة، وما إلى ذلك مما تفرقت فيه وجهات النظر.. وإذا كان الكتاب والسنة هما الأصليان والمصدران الأساسيان، فكيف تستنبط منهما الأحكام؟

ومن يجوز له استنباطه أو يجب عليه؟ ومن يحل له التقليد أو يحرم عليه؟ هنا نجد مسائل كثيرة بعضها اتفقوا عليها، وبعضها اختلفوا فيها «ولكل وجهة هو موليها»، ولا بد للداعية أن يعرف الراجح من المرجوح؛ ليأخذ بالراجح ويعذر الآخذين بالمرجوح أو يقنعهم إذا استطاعوا، وليس من الضروري للداعية أن يقرأ المطولات في الأصول؛ فهذا شأن المتخصص، وحسبه أن يقرأ ما يعطيه فكرة ملائمة مثل «جنة الناظر» لابن قدامة، أو«إرشاد الفحول» للشوكاني وهو أوسع، أو كتابًا حديثا مثل «أصول الفقه» للخضري، أو«علم أصول الفقه» للشيخ خلاف، ويحسن بالداعية تتمة لهذا أن يعرف نبذة عن تاريخ الفقه الإسلامي، ونشأة المذاهب وتطورها، وغلبة الجمود والتقليد على الاجتهاد والاستنباط في الأعصر الأخيرة، ويكفي في هذا «تاريخ التشريع الإسلامي» للخضري، أو «خلاصة تاريخ التشريع الإسلامي» لخلاف.

علم العقيدة

ولا نريد بدراسة العقيدة دراسة منظومات المتأخرين في علم التوحيد وشروحها مثل الجوهرة أو الخريدة ونحوهما، ولا دراسة العقائد النسقية وما يتبعها من شروح وحواش، ولا دراسة المطولات الكلامية مثل شرح المواقف وما شابهها؛ فلم يعد كثير من مباحث هذه الكتب يحتاج إليه العقل المعاصر أو يستسيغه، ولم يعد يكفي للرد على شبهات الفلسفة الحديثة وما تثيره من مشكلات فكرية، لهذا يجب توفير الجهد الذهني الضخم الذي يبذل في هضم هذه الكتب، وحل ألغازها وفك طلاسمها لما هو أجدى في الدفاع عن العقيدة وتثبيتها، هذا بالإضافة إلى أن المباحث الكلامية -على عمقها وتعب الذهن في فهمها واستيعابها- لا تكون عقيدة- كل مهمتها الدفاع عن عقيدة تكونت بالفعل، ورد الشبهات عنها.

لهذا نريد من دراسة العقيدة مراعاة ما يلى:

١- أن يكون كتاب الله -تعالى- وما يبينه صحيح السنة، هو المصدر الفذ للعقيدة المنشودة بعيدًا عن الشوائب والزوائد والفضول، التي لحقت بها على مر العصور، وبهذا تبقى العقيدة على صفائها ووضوحها وبساطتها، ولا نجعل آراء مدرسة معينة أصلًا يحمل القرآن عليه وتجر الآيات لتأييده.

٢- أن نتبع منهج القرآن في مخاطبة العقل والقلب معًا من أجل تكوين الإيمان الصحيح، فبناء العقيدة على العقل وحده كما هو اتجاه الفلاسفة، أو على القلب وحده كما هو اتجاه الصوفية، لا يتفق مع شمول المنهج الإسلامي الذي يقوم الإيمان فيه على اقتناع العقل، وانفعال القلب، وصدق الإرادة.

٣- الاهتمام بأدلة القرآن التي ذكرها لإثبات معتقداته، وإقناع مدعويه، والرد على خصومه، وتنفيذ ما يثيرونه من شبهات ومفتريات، مثل أدلة القرآن على وجود الله التي أشار إليها مثل ابن رشد في «مناهج الأدلة»، والعقاد في «الله»، والجسر في «قصة الإيمان»، وغيرهم، وكذلك أدلته على التوحيد، وعلى البعث، وعلى نبوة محمد، وكلها أدلة عقلية برهانية صريحة، وليست خطابية أو إقناعية كما وهم بعض المتكلمين أن تدرس كتاريخ للفكر الإسلامي.

٤- صرف الهمة إلى مشكلات العقل المعاصر، والاشتغال بقضايا العقيدة الكبرى، مثل: وجود الله -تعالی-، توحيده، النبوة، الحياة الأخرى، القدرة- أما المشكلات التاريخية، مثل: خلق القرآن أو الصفات وعلاقتها بالذات: هل هي عين أم لا عين ولا غير... إلخ، فينبغي ألا ننفق فيها من الوقت والجهد ما نحن في حاجة إليه لمواجهة معضلات زماننا.

٥- الاستفادة من ثقافة العصر، وخصوصًا في ميادين العلوم البحتة كالفلك والطب والفيزياء وغيرها؛ لتأييد قضايا العقيدة وتثبيتها، كما فعل ذلك كثير من المؤلفين في زماننا من الأجانب والمسلمين مثل صاحب «العلم يدعو إلى الإيمان»، وأصحاب «الله ينجلي في عصر العلم»، وصاحب «قصة الإيمان»، و«الإسلام يتحدى»... وغيرها.

٦- أن نتبنى طريقة السلف في وصف الله -تعالى- بما وصف به نفسه من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تحريف ولا تعطيل، وهي التي انتهت إليها أساطين علم الكلام من الأشاعرة وغيرهم، مثل أبي الحسن الأشعري في «الإبانة»، وإمام الحرمين في «العقيدة النظامية»، والغزالي في «إلجام العوام عن علم الكلام»، والفخر الرازي في «أقسام الذات»، حيث يقول فيه: لقد تأملت المناهج الفلسفية، والطرق الكلامية، فلم أرها تشفي عليلًا أو تنفع غليلًا، ورأيت خير الطرق طريقة القرآن: اقرأ في الإثبات «الرحمن على العرش استوى»، واقرأ في النفي «ليس كمثله شيء».. ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي.

٧- نتتبع شبهات المبشرين والمستشرقين والشيوعيين وغيرهم من خصوم الإسلام وتلاميذهم، والرد عليها ردًّا علميًّا فكريًّا بلسان العصر.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 301

74

الثلاثاء 25-مايو-1976

من شذرات القلم (العدد 301)

نشر في العدد 1491

64

السبت 09-مارس-2002

فتاوى المجتمع- العدد 1491