; عودة الزوج | مجلة المجتمع

العنوان عودة الزوج

الكاتب محمد مشرح

تاريخ النشر السبت 08-مايو-2004

مشاهدات 93

نشر في العدد 1600

نشر في الصفحة 60

السبت 08-مايو-2004

هذه قصة لإحدى الأخوات مع زوجها في رحلة معاناة وصبر ومصابرة وابتهال إلى الله تعالى، ثم الوصول إلى الحياة الحلوة السعيدة التي كانت تتمناها، وهي قصة تبين أهمية التحرك من أجل دعوة الآخرين إلى الله، ابتداء من العشيرة الأقربين؛ إذ هي وظيفة المسلم والمسلمة الأولى في هذه الحياة، وقد دل على ذلك أدلة كثيرة منها قوله تعالى: ﴿ قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ( يوسف: 108).

و«من» في الآية من ألفاظ العموم فيدخل فيها كل مسلم ومسلمة كله بحسب قدرته.. إن هذه الأخت قدوة صالحة في مجال الدعوة إلى الله تعالى، ولنتركها تحكي قصتها:

سقطت على الأرض مغشيا عليها ..!

ليست المرة الأولى، فهي تعاني من إرهاق نفسي متواصل منذ أن تزوجت قبل سنتين..!! لقد أخبروها أنه رجل طيب..! وفيه خير.. تستطعين التأثير عليه؛ لكي يتدارك أمور دينه، ويحافظ على الصلاة.

لقد تزوجت أختك الصغرى قبلك، وأعتقد أن هذا هو الأصلح لك..! وأصرت أمي على هذا الخاطب، فهو ميسور الحال.. ومن عائلة معروفة، ومركزه الوظيفي جيد، مظاهر براقة لا تهمني.. فقد سألت عن الدين، هذا ما يهمني.. أريد رجلًا صالحًا يعينني على الخير والطاعة.. إن أحبني أكرمني وإن كرهني سرحني سراحًا جميلًا.. فما أكثر ما نسمع من تلك القصص المبكية من ظلم الأزواج ومشكلاتهم مع زوجاتهم لقلة الخلق والدين..!!

كنت أحلم بمن يوقظني للصلاة في جوف الليل..!

ودموعي تتساقط أن يرزقني الرجل الذي يعينني على الطاعة وأعيش معه على مرضاة الله.. نسير سويا متجهين إلى الله.. نقتفي أثر الرسول – صلى الله عليه وسلم -وأصحابه الطيبين. 

كنت أحلم بالرجل الذي يربي أبنائي تربية إسلامية صحيحة..

كأنني أقف بالباب أرمقه هو وابني وهما ذاهبان إلى المسجد.. دعوت الله أن يتردد على مسامعي.. قول زوجي: كم حفظت اليوم من القرآن..؟ وكم جزءًا قرأت؟

أحلم أنني أقف بطفلي أمام الكعبة وأدعو له.. سأنجب أكبر عدد من الأبناء، مادام في ذلك أجر، وأنني سأخرج للدنيا من يوحد الله ..

لطالما حلمت الأحلام الكثيرة.. ولطالما متعت نفسي بتلك الأحلام.. الحمد لله على كل حال.. 

احتسبت الأجر وصبرت على زوجي.. في البداية كان ينهض للصلاة..مع مرور الأيام بدأ بتثاقل..ماذا تريدين..؟ الله غفور رحيم.. سأصلي.. الوقت مبكر..!! 

هذا هو الرد السريع عندما أحثه على صلاة الجماعة حتى لا تفوته..

أحس أنه يتغير مع إلحاحي إلى الأفضل.. على الأقل هذا ما أتفاءل به.. 

كنت أخشى رفقاء السوء فقد حدثني عن بعضهم..

أصبحت أخشى عليه من تأثيرهم.. فكرت في طريقة مجدية أكثر من نصحي له .

لماذا لا أعرفه على الشباب الصالحين، فقد يتأثر بهم؟

زوج صديقتي شاب ملتزم وصالح إن شاء الله..

أسرعت للهاتف.. رحبت صديقتي بالفكرة وشجعت زوجها.. أخبرته أن صديقتي ستأتي ومعها زوجها .

بعد أسبوع زارتني صديقتي هي وزوجها .

قلبي يرجف من الفرح.. عسى الله أن يلقي في قلبه حبه .

كلما طال وقت الزيارة زادت دقات قلبي ..!

ودعت زميلتي إلى الباب.. رجعت إليه مسرعة..

جلست أضغط على أصابعي بقوة.. أنتظره يقول شيئًا..!

نظرت في عينيه .. فقال: لقد كان لطيفًا وذا خلق عال، ولكنه لم يبد حماسًا للقائهم وللذهاب لهم، كما وعدهم برد الزيارة.

حاولت بشتى الوسائل والسبل.. أن أعينه على المحافظة على الصلاة في المسجد ..

الآن زاد الحاحي بعد أن أنجبت منه ابنًا.. أسهر الليالي الطويلة وحدي.. 

هو يقهقه مع زملائه وأنا أبكي مع طفلي.. أكثرت من الدعاء له بالهداية.. قررت أن أصلي صلاة الليل في غرفتنا بجواره عسى أن يستيقظ قلبه ..

أحيانًا يستيقظ ويراني أصلي.. 

وفي النهار ألاحظ عليه أنه يتأثر من صلاتي وطولها..! 

مساء ذاك اليوم أخبرني أن أجهز له ثيابه.. سيسافر.. إلى المدينة الفلانية في رحلة عمل..

لا أعرف صدقه من غيره؟

غالبًا ما يسافر ولا يتصل بنا .

وأحيانًا يتصل ويترك رقم غرفته وهاتفه .

إذا اتصل عرفت أين هو .

لكن أحيانًا كثيرة لا أعلم أين يذهب..

ولكنني أحسن الظن بالمسلم إن شاء الله .

في مدة سفرته أخصه بالدعاء.. في اليوم التالي لسفره.. اتصل بنا.. هذا رقم هاتفي.. الحمد لله .

انقطع صوته ثلاثة أيام.. وفي اليوم الرابع.. أتى صوته . لم أكد أعرفه.. صوت حزين.. ما بك؟ سأعود الليلة إن شاء الله .

في تلك الليلة لم أنم من كثرة بكائه.. ماذا جرى لك؟ أخذ في البكاء كالطفل!!

ثم تبعته في البكاء، وأنا لا أعلم ماذا به..! 

وبعد فترة سادها الصمت الطويل.. أخذ ينظر إلي.. والدموع تتساقط من عينيه..

مسح آخر دمعة ثم قال: سبحان الله زميلي في العمل..

سافرنا سويا لإنجاز بعض الأعمال.. ننام في غرفتين متجاورتين لا يفصلنا سوى جدار واحد.. تعشينا ذلك المساء.. وعلى المائدة تجاذبنا أطراف الحديث.. ضحكنا كثيرًا.. لم يكن بنا حاجة إلى النوم.. تمشينا في أسواق المدينة.. لمدة ساعتين أرجلنا لم تقف عن المشي.. وأعيننا لم نغضها عن المحرمات..

ثم عدنا وافترقنا على أمل العودة في الصباح للعمل لإنهائه.. نمت نومًا جيدًا.. صليت الصبح عند الساعة السابعة والنصف..

اتصلت عليه بالهاتف لأوقظه.. لم يرد.. كررت المحاولة.. لعله في دورة المياه.. اتصلت مرة أخرى..لا مجيب!

الساعة الآن الثامنة وقد تأخرنا عن موعد الدوام.. طرقت الباب لا مجيب.!

اتصلت باستعلامات الفندق لعله خرج؟

ولكنهم أجابوا:إنه موجود في غرفته..

لا بد أن نفتح لنرى.

أصبح الموقف يدعو للخوف، أحضروا مفتاحًا احتياطيًا للغرفة، دلفنا الغرفة.. إنه نائم.. يا صالح ناديته مرة أخرى.. رفعت صوتي أكثر وأنا  أقترب منه. نائم ولكنه عاض لسانه، ومتغير اللون. ناديته.. اقتربت أكثر، لا حراك..

التقرير الطبي يقول: إنه مات منذ البارحة بسكتة قلبية مفاجئة.. أين الصحة والعافية والشباب؟ البارحة كنا نسير سويا لم يشتك من شيء..  ليس به مرض ولم يشتك من مرض أبدً، أعدت حساباتي.. هذا موت الفجاءة لا نعرف متى سيأتي.. بل بدون مقدمات.. 

سألت نفسي: أين عملي؟ ماذا قدمت؟

عرفت أنني مقصر في حق الله .

سکت زوجي.. بكى وأبكاني..

حمدت الله على هذه الهداية.. عشنا بعدها كما كنت أحلم أو أكثر .

في الأسبوع التالي..

شكر لي جهدي معه وحرصي على هدايته، وأخبرني أننا سوف نذهب لأداء العمرة والمكوث في مكة نهاية الأسبوع؛ لنبدأ صفحة جديدة مع الاستقامة..

أكاد أطير من الفرح.. فأنا لم أذهب إلى مكة منذ أن تزوجت .

ضحى ذلك اليوم ذهبت إلى الحرم.. الأعداد قليلة.. فترة الصيف وليس هناك زحام..

حقق الله ما كنت أحلم به..

وقفت بابني أمام الكعبة.. لكني لم استطع الدعاء له؛ لأنني بكيت وبكيت.. حتى تقطع قلبي .

في الغد.. إن شاء الله سنطوف طواف الوداع وسنغادر هذه الأرض الطاهرة، بعد طواف الوداع ..عدنا من الحرم لنستعد للسفر .

ما هذا الذي معك؟

هذا كتاب ابن رجب «جامع العلوم والحكم»،

هذا كتاب ابن القيم «زاد المعاد في هدي خير العباد»، هذا كتاب «الوابل الصيب» لابن القيم، هذا كتاب «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي».

وهذا القرآن الكريم بحجم صغير.. لن يفارق جيبي..

أيتها الحبيبة..

هذه معالم في طريقنا إلى الدار الآخرة، ثم أخذ يردد وهو يحمل الحقائب ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ* رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (إبراهيم: 40-41).

الرابط المختصر :